في البداية خَلق الرب من طينة الأرض الإنسان، أطلعهُ على الأسماء، ومنحه حرية أن يختار، استغربت الخليقة، وخشيت من عواقب استخلافه؛ لاحتمالية فساد هذا المخلوق وإجرامه؛ لأنه ليس مثلها فهم {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6)، أما هو فحريته مطلقة، وإمكانية تبنيه لخيار الإفساد، وسفك الدماء وارد، وربما راجح.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 30).

ومنذ اللحظات الأولى رجحت الأحداث، ظن الملائكة باحتمالية فساده، إذا ساقه ضعفه، وطلبه للكمال، مع إمكانية مطلقة له بحرية أن يختار؛ لتدفع به الغواية في نهاية المطاف إلى الخيار الخطأ، فارتكب فعل ما نُهي عنه {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36)} (البقرة: 35- 36).

فرغم أن التعليمات كانت تعطيه مجالًا كبيرًا في الإباحة {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ (شِئْتُمَا)} والنهي مقيدًا محدودًا {وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}، ولكن الذي حصل أنه قد انزلق وراء الغواية؛ بدوافع الضعف، والسعي للتملك والاستحواذ {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} (الأعراف :20). وبالرغم من ذلك لم يوقف الخالق مشروع استخلاف هذا المخلوق في أرضه؛ لأنه {يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} يعلم ما لا تعلمون أيها المعترضون، وغير المدركين لحكمة خَلقْ هذا الإنسان، فلا تحتجوا بأن وجود الغواية يحتم علينا تضيق الخيارات، هكذا هو الرب خلقه حرًا؛ ليختار هو ما سيقرر، وهذا هو الامتحان؟، وستكون الجائزة على جودة الاختيار.

فهذا المخلوق خُلِقَ مزودًا بملكات وأدوات الاختيار {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)}، ولم يقطع الرب عنه صلة تهديه {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، وأعطى له الخيار، وتُركَت له المشيئة {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، وترك حسابه إلى ما بعد هذه الحياة، فمن اهتدى مقتنعًا غير مكرهٍ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} فله أن يفي بالتزاماته، دون أن يجبر الآخرين، أو يُكرِهَهُم على خياره، أو أن يسعى للهيمنة عليهم والسيطرة.

{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود 28).

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} (ق: 45).

{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)} الغاشية: 21- 22).

{ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} (الأنعام: 104).

{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (الأنعام: 107).

تخيل أن تدخل امتحانًا، وتوجه لكَ أسئلة، وتُعطَى خيارًا واحدًا للإجابة عنه، حتى وإن كان هذا هو الخيار الصحيح، وأُجبرت مُكرهًا على تبنيه، فما جودة هذا الامتحان؟ {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} بل أي عبثية وعدم جدوى إذا لم يتح لك حرية أن تختار؟ فإذا لم يوجد هناك أكثر من خيار، فكيف سَتَعرِف قدرتك على الاختيار الصحيح، والتَميز؟ باستخدام ما تملكته من معرفة، وما وصلك من هدى وإرشاد.

هناك من يتوجس من الحرية؛ بزعم أن إعطاء الناس حريتهم في التفكير، قد تؤدي بهم إلى الكفر والضلال، فلو قادت الحرية فعلًا إلى الكفر، فإن حرية الكفر مكفولة قرآنيًا {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، ولم يرضَ الله لأحدٍ من عباده أن يكون جبارًا في الأرض، أو حفيظًا، أو كيلًا على الناس.

والبديل عن منع الناس من الكفر، إن قرروا ذلك، هو أن يتحولوا إلى منافقين مزدوجي الشخصية، والنفاق أشد من الكفر؛ لأن الكفر عدو ظاهر، والنفاق عدو مستتر، يكيد في الخفاء.

وهنا قد يعترض قائلٌ على العقوبات الدنيوية التي يفرضها الدين على الناس، أثناء ارتكابهم ما يعتبر خطأ، وللإجابة عن هذا التساؤل؛ أولًا وقبل كل شيء علينا أن ندرك أن أكثر هذه العقوبات هي مجرد اجتهادات، ونتاجات فقه المُلك العضوض، الذي نشأ وتكوّن وترعرع في كنف سلطة الاستبداد خاضعًا ومداريًا أو مجاملًا؛ خوفًا من بطشها، أو طمعًا في استرضائها.

أما الجزء الحقيقي منها فإن العقوبة الدنيوية لم تفرض على الفعل لذاته، ما لم يقترن بقرينه يتعدى ضررها على أمن المجتمع وسكينته، وهذا ما سنبينه بالمقالات القادمة.

إن إعادة إحياء فكرة الحرية، ومحوريتها في ثقافتنا الإسلامية ضرورة ملحة، ولا يمكن إعادة مركزيتها بدون تحقق ثورة فكرية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ذلك إن إعادة إحيائها يتطلب إعادة قراءة النصوص القرآنية، والروايات الصحيحة سندًا، والمتوافقة مع مقاصد القرآن الكريم متنًا، قراءة واعية متجردة؛ لكنس ما تراكم عليها من قراءة التراث المُسيس لها، عبر عقود الاستبداد، والاستلاب الحضاري، وقابلية تفكير مختلفة؛ تجعل منها المقصد الأسمى، والقيمة الأعلى، فقد أظهرت ثورات الربيع النقص الحاد، والفقر المدقع لهذه القيمة العليا، سواء على صعيد الفكر والتصور، أو الممارسة والسلوك، والتي خرج من أجلها الناس، والتي سرعان ما انقلبوا هم أنفسهم قبل غيرهم على ما خرجوا من أجله، ولكي لا تضيع كل تلك التضحيات، ولا يفتقد الأمل بالخلاص، واللحاق بركب الحضارة؛ كان لا بد أن تقوم هذه المراجعة الشاملة، وأن يتم التمكين لهذه القيمة السامية، وآن الآوان أن تأخذ مكانها الصحيح، ومركزيتها المحورية في حياتنا تصورًا وفكرًا وسلوكًا.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد