العلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة أخذ وعطاء، كما نقول نحن المصريين، وهي علاقة تكامُليَّة يُكمل كل مِنهُما الآخر، في سبيل تحقيق الرخاء الاقتصادي والأمن السياسي المطلوب لتحقيق هذا الرخاء، ووجدت هذه العلاقة تأصيلًا وسندًا فكريًّا مع الاقتصاد الكينزي Keynesian economics نسبةً إلى الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز (1883- 1946)، وهو الذي مسَكَ العصا من المنتصف كما يقولون، محاوِلًا تجاوُز العلاقة الجدليَّة التي كانت قائمة بين الكلاسيكيين الذين يدعون إلى الاقتصاد الحرّ، أو اقتصاد السوق، الذي يقول بمبدأ عدم تدخُّل الدولة في الأنشطة الاقتصاديَّة وتَرك السوق تضبط نفسها بنفسها، كما عبَّر عن ذلك المثل الفرنسي المشهور «دعه يعمل، دعه يمر» Laissez-faire، والذي أصَّل ونظَّر لهذا الاتجاه كل مِن آدم سميث، وديفيد ريكاردو، وتوماس مالتوس، وجان بابتست ساي، وأخيرًا جون ستيوارت مِل، هذا من ناحية، على الجانب الآخر من العلاقة الجدليَّة نجد الاشتراكيين الذين يدعون إلى الاقتصاد المُخطط مركزيًّا والموجَّه سياسيًّا، إذ تُسيطر الدولة على سياسة الاقتصاد الكلي، والنشاط التجاري، وعوامل وكيفية الإنتاج، وفي مواجهة هذين الجانبين المتناقضين تمامًا، أخذ مُفَكِّرنا الاقتصادي كينز العلاقة إلى حال جديدة هي ما نسميها بنفي النفي، أو التوليف (Synthesis) بين هذا المبدأ وذاك، وهذه التوليفة هي التي أخذت بها أغلبية الدول تقريبًا في عالمنا المُعاصِر.

وجريًا على ما قدمناه الآن، تأتي نظرية الاختيار العام Public Choice Theory لصاحِبها الاقتصادي الأمريكي المُعاصِر جيمس بوكنان (1919- 2013) الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1986، لتُشكِّك في صحة هذه التوليفة، أو بالأخص تُشكِّك في القرارات السياسية والإداريَّة العامة التي يتَّخذها النظام السياسي أو الإداري في الشأن الاقتصادي للدولة، وتقول هذه النظرية إنما التدخُّل الحكومي في السوق ليس حلًّا جيدًا تمامًا لمشاكل السوق، كالاحتكار مثلًا، أو غياب الكفاءة الاقتصاديَّة، أو قلة الرفاه الاقتصادي، أو إخفاق السوق عامةً Market failure، بل إن التدخُّل الحكومي نفسه في محاولته لعلاج هذه المشكلة هو ما يقود أحيانًا إلى تغييب الكفاءة وانخفاض الرفاه الاقتصادي، وبالتالي إلى الفشَل الحكومي في الإدارة الاقتصاديَّة الصحيحة Government Failure، واستند بوكنان في ذلك إلى تحليله لسلوك الإداريين والسياسيين في اتِّخاذهم القرارات الاقتصاديَّة للدولة، كما سنرى الآن.

من المألوف والمعروف أن الاقتصاد يهتم بعلاقات التبادل Exchange بين الأفراد، وتهتم السياسة بقرارات السلطة Power، فالأول يغلب عليه اعتبارات المصلحة الخاصّة، والثاني في خدمة المصلحة العامّة والنفع العام، وقد جاءت مدرسة الاختيار العام Public Choice School بمنهجٍ مختلف ومُحدَد، ألا وهو أخذ السياسة وتحليل قراراتها على أنها نوعٌ مِن النشاط الاقتصادي أو التُجاري «Politics as a business»، إذ كان جديدًا أن يدخل السلوك السياسي في التحليل الاقتصادي، ويتم ذلك بالأخص في ظل النظم البيروقراطية والهرميَّة في الإدارة، إذ تدرس هذه النظرية سلوك رجال السياسة والإداريين من مُنطلق بحث بواعِث قراراتهم الإداريّة ودوافِعها، بوصفهم أفرادًا لا يختلفون عن غيرهم في سعيهم وراء تحقيق مصالحهم الخاصّة، ويمضي بنا جيمس بوكنان مُفرِّقًا بين سلوك الأفراد من ناحية، وسلوك البيروقراطية من ناحية أخرى؛ فالفرد حينما يقوم بنشاط اقتصادي فإنه بذلك يعي تمامًا ما سيقدمه من تكاليف وما سوف يعود عليه من أرباح، أي يُقارن بين العائد والربح، ويتحمل مسؤولية قراراته بنفسه وما ينتج عنها من تكاليف، ويخضع لهذه العلاقة دائمًا ويتقيَّد بها، مما يجعل بوكنان يطلق على هذا القيد اسم «قيد الموازنة الحديدي» «Hard Budget Constraint»، أمّا سلوك البيروقراطي أو السياسي الذي في القِمة ويملك القرار فهو غير ذلك تمامًا، إذ لا يعرف إلا قيدًا ماليًّا لينًا ومطاطًا «Soft Budget Constraint»؛ فالتكاليف المُترتِبة على قراراته لا تصيبه في ماله الخاص، وإنما تتحملها الموازنة العامّة عوضًا عنه، وبالتالي المواطن العادي عن طريق دفع الضرائب مثلًا، أمّا العائد المتمثِّل في زيادة النفوذ أو السلطة أو مظاهر الأبهة فإنه ينصرف إليه مباشرةً، أي إنه يأخذ العائد الإيجابي ولا يتحمل التكاليف أيًّا كانت.

American economist James Buchanan won the 1986 Nobel Prize in Economics.

وحسبُنا أن نرى وضع مصر الاقتصادي الحالي نموذجًا لهذا الميل إلى الإسراف والتبديد، ويظهر ذلك مثلًا في عجز الموازنات العامّة أو عجز الميزان التجاري في واردات لا تُثمِنُ ولا تُغني من جوع، أو كثرة الديون الخارجية لها ووصولها إلى 96.6 مليار دولار في آخر خمس سنوات فقط، مقارنةً بعام 2014 الذي بلغ فيه الدَين الخارجي الـ 41.3 مليار دولار، وكما قال الدكتور حازم الببلاوي إن هذا السلوك ليس سلوكًا غير رشيد، بل إنه يتفق تمامًا مع منطق الإداريين والسياسيين الخاص. ومن السهل على الدولة التي يُديرُها ويحرِكُها المنطق الفئوي الخاص أن تفرض ضرائب جديدة، أو تُزيد مِن الأعباء والتكاليف على كاهِل المواطن المصري العادي؛ لتمويل نفقات مشكوك في نفعها العام، ولكنها تعود بالنفع المُباشِر على الأجهزة الإدارية والعاملين فيها بزيادة نفوذهم أو مزاياهم؛ فالالتجاء إلى جيوب دافعي الضرائب أسهل عِندهم دائمًا من الإنفاق من الجيب الخاصّ. وكما قال مارك توين قديمًا ساخِرًا من هذا الوضع: «لقد رأيت اليوم مشهدًا مُثيرًا، أحد رجال السياسة يضع يده في جيبه». فلا عجب إذن كما قال رجلٌ طيب ذات مرَّة من أن نرى أكبر جامع، وأكبر كنيسة، وأطول برج، وأعرض كوبري، ونحنُ بعيدين كُل البُعد عن أفضل تعليم، وأفضل مستشفيات، وأفضل صحافة، وأفضل إعلام، وأكبر إنتاج!

بذلك تكون قد أرست نظرية الاختيار العام الأساس المنطقي لعدم كفاءة القرارات العامّة وسلامتها، التي تُزيد التكاليف على الكثرة، في حين تنصرف العائدات على قِلّة من الإداريين والسياسيين أو الرؤساء، وبذلك تكون – أي النظرية- قد ساهمت في دعم الاتجاهات النيوليبراليَّة، والتي تقول بضرورة وضع الحدود والقيود (القوانين) على نشاط الدولة، ولكنها – على عكس ما هو مُتداول- لا تنفي تدخُّلها المهم في بعض الأمور، لأن على الدولة مسؤوليَّة تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتوفير شروط وضمانات التقدُّم، كذلك توفير العدالة الاجتماعيَّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد