في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حدّثتني ، كانت تبحث عن شيء ما، لا تعرفه تمامًا ولا تجهله أبدًا، أحسست ألمها ـ مررت به وأعرفه جيدًا ـ على الأغلب حتى الطبيب لا يعرف الألم إلا إذا كابده، “الألم” الذي هو أحد المعجزات الكونية ويرث العقل الواعي الباحث عن الحكمة فهمًا دقيقًا لا يفهمه سواه، المهم، أنها كانت تتألم خائفة

والخوف لمن لا يعرفه شعور أساسي عند الإنسان والغاية منه هي حماية الأفراد، تشكل الخوف فيها جراء حدث ومعنى ترسخ في مخيلتها جراء هذا الحدث، كانت تخشى من فقدان يأكلها، وتجمع نوعي الخوف فيها: الخوف الحقيقي الذي كان ردة فعل طبيعية جدًا على خطر حالي، والخوف الخيالي. أما شعورها بالخوف فقد كان حقيقيًا جدًا.

“الخوف غرفة مضيئة تتولد فيها الأفكار السلبية” مايكل ريتشارد.

إن الخوف تعبير تجريدي وينبع من ردة فعل جسدية عندما نرى أو نسمع شيئًا ما، والخوف لا نملكه فعلًا بل نقوم به فحسب، ونتيجة الخوف إما مواجهة أو هرب، ويتم هذا بسرعة هائلة دون تفكير، حيث يقوم الخوف بتنبيه اللوزة الدماغية التي بدورها تحرض الغدة النخامية على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الأدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية، الذي يؤدي إفرازه في الدم إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية حيوية تهيئ الجسم لمواجهة الخطر أو الهروب منه.

لم أكن  أعتقد في أنّ ما بها يُعد مرضًا نفسيًا، ولا كنت أظن أنها تخلو من المرض النفسي، وهذه هي مشكلة الاضطرابات النفسية، فعندما نقول إن الصحة النفسية هي الخلو من المرض النفسي فإن هذا التعريف يعد تعريفًا سلبيًا؛ فليس  خلو الإنسان من المرض النفسي دلالة على تمتعه بالصحة النفسية؛ إذ أن الخلو من الاضطرابات أيًا كانت لا تعني الصحة النفسية، فالمعروف أن المرض النفسي لا يأتي فجأة كما يتوهم بعضهم بل هو بنمو رويدًا رويدًا وقد لا يحس الفرد به ويزداد نمو الخلل أو الاضطرابات من الناحية الكمية حتى تصل إلى مرحلة التغير الكيفي (المرض) وهنا فقط يتضح الخلل أو الاضطرابات.

 

 
والشخصية تطور ونظام دينامي للقوى النفسية ولا تكون هذه الوحدة في حالة اتزان دائم، فالاتزان الدائم للشخصية نوع من المرض النفسي، تمامًا كما هو عدم الاستقرار المستمر.

ويقود تتبع نمو الشخصية وتطورها إلى مجموعة من الحقائق البسيطة فيما يخص الإنسان أو مرضه النفسي، وتوجز هذه الحقائق فيما يلي:

1ـ إن شعور الإنسان بذاته وإدراكه لنفسه عملية متطورة تضيف إلى الشخص صفات وخصائص معينة يومًا بعد يوم، وتكون كل خاصية تسبق قاعدة لخاصية تليها.

2ـ إن علاقة الشخص بالآخر تتحدد أساسًا باتجاه إلى الحب أو الكره، فالحب يتشكل في كل مرحلة حسب الحاجات الناشطة فيها، تمامًا كما يظهر الكره على شكل الإحباط الذي تواجهه هذه الرغبات.

3ـ إن علاقة الحب تعطي إحساسًا بالذات مشابهًا لإحساس الشخص بالآخر فينعكس هذا على الشعور بأن الآخر يبادل الشخص مشاعر مماثلة.

فإذا أوذيت هذه الحقائق، لم يكن الشخص سويًا نفسيًا، وأدت به إلى عدد من الصور النفسية غير السوية التي تتخذها الشخصية عمومًا.

كانت صديقتي قلِقة تسأل إن كانت مصابة بقلق مرضي إزاء ما يحدث حولنا، وبدأ شعورها وتفاعلها يتضاءل فابتلعها الألم لأنها لم تبتلعه هي، غاصت فيه، ودخلت في موجةٍ من إسقاط التكاليف وإنكار كثير من الأقدار، متبعة بأسئلة وجودية كثيرة لم تجد لها إجابة، وقلق من آخرٍ يهدد حياتها كليًا.

 
كانت تسأل أتعاني من قلق مرضي؟ أم خوف عادي؟ و يصعب التمييز بين القلق والخوف في حالات كثيرة، وذلك بسبب أوجه التشابه بينهما، حيث يظهر التشابه بينهما في أن:

 
ـ كل من الخوف والقلق يشعر الفرد بوجود خطر يهدده.
ـ كل من الخوف والقلق حاله انفعالية تنطوي على التوتر والضغط.
ـ كل منهما يحفز الفرد لبذل الطاقة لحمايه نفسه.
ـ و كل منهما يصاحبه عدد من التغيرات الجسمية.

أخبرتها بضرورة اللجوء للطب النفسي، فزاد  قلقها وخوفها من وصمةِ العار والجهل التي يربطُها المجتمع النامي الذي نعيش فيه بالمرض النفسي حيث إنه لدينا يُمثل “شعرة ساعة تروح وساعة تيجي”، وعدد لا بأس به من الفكاهات السخيفة جدًا، مجتمع  لم يعفِها من القلق أبدًا، بل زاد عليها بكبتِ شعورها، فزادها على المرض مرضًا، وأصبح لا شعورها عاتيًا جامحًا رغباتها، وبالتالي غدا شعورها هزيلًا ناقص القدرة على مجابهة التزامات الواقع، فأصبحت هزيلة النشاط الشعوري مع عدم القدرة على تحطيم المتعارف عليه اجتماعيًا، ويعني هذا شدة الرقابة والمقاومة أي الكبت، والكبت هو كنه المرض النفسي.

إن وصمة العار التي غالبًا ما ترتبط بالأمراض النفسية تمنع كثيرًا من المصابين من الحصول على ما يحتاجونه من رعاية وعلاج.
فمع أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص في أوروبا والولايات المتحدة يعدون مصابين بمرض نفسي، حسبما وجدته دراسة ما، إلا أن ما يصل إلى 75 % منهم ﻻ يحصلون على العلاج الذي يحتاجونه، وذلك بالرغم من أن هناك أمراضًا عديدة تتفاقم إن لم تعالج بالشكل المناسب والكافي، منها الذهان والاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب.

 

 
وقد ذكر الدكتور غراهام ثورنيكورت، وهو من مؤسسة الطب النفسي في كلية كينغز في لندن وأحد القائمين الرئيسيين على الدراسة المذكورة، أنه الآن قد أصبحت هناك دلائل واضحة على أن وصمة العار التي ترتبط بالأمراض النفسية لها آثار “سامة” على المصابين كونها تمنعهم من الحصول على العلاج الذي يحتاجونه. فالرفض الشديد بأن يكون الشخص “مصابا بمرض نفسي” يجعله يؤجل زيارة الطبيب النفسي لأشهر أو سنوات أو لا يزوره إطلاقـًا، مما يؤثر بشكل عميق على حالته.

وفي مجتمع نامٍ كالذي نعيشه، وبازدياد الصراعات وعدم القدرة على التوافق مع المجتمع والتأقلم مع الآخرين، مع زيادة التهديدات الخارجية التي تفرضها بعض الوظائف البيئية، والحياة العصرية ودوام التفكير بالمستقبل مع قانون الحياة السريع الذي لا يسمح بالركود وحقيقة أن الأرض لن تقف عن الدوران، تزداد الأمراض النفسية وتستفحل في مجتمعاتنا، مع وجود وصمةِ عار مجتمعية خاطئة فاسقة تجعلهم يختبئون معتقدين أنهم قادرون على تحمل المرض النفسي والتكيف معه وحدهم، غير محتاجين للرعاية الطبية، فيزداد أثره عليهم وعلى نشاطهم وعملهم وكل حياتهم.

ذهبت صديقتي لطبيب نفسي أرشدها وهذب قلقها، انظر داخلك وحولك، ستجد ملايين ممن يعانون من الاضطرابات النفسية، امح وصمة العار الفاسقة هذه، وأخبرهم لماذا الطب النفسي؟ لأنّ القلق يبتلعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) مدخل إلى علم النفس
(2) الصحة النفسية للدكتورة كلير فهيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد