عندما تتحول السياسة إلى كيد عوالم، فإنه من الطبيعي جدًّا؛ بل من المتوقع والحتمي، أن يصبح الرقص جزءًا أساسيًّا من المشهد الانتخابي، ويصبح التطبيل جزءًا أساسيًّا من المشهد الإعلامي!

ومن هنا نتساءل، لماذا هناك رغبة حثيثة لدى قطاعات عريضة في النفاق والخنوع للأنظمة الحاكمة؟ ولا نتحدث هنا عن ميل إلى تيار سياسي، إذ يغلب على حكومات وأنظمة وطننا العربي أنها أنظمة غير أيديولوجية؛ أي إنها ليس لديها فكر حقيقي قد يبرر دفاع البعض المستميت عنه نوعًا من الانتماء للفكرة، وهو ما يميز العقليات الأيديولوجية الدوغمائية.

ولكن أن يكون الخنوع لأنظمة لا تملك رؤية معرفية، فضلًا عن تجاوز هذا النفاق حدود التأييد إلى الحب، انتهاء ربما بالتقديس والعبادة! فذلك يحتاج لدراسة حقيقية، ولبحث مستفيض.

وقد يتبادر إلى الذهن عدة أسباب وراء تلك النزعة النفاقية، ولكن بداية، من يا ترى يتأثر بالطغاة والأنظمة الاستبدادية؟

إن طبيعة المجتمع الاستبدادي تؤدي إلى أن ينقسم المجتمع إلى طوائف تخضع كلها، إن أمكن، لرغبات الطاغية ونزواته؛ حيث إن تقسيم المجتمع هو من أهم وسائل التمكين لأي طاغية منذ فرعون الأول، وعلى مدار التاريخ. فينقسم المجتمع إلى طوائف ثلاث هم: أعوان الطاغية، والسذج، والمتملقون.

والطائفة الأولى هي التي تتسلط على رقاب الناس خدمة للطاغية، وهم المستفيد الأول منه؛ لأنهم أداته وقوته، وما إن ينقلبوا عليه حتى يهلك من دونهم؛ لذلك يعمد الطاغية إلى ترغيبهم كما يعمد إلى ترهيبهم؛ فهو يملك الأموال التي لا يعلم بوجودها أحد سواه، تلك الأموال التي يغرقها عليهم كلما زادوا من سلطانه وتحكمه المطلق، وقاموا بتلبية رغباته ونزواته جميعهًا؛ فسعيهم إلى المال هو ما يحافظ على ولائهم له.

أما السذج فهم البسطاء من الناس، وهم عبارة عن نموذج للإنسان المقهور المهدورة إنسانيته وآدميته، ينهشهم الجهل والفقر والمرض، ذلك الثالوث المقدس للاستبداد والطغيان، وهم نتاج تلك المنظومة ووقود استمرارها. فأرواحهم مدمرة ولا يثقون بعضهم في بعض، ولا حتى في أنفسهم، يملأهم الشك والخوف من المستقبل ومن التغيير، واعتادوا الخسة والوضاعة، وفقدان الكرامة، والعيش في ذل وهوان! وهم يخضعون للطغيان خوفًا منه وطلبًا للسلامة.

أما المتملقون، فهم المنتفعون الشهوانيون، وهم يسايرون الطغاة طلبًا للشهرة، وهم أسوأ من أعوان الطاغية الذين يعذبون الجسد، بينما المتملقون فهم يزيفون الوعي ويفسدون الروح!

فيعمد هؤلاء إلى النعرات الغوغائية في خطاباتهم، وتقليب الناس على المُصلحين، وإغراق الجماهير بالباطل، والإخفاء المتعمد للحقائق. فالطغيان لا يخشى شيئًا، كما يخشى يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره أحدًا كما يكره الداعين إلى اليقظة والوعي؛ ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية؛ فالثورة الوحيدة التي يخشاها حقًا هي الثورة في الأفكار.

وهو يعلم ولا يخفى عليه، مهما كان غبيًّا، أنه لا يمكن استعباد الناس إلا بالتضليل الممنهج، ونشر الجهل والظلام، حتى يسير الناس حيارى كالعميان. فمهما كانت قدرة الطغاة على البطش فإنها محدودة، ولا يمكن أن يستمر الطاغية إلا بغسل أدمغة الناس، والترويج للأفكار الباطلة المغلفة بالعواطف والنعرات الوطنية.

ولكن ماذا عمن يخضع وهو لا يحتاج إلى شهرة ولا إلى مال، ولا يخشى على حياته؟!

إن هؤلاء يتوزعون بين مؤيدين ومحبين وعبيد!

فالمؤيد هو شخصية تعشق الاتباع والقواعد والأنظمة، ويعشقون المظاهر العسكرية والعروض والاستعراضات وغيرها من الأكاذيب التي تجعل الحياة أكثر قبولًا، ويضحون بالحرية رغبة في الاستقرار والأمن. وهم يعشقون أن يكون فوقهم سُلطة ما ليتصارعوا من أجل إرضائها وتقديم فروض الولاء والطاعة لها؛ للحصول على الثناء منها، ولديهم مقدرة مذهلة على التكيف، ولا يحبون التغيير.

أما الفئة الأخرى فهي التي تبالغ في التأييد حتى يصل الأمر إلى الوله والعشق! وأولئك هم نموذج الشخصية الفهلوية كما وصفها عبد الفتاح جلال، والذي درس الشخصية المصرية من خلال الأمثال الشعبية. وهي تتميز بالانتهازية: «حلال كلناه، حرام كلناه»، والنفاق: «إن كان لك عن الكلب حاجة قوله يا سيدي»، والأنانية: «إحيينى النهاردة وموتنى بكره»، والحقد: «يدي الحلق للي بلا ودان»، التواكلية: «قيراط حظ ولا فدان شطارة»، المظهرية: وهو الاهتمام بالمظهر دون الجوهر حتى في التدين نفسه، «بركة يا جامع اللى جت منك ولا جت مني». ونتيجة تمتعهم بتلك الصفات فهم يحبون الطغاة لأنهم امتداد لهم ولشخصيتهم، إنه شعور بالألفة والكمياء بينهم. فهم ليسوا إلا طغاة تحت التدريب. وإن بحثت لوجدتهم طغاة في مجالاتهم الخاصة وعلاقاتهم سواء الأسرية أو الاجتماعية أو المهنية!

أما من تجاوزوا الحب إلى التقديس، فإن أولئك قد وصلوا إلى عتبات الشرك! فلديهم رغبة في الالتصاق والتوحد تمامًا كالطفل الذي يرغب في العودة إلى رحم أمه، فتختلط كل العناصر وتذوب في الكل العضوي الأعظم «وهو في هذه الحالة الدولة وزعيمها» وتفقد هويتها الذاتية. وهو سلوك انسجامي ينم عن عدم الوعي وعدم النضج، والخوف من الهوية المستقلة التي يعني وجودها عبء المسئولية والاختيار، وهو هروب من الحرية تهربًا من ذلك، وتلك النزعة هي ما يؤدي إلى ما يعرف بالغنوصية، والتي تتسم، مثلها مثل كثير من الحركات الباطنية، بأنها سريعة الانقسام؛ وذلك بسبب مركزية الزعيم أو القائد فيها؛ إذ عادة ما تؤله ويقدس ويتحول إلى مطلق ليصبح ظل الإله على الأرض والحاكم بأمره، فهو المُخلِص الذي أرسلته العناية الإلهية، وهو العبد والمعبود والمعبد في الوقت نفسه! فما يشاء لا ما تشاء الأقدار، ليحكم وكأنه الواحد القهار، وكأنه النبي محمد وكأنما أنصاره الأنصار! «وذلك وصف أطلقه أحد الصحافيين المصريين على رئيسه، والذى نقلها عن الشاعر ابن هانئ الأندلسي الذي قالها في المعز لدين الله العبيدي الفاطمي، الذي نجح في السيطرة على مصر، بخلاف سابقيه»، ومن سخرية القدر أن أهم وثائق الغنوصية هي نصوص نجع حمادي؛ فقد كانت مصر القديمة مركزًا للتفكير الغنوصي!

تلك في ظننا أبرز ملامح الجذور النفسية للاستعباد التي تتراوح بين رغبة في المال يمثلها أعوان الطاغية، ورغبة في الشهرة يمثلها المتملقون، وخوف من الطاغية يمثله السذج والبسطاء من الناس، وتأييد مطلق يمثله أصحاب عقلية الاتباع، وحب وعشق في الزعيم الرمز، وهم أصحاب الشخصية الفهلوية الذين انتهجوا النفاق إبان عصور الاحتلال القديم، ولكنهم ألفوه لطول ممارستهم له حتى غلب التطبع الطبع، وأخيرًا أصحاب نزعة التقديس الذين لديهم مشكلة حقيقية في عقيدتهم وتوحيدهم لله – عز وجل- فهم يشركون مع الله إلهًا آخر لا يضر ولا ينفع.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

إمام، عبدالفتاح: الطاغية دراسة فلسفية
قطب، سيد: فى ظلال القرآن
المسيري، عبدالوهاب: الحلولية ووحدة الوجود
الكواكبي، عبدالرحمن: طبائع الاستبداد
عبارة، حسن:
عرض التعليقات
تحميل المزيد