شريدٌ، مشتتٌ، ضائعٌ، كل مصطلحات التِيهِ تنطبقُ عليكَ وتطوقُ عنقكَ حتى تخنقكَ، وتشعركَ بأن كل هذا أبدي مستحيلُ الانتهاء.

وأنت ضائعٌ بين عالمين كلٌ منهما هو ضدُ الآخرِ، ضائعٌ بين العقلانية والجنون، بين النضج والطفولة، بين الإقدامِ والإحجام، بين الهدوء والثورة، بين الصمت والصراخ، بين الخوف والشجاعة، بين كل ما يحمل الوجه الآخر لوجه العملة الظاهر التي تحملها بين يديك!

ببساطة أنت مراهق – كما أطلقوا عليك – وكما قالوا لك إن هذا هو تعريفك الآن، قالوا لكَ إن المراهقة مجرد مرحلة عمرية تبدأ من سن الثالثة عشرة وتنتهي عند الحادية والعشرين، وبأنها مجردُ مرحلة عمرية من مراحلِ حياتك، ولكنها ليست كذلك فقط، إنها أكثر عصفًا من أن تكون مجرد مرحلة؛ لأنها عاصفة.

وثم بعدها تبدأ بإدراك أنك لم تعد نفس ذاكَ الطفلِ الذي كنته، تصبح مسئولًا عن نفسك أكثر من أي وقتٍ مضى، تبدأ عواصف فكرية ونفسية بالهبوب في رأسك، كل هذا يحدث وأنت واقف لا تدري ما الذي عليك فعله، لأنك عندما كنت طفلًا كنت ترى كل ما تريده واجبُ التحقق وترى أن عالمك الصغير المثالي سيحقق لكَ كلَ أحلامك، أما الآن بدأت تدرك أن هناك ممكن وهناك مستحيل وأن عالمك الكبير لن يحقق لكَ أحلامكَ وبأن المثالية ضربٌ من المستحيل وأن الواقع هو الناطق الوحيد الذي تسمعه.

كثيرٌ من أحلامكَ التي حددتها عندما كنت طفلًا تغيرت وكثيرٌ من الطرق التي ظننت أنك ستسير بها تغيرت، أستعجلت الحياة فصفعتك على وجهك، وأوقفتك عن الحراك جعلتك تمضي جلَ وقتك في التفكير والتفكير دون عمل؛ صدمتَ بأن هناك الكثير من العوائق تقف أمامك العالم يقف أمامك مجتمعك يقف أمامك عائلتك تقف أمامك وأنت تقف أمام نفسك لتكون أنت الأخر لنفسك عائقًا، لأن أكبر عدوٍ للإنسان هو نفسه، فتتساءل: ما لي تغيرت هكذا؟ ولا تحر جوابًا!

لطالما حاولت – شخصيًا – إنكار كل هذه الأمور، وكذبت حدوثها، ولكنني لما رأيت نفسي ورأيت أصدقائي وزملائي يمرون بنفس ما أمر به أدركت أنها ليست حالة فردية، بل أن هذا هو ما يحدث لنا جميعًا؛ صحيحٌ أننا في الطفولة نكون متشابهين، لكن سرعان ما ننقسم ليسلك كلٌ منا طريقه الخاص بعوائقه الشخصية، بعضنا تتمثل مشاكله في عائلته التي لا تتمكن من فهمه، عائلته التي تعيقه و تغلق عليه وتمنعه من فعل أي شيء وتراقبه وتشك فيه دائمًا، مهما فعل محاولًا إرضاءها تشكوه، لا يستطيعون أن يفهموا مشاكله أن يقدروا أن ابنهم لم يعد طفلًا وأنه صار يفكر ويريد أن يفعل يريد أن يخرج من دائرة المدرسة واصدقاء الحي الضيقة إلى العالم يريد أن يتوسع في دراسته، أن يمارس هوايته، أن يتعرف على أشخاص جدد ينطلق للعالم، فتصبح ردة فعلهم سجنه في قفص وكأنه عصفورٌ لا يجيد الطيران، وبعضهم تصبح مشاكله تمرده الزائد عن الحد وعدم رضاه عن أي شيء وضربه بعرض الحائط لكل شيء.

وبعضهم تصبح كل مشاكل حياته هي الحب يصدم من مشاعره، وكيف أودت به إلى طريقٍ مغلق، لأن حب المراهقة حب قلبيٌ محض لا مكان للعقل فيه أو المنطق لذلك يفضي إلى نتائجٍ – كارثية غالبًا – يكون الحب جميلًا في البداية، ثم يصبح جارحًا لأن العلاقات لا تبنى على الحب فقط، بل على عدة دعائمٍ الحب أحدها ويفتقر أغلب المراهقين لتلك الدعائم لأننا بالكاد نفهم أنفسنا ونفهم ما نريد فكيف سنفهم شخصًا آخر.

والبعض الآخر يقع فريسة الاكتئاب والحزن – وهذا طابع من طباع هذا العمر – يصبح هشًا ضعيفًا ينظر للماضي ويتمني الرجوع إليه يتمنى لو أنه لم يكبر لو أنه يعود طفلًا يقع فريسة كل الحزن المحيط به يشعر أن جبالًا من الهم تخنق قلبه يحاول فعل أي شيء لإخراج نفسه من هذا الاكتئاب يقص شعره، يجرح يديه بالسكين، يحبس نفسه بغرفته، يمنع نفسه من الطعام باختصار يتلذذ بتعذيب نفسه بشتى الطرق وهو غير مدركٍ لخطأ ما يفعل وإذا سألته عن السبب فلن يجيب لأنه لا يعرف لماذا يفعل ذلك بنفسه!

وبعضهم يشعر بأنه وحيد أنه ليس لديه أصدقاء ولا عائلة ولا زملاء ولا أقارب مع أن الواقع يمكن أن يكون عكس ذلك، يمكن أن يضحك صباحًا مع أصدقاءه ويعود مساءًا إلى منزله فلا يجد شخصًا يحدثه يشكو إليه يطلب نصحه.. لا يجد.

يصبح المراهق شخصًا كثير التفكير يصبح قلقًا بشأن المستقبل، لا يعرف ماذا يدرس: تجارة، حاسبات، طب، ترجمة، فنون، إدارة أعمال، فيزياء؛ وماذا يعمل أيعمل موظفًا أم يعمل عملًا حرًا أم ماذا؟ لا يعرف ما اللوحة المناسبة لرسم معالم حياته، هذا ينصحه وذاك يحبطه، هذا يشجعه وذاك يثبط عزيمته، وهو بينهم متقلب سريعُ للتأثر بآراءِ الآخرين فيشعر بأنه غريق.

قد يظن – الكبار – أن حياة المراهقين مريحة لأنهم ليسوا مسئولين عن أسرة وليس عليهم العمل للإنفاق على أحد وليس عليهم الاعتناء بمن حولهم، ولكنهم ينسون أن المراهقين أضعف منهم، ينسون أنهم مشتتون، ينسون أنهم يحاربون أنفسهم في اليوم ألف مرة ويصارعون أفكارهم ألفين، ينسون أن الأرق يأكلهم، وينسون أن نفسيتهم ليست مستقرة.

المراهقة مرحلة غريبة، مرحلة الاضطراب مرحلة الطموح مرحلة الحماس الذي يجعلك ناقمًا على ما أنت فيه وغير راضٍ لأنك دائمًا تتوقع الأفضل تتوقع النجاح تتوقع أن الحياة يجب أن تكون وردية، ولأن خبرتنا ومعلوماتنا وكل شيء فينا يميلُ لأن يكون سطحيًا في تلك الفترة من العمر لا نتمكن من أخذ القرارات الصحيحة نكون قلقين دائمًا بشأن المستقبل ناظرين إلى عمر الشباب بأنه سيكون هو المخلص الوحيد مما نحن فيه – مع أن هذا ليس صحيحًا فالشبابُ نتيجة للمراهقة يجب أن تكون مراهقًا سليمًا حتى تصبح شابًا سليمًا – المراهقة على كل ما فيها من تعب فتعبها ينبع من الدخل من داخل الإنسان نفسه أما في الشباب وما يلي ذلك فإن تعبها ينبع من العالم الخارجي لذلك أرى بأنه يجب علينا ألا نرفع راية الاستسلام ونحارب أنفسنا لأن حرب النفس أنت بيدك تغيرها وهزيمتها بسهولة، أما حرب العالم الخارجي فتحتاج لأكثر من يدك تحتاج أن تقاتلها بكلِ جوارحك.

لم أخض الكثير في حياتي، مررت بمرحلتين فقط طفولة ومراهقة، لكن نظرتي ونظرة أمثالي من المراهقين في أن الطفولة كانت هي الهدوء الذي يسبق العاصفة، أما المراهقة فهي العاصفة، هي العمر الذي تتشتت فيه، وتنظر للمستقبل للأمام راجيًا بأن تنتهي العاصفة، وبأن ترسو سفينتك على ميناء مدينة هادئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد