برز جليًّا دور التواصل العمومي في العصر الحديث لما يضطلع به من أدوار محورية في المجتمعات المعاصرة، خاصة أمام التطورات التقنية المتلاحقة والتغيرات الاجتماعية المتتابعة، كما صار التواصل العمومي يشكل عنصرًا أساسيًّا في مسلسل بلورة السياسات العمومية ودعامة لشفافية النشاط الإداري، لأنه يمكن المواطنين من الاطلاع على القرارات والتدابير والإجراءات التي تتخذها المؤسسات العمومية، مع تعزيز الخدمات المقدمة للمرتفقين ودعم مشاركتهم في الحياة العامة وتمكينهم من استخدام تلك المعلومات للانخراط بشكل أفضل في الشأن العمومي.

ومع تفشي جائحة فيروس كورونا الذي طال كل أقطار العالم بما فيه المغرب، تزايدت أهمية التواصل الرسمي للمؤسسات الحكومية على اعتبار أن الأزمة الوبائية أثرت في حياة مجموعة كبيرة من المواطنين، لذلك توجب إتاحة إمكانية لإخبارهم وإبلاغهم بآخر القرارات والمستجدات التي يتخذها الجهاز الحكومي لتدبير الأزمة الصحية والاجتماعية المترتبة عن كوفيد-19، وللتدبير الناجع للأزمة تبنت المؤسسات الرسمية المغربية بما فيها القطاعات الوزارية استراتيجية تواصلية متينة، تمثلت في الاستجابة السريعة عبر شرح الحكومة المغربية لما ستقوم بعمله للتعامل مع الأزمة، حيث تعطي هذه الاستباقية في التواصل للناس شعورًا بالطمأنينة بأن هناك من يتجند لإدارة الأزمة وحلها، كما يوضح للناس ما يمكن توقعه وما يجب عمله، ويعطي أملًا بوجود حل للأزمة، حيث عملت الحكومة منذ بداية تفشي الوباء على تبني التواصل الدائم والمستمر للتخفيف من روع المواطنين والتأكيد على أن الوضع ما يزال تحت السيطرة، كما قامت مجموعة من القطاعات الوزارية بتبني الإدارة الإلكترونية ورقمنة خدماتها على قدر المستطاع، لتحقيق التواصل بوصفه أمرًا مفروضًا بقوة الجائحة التي مست كل القطاعات، وفرضت التباعد الاجتماعي أمام حتمية استمرارية تقديم الخدمات، فالتقنية كانت إحدى ألمع نجوم المرحلة، وهي التي كشفت مدى متانة وجاهزية المملكة لمواصلة وتقديم الخدمات المختلفة من خلال التواصل عبر فضاءات المنصات الرقمية، ابتداء من التطبيقات الصحية، والخدمات الحكومية المختلفة ومنظومة التعليم الإلكتروني، تم تطبيقات الاجتماعات والعمل عن بعد، وصولًا إلى التجارة الإلكترونية.

ومن أبرز القطاعات الوزارية التي تبنت استراتيجية تواصلية تتماشى مع الأزمة الصحية، نجد كلًّا من وزارة الصحة، ووزارة الداخلية، ووزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي، ووزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر، إذ جندت كل هذه المؤسسات العمومية السالفة الذكر أطرها لتدبير الأزمة من خلال التواصل الفعال القائم على استعمال كل وسائل التكنولوجيا المتاحة، حيث خصصت وزارة الصحة في بداية الأمر بلاغات صحفية تعلن من خلالها عن تسجيل أولى حالات الاصابة، ومع ارتفاع الحالات المسجلة لجأت وزارة الصحة إلى عرض رصين للحصيلة اليومية لعدد الحالات المسجلة لتدبير الجائحة وفق معايير منظمة الصحة العالمية، عبر بث مباشر وبشكل يومي على القنوات العمومية وعلى صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، وصولًا إلى الحصيلة الأسبوعية، كما استعانت الوزارة المعنية بكبسولات ووصلات إشهارية توعوية بهدف التواصل مع المواطنين وتوعيتهم بمخاطر الفيروس التاجي، وطرق الوقاية من تفشي العدوى، فضلًا عن إاحداثها لتطبيق هاتفي «وقايتي» للمساعدة في التشخيص المبكر السريع لحاملي الفيروس من خلال رصد مخالطي الشخص المريض، كما خصصت وزارة الصحة بوابة رسمية لفيروس كورونا لعرض النشرة اليومية لنتائج الرصد الوبائي بكل جهات ومدن المملكة، تتضمن مواقع للاستشارة الطبية، ومراكز للاتصال مثل «ألو اليقظة الوبائية» و«ألو المساعدة الطبية الاستعجالية»، مع إشعار المواطنين بمراكز الفحوصات المتخصصة لتشخيص مرضى كوفيد-19، فضلًا عن أن الوزارة الوصية على قطاع الصحة تواصلت مع البلدان المصنعة للقاح بهدف توفير اللقاح للمواطنين فور توفره، كما لم تدخر هذه الأخيرة أدنى جهد في التواصل سواء عبر موقعها الرسمي أو عبر بوابة كوفيد الرسمية وكذا المنصات التواصل الاجتماعي في تفنيد كل الإشاعات المغرضة والتي لا أساس لها من الصحة، وذلك من خلال نشر بلاغات توضيحية للرأي العام بغرض نفي إشاعة ما، وتنوير الرأي العام حول موضوع ما، خاصة بعد التشكيكات التي طالت فعالية الكلوروكين المعتمد لعلاج كورونا بالمغرب، واللقاح المضاد لفيروس كورونا.

أما عن وزارة الداخلية فبدورها شرعت في التواصل الرسمي بشكل استباقي من خلال إصدار بلاغات لإشعار المواطنين والرأي العام بالإجراءات المتخذة للحد من تفشي فيروس كورونا، ولإعلان حالة الطوارئ الصحية وتمديد العمل بها، وكذا لإعلان الحجر الصحي وتمديده وفق تطور الوضعية الوبائية، وللإخبار بالإجراءات الجديدة المتخذة للتخفيف من الحجر الصحي، فضلًا عن إعلان حالات منع التنقل من وإلى عدد من مدن المملكة، كما عملت وزارة الداخلية على إصدار بلاغات مشتركة مع وزارة الصحة ووزارة الصناعة والتجارة فيما يخص إشعار المواطنين بآخر الإجراءات والتدابير الوقائية المتخذة للحد من تفشي فيروس كورونا، وفي سياق متصل خصصت وزارة الداخلية موقعًا خاصًا للتواصل مع المواطنين تنشر فيه البلاغات المتعلقة بفيروس كورونا وبعمليات الدعم المؤقت للأسر العامة في القطاع غير المهيكل والمتضررة من فيروس كورونا.

وفيما يخص وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، فقد اختارت تدبير الأزمة الصحية بالتباعد الفيزيائي وتعليق التعليم الحضوري إلى حين تحسن الوضعية الوبائية، واللجوء إلى تكثيف التواصل الرقمي عبر بث الدروس انطلاقا من منصة رقمية «تلميذ تيس» مع ضمان مجانية الولوج اليها، إضافة إلى عرض المحاضرات الجامعية ودروس الأسلاك التعليمية الثلاثة عبر قنوات القطب العمومي «الثقافية» و«العيون» و«الأمازيغية»، لضمان التواصل واستمرار العملية التعليمية بين المتعلمين والمتعلمات في ظروف جيدة، كما اختارت الوزارة الوصية على قطاع التعليم التواصل بشكل مباشر مع أباء وأولياء التلاميذ لدعوتهم لاختيار صيغة التعليم التي يرغبون فيها لأبنائهم، وفي سياق ذي صلة لجأت هذه الأخيرة إلى اصدار بلاغات غير منقطعة، تخبر من خلالها عن آخر المستجدات، كتأجيل الامتحان الجهوي وامتحانات البكالوريا وإلغاء امتحانات السنة الثالثة اعدادي، أو بأخر التطورات مثل تعليق الدراسة بمؤسسات تعليمية معينة بسبب تفشي الوباء فيها، كما تواصلت الوزارة قصد تقريب وجهات النظر بين أولياء الأمور وأصحاب المدارس الخاصة.

ولتدبير أفضل للأزمة أقدمت الحكومة المغربية على تبني التواصل الرقمي للجلسات الأسبوعية لمجلس الحكومة عوض الحضور إلى مقر رئاسة الحكومة، وزيادة على ذلك فقد تابع الوزراء كل التطورات انطلاقًا من ظهورهم بين الفينة والأخرى لتوضيح مستجد ما عبر المحطات العمومية، أو لنشر بلاغ بخصوص إجراء حكومي، عبر صفحاتهم الرسمية الموثقة على منصات التواصل الاجتماعي، كما استمرت الحكومة في توقيع اتفاقيات التبادل التجاري والصفقات عبر تقنية الفيديو، في حين اعتمد الجهاز القضائي على آلية التقاضي الإلكتروني لضمان استمرارية خدمة المواطن،

ووفرت وزارة العدل خدمة الزواج عن بعد من خلال إطلاق بوابة إلكترونية لهذه الغاية، حيث كان لاستراتيجية الحكومة في التواصل وقع ايجابي على نفسية المواطن، مما ساهم في ترسيخ قيم الحكومة المنفتحة، والشفافية لتحقيق مبدأ المراقبة العمومية والمساءلة، والتشاركية من خلال اشراك المواطن في قلب النقاشات العامة.

وقد ظهر بشكل واضح أن المواطنين المغاربة أصبحوا أكثر ثقة والتحما بما تقره الحكومة المغربية، وتشبثا وبحثا عن المعلومة من مصادرها الرسمية، نظرًا لأن الأزمة الصحية خلفت ظاهرة سلبية تمثلت في الشائعات والفكر التضليلي، لدى صار الكل يتقصى المعلومة من مصادرها لتحصين نفسه من شائعات كورونا، كما أن أهمية التواصل العمومي برزت بشكل جلي حيث شكل هذا الأخير عنصرًا محوريًّا في تدبير الأزمة الصحية التي عرفتها البلاد، والتي أرخت بظلالها بشكل سلبي على مختلف مناحي الحياة والمجالات بما فيها القطاع الاقتصادي والاجتماعي، ولا يختلف اثنان على أن الحكومة المغربية قد كسبت رهان التواصل الفعال والناجح مع المواطنيين منذ بداية الجائحة؛ اذ سخرت كل الامكانيات اللازمة لذلك، وما تزال على نفس المنوال بهدف التحكم في الأزمة وجعلها دائمًا تحت السيطرة، خاصة وأن سياسة الحكومة المغربية في تدبير الجائحة والتعامل معها كانت محط إثراء وإعجاب مختلف الدول، التي أكدت وأشادت بكل الجهود المبذولة في سبيل إدارة الأزمة الصحية بغية الخروج بأقل الأضرار والخسائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد