أن تكون بطريقاً مقلداً

في أوقات الكوارث والأزمات، نلاحظ العديد من التصرفات والسلوكيات، التي قد تبدو عشوائية وطائشة للوهلة الأولى، إلا أنه يمكن للمتفحص بعد عدة مشاهدات، أن يستنتج أنها تتبع أنماطًا قابلة للتفسير والتحليل عندما يتبناها مجموعة من الناس، وإن كانت عبثية في مجموعها. بل إنه يُمكننا التنبؤ بالممارسات المصاحبة للأحداث الاجتماعية المشابهة. ونحن في هذه الأيام إذ نعاني من اجتياح وباء فيروس كورونا المستجد، فإننا نشاهد بأنفسنا ممارسات – إن لم يكن منا بالفعل من يفعلها – بالرغم من كونها غير منطقية، مثل عدم الالتزام بأساليب الوقاية، والنظافة العامَّة، والعزلة الذاتية، وتعريض الآخرين لخطر العدوى بالاستخفاف والتهوين، أو حتى اتِّباع أساليب غير علمية للوقاية، كارتداء القفازات لعزل الأيدي مع الإتيان بكل المحاذير في الوقت ذاته، لدرجة قد تعرضنا لإيذاء أنفسنا. وسوف نحاول من خلال هذا المقال تعقُّب وتفسير السلوك الجمعي المصاحب لأوقات اجتياح الأوبئة والكوارث.

في البداية يلجأ كل من الأفراد والمجتمعات على حد سواء، إلى آلية دفاع نفسية تُمارَس عند الشعور بانعدام الأمان؛ لتجنب الوقوع تحت ضغط نفسي ناتج من توقع مصير لا يمكن تحمل تبعاته في حالة سير الأمور في اتجاه غير مرغوب فيه. فيشرع الفرد باستبعاد أو رفض فكرة وصول المرض إلى دائرته الاجتماعية، مفترضًا مثلًا أنّ بعده عن أقرب بؤرة انتشار للوباء سيكون حائلًا بينه وبين الإصابة. قبول هذا الاحتمال يترتب عليه إهمال أساليب الوقاية؛ مما يجعله هدفًا سهلًا للإصابة بالمرض، ناهيك عن قبول احتمال أشدّ قسوة، وأنه من الممكن أن يفقد حياته؛ ليُفضِّل الفرد بذلك الانسياق لهذه الحيلة النفسية.

يحاول مارك بوكانن الفيزيائي، ومؤلف كتاب «الذَّرَّة الاجتماعية: لماذا يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا»، ترسيخَ مفهوم قد يكون الأمثل لفهم الظواهر الاجتماعية عن طريق ملاحظة وتفسير الأنماط لا الأفراد، كما يفترض أيضًا أنَّ أغلب ما نفعله ظانِّين أنه نابع عن محض إرادتنا، لا يكون على الحقيقة ناتجًا من استقلالية تامة، وأننا نستمِدُّ المعلومات التي تعتمد عليها حياتنا من أفعال الآخرين ومحاكاتهم.

ويذكر بوكانن مثال البطاريق المحاكية في سياق كلامه عن أنماط المحاكاة. إذ تعتمد طيور البطريق بشكل أساسي في نظامها الغذائي على الأسماك، ولأن الأسماك لن تخرج من الماء مُضحِّية بنفسها فقط لكي تحفظ للبطاريق حياتها؛ فإنه يتوجب على البطاريق أن تنزل إلى المياه لتحصل على غذائها بنفسها. وكما أن المياه توفر غذاء البطاريق من الأسماك، فإنها أيضًا توفر الاحتياجات الغذائية للأسماك الكبيرة من البطاريق المستكشفة للمياه، ما يضع البطاريق عند مفترق طرق صعب. إما أن تقامر بحياتها في سبيل التأكد من سلامة المياه، ومن ثم ضمان الحصول على الغذاء، وإما أن تنتظر بِطريقًا طائشًا يرمي بنفسه في الماء من أجل وجبة قد لا يعيش ليستمتع بها، فإذا سارت الأمور على ما يرام وعاد البطريق الأول ظافرًا، سيقفز الجميع عندئذ إلى المياه.

إذن فكلمة السر هي المحاكاة، ولكن ما هو الضابط لسلوك المحاكاة؟ يجيبنا عن هذا السؤال عالم الاجتماع مارك جرانوفيتر، إذ تتبنى أطروحته ضرورة وجود حد أو عتبة مكونة من دوافع الأفراد الفاعلين، الذين سيتخذون قرارًا بالامتناع أو المشاركة في السلوك الجمعي، ويُبنَى هذا القرار على ما يجمعه الفرد من معلومات عن العائد- المنافع والمفاسد – من هذا السلوك، ومن خلال الموازنة بين المنافع والمفاسد يتوقف القرار بالمشاركة من عدمه، كما يتوقف أيضًا على قرارات الآخرين، وعدد المشاركين بها.

يمكننا الآن بسهوله أن نُسقط نمط سلوك البطاريق على أزمتنا الحالية، مع اختلاف الفاعلين؛ فإن البطريق الأول هو من يمتلك العتبة الكافية لمشاركته في لعبة الحياة والموت تلك، إما أن يبلغ به الجوع مبلغًا لا يستطيع تحمله، وإما أنه متهور بما يكفي ليكون أول المستكشفين للمياه، ليحاكيه بعد ذلك إخوته من البطاريق على اختلاف عتباتهم، فمنهم من قد ضاق به الملل ذرعًا ومنهم من يريد فقط الغوص في الماء ومراقبة غيره من البطاريق، تمامًا كما نرى في شوارعنا هذه الأيام من أناس لا داعي حقيقي لوجودهم في الشوارع، معرضين أنفسهم وذويهم لخطر الإصابة والعدوى. فإن كنت لابد مقلدًا بطريقًا، فاحذر أن تقلد البطريق الأحمق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد