مكنت الوسائط الرقمية الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي تحديدًا (فيسبوك، تويتر، إنستجرام…) من دمقرطة الولوج إلى المعلومة، مما رفع من فرص صناعة الرأي العام أو التلاعب به في كثير من الأحيان. إن هذه الوسائط الجديدة مكنت شرائح واسعة من المجتمع من فرصة التعبير عن الرأي في قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وتقاسم المعلومات والأخبار والصور والفيديوهات وغيرها، وكذلك إنتاج محتويات رقمية ونشرها وتقاسهما، الشيء الذي لم يكن متاحًا مع الوسائط الإعلامية التقليدية (التلفزيون، الراديو، الجرائد…). ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تعبئة الرأي العام لبعض أشكال الفعل الجماعي في المغرب (حراك 20 فبراير/ شباط 2011، احتجاجات الحسيمة سنة 2016…)، وكذلك في حشد الدعم الشعبي لبعض الحملات، كحملة مقاطعة بعض المنتجات الاستهلاكية التي بدأت في أبريل (نيسان) 2018 بالمغرب انطلاقًا من مواقع التواصل الاجتماعي، ولاقت تأييدًا واسع النطاق من مختلف المغاربة، حيث انتشر هاشتاج #خليه_يريب و#مقاطعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية. وقد ساهمت هذه التعبئة الافتراضية في بروز مؤشرات الوعي بجدوى الفعل السياسي الافتراضي الذي ينتقل إلى الفضاء العام، كما نجحت الشبكات الرقمية للتواصل الاجتماعي في تعبئة الجماهير إبان الحراك الشعبي الذي شهدته كل من تونس ومصر وبعض الدول العربية، بما تروجه من صور وفيديوهات ودعوات للتظاهر ضد الأنظمة المستبدة. كما ساهمت هذه الشبكات في التعبئة الجماعية للاحتجاج في دول أخرى كحركة السترات الصفراء في فرنسا التي خرجت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 للتنديد بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة عمومًا في فرنسا.

إن إمكانية تعبئة الرأي العام بشكل أسرع وأقل تكلفة عبر هذه الوسائل الحديثة، فرض على صناع القرار والفاعلين السياسيين ضرورة الانفتاح على هذه الفضاءات الرقمية بوصفها مجالًا عامًا جديدًا لحرية الرأي والتعبير والنقاش العمومي الديمقراطي.كما أن بعض الحكومات تنزع إلى تقييد استعمال هذه المنصات كما هو الشأن بالنسبة للحكومة المغربية التي اضطرت إلى التراجع عن مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بتقنين استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والذي أقرته الحكومة المغربية في 19 مارس (آذار) 2020، وذلك تحت ضغط الرأي العام الذي أطلق حملات على منصات التواصل الاجتماعي للتصدي لما عرف إعلاميًّا بقانون تكميم الأفواه، والذي يجرم كل دعوة أو تحريض على مقاطعة بعض المنتجات والبضائع أو الخدمات عبر هذه الوسائل والشبكات الرقمية.

لقد ساهم التحول الرقمي كذلك في خلخلة بعض المسلمات المتشائمة المتعلقة باهتمام المواطنين بالسياسة، فالاهتمام بالسياسة لدى الشباب تحديدًا يتخذ تجليات ومظاهر متعددة تتجاوز الحقل الحزبي والإيديولوجي أو الانخراط في المسلسلات الانتخابية. ويتجلى هذا الاهتمام تحديدًا وبشكل أساسي في متابعة الأخبار السياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والانخراط في النقاشات السياسية وفي مختلف أنماط التعبئة التي أصبحت تخلقها هذه الفضاءات السوسيورقمية حول قضايا اجتماعية واقتصادية وحقوقية، خاصة وأن هذه الوسائل تمكن من نشر المعلومة بشكل أسرع وأقل تكلفة، كما أنها تسمح بتبادل المحتويات بين الأفراد والجماعات بعيدًا عن الإكراهات التي يمكن أن تعوق التواصل المباشر. فيتحولون من مجرد متلقين ومستهلكين إلى فاعلين يحددون أولوياتهم ويعبرون عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى ما تتيحه هذه المواقع من تقاسم للمعلومات (Partager) وللأحداث والوقائع والصور والفيديوهات وغير ذلك. لقد مكنت هذه الشبكات الاجتماعية من بروز أصوات ووجهات نظر فكرية وسياسية مختلفة لم تتمكن من الظهور في الإعلام في شكله التقليدي.

لقد أصبحت الشبكات الاجتماعية الرقمية مدخلًا رئيسيًّا لفهم تحول علاقة الأفراد بالسياسة وتجاوز المسلمات الكلاسيكية حول تكوين الرأي العام، بالنظر إلى أن جميع مستعملي هذه الشبكات يتمتعون بالحق في التعبير وإصدار الأحكام والمواقف، فانتقلنا من فضاء عام تقليدي كان يتسم بنوع من العلاقة التواصلية العمودية بين الحكام أو القادة من جهة والمحكومين أو الأتباع من جهة ثانية، إلى فضاء تطبعه العلاقة التواصلية الأفقية ومطبوع بالاحتجاج والمواطنة النقدية (Citoyenneté critique)، في الوقت الذي كانت فيه العلاقات التقليدية تقوم وفق منطق الديمقراطية التمثيلية على نوع من التراتبية والمنطق العمودي في الاتجاهين (قرارات سياسية، انتخابات…). لقد أضحت هذه الشبكات بمثابة بارومتر لجس نبض المجتمع وقياس ضغط الرأي العام، كما أن استعمالها في الحملات الانتخابية أصبح ضروريًّا وحاسمًا في نجاح إستراتيجيات المرشحين المتنافسين. ويعتمد قياس الرأي العام عبر الفضاء الرقمي على ملاحظة وتحليل آلاف الرسائل والتعليقات والمنشورات والنقاشات السياسية المتداولة يوميًّا على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة على منصتي «فيسبوك» و«تويتر». إن ما يميز هذه الآراء هو طابعها التلقائي والمختلف عن الآراء التي تستجمعها استطلاعات الرأي، والتي تطرح على المستجوب سؤالًا أو إشكالًا لم يسبق له أن طرحه سلفًا.

إن استعمالات الفضاء الرقمي لا تخلو من تلاعبات أو انزياحات مرتبطة أساسًا بتوظيفها لأهداف سياسية أو إيديولوجية ماكرة، أو بهدف التأثير في الرأي العام وزرع الفوضى والخوف والاضطراب داخل المجتمع أو تحقيق أرباح اقتصادية. وتشكل الإشاعات والأخبار الزائفة (Fake news) أبرز مظهر لهذه التلاعبات بالرأي العام، خاصة عندما تغيب الثقافة الرقمية لدى الأفراد وينعدم الحس النقدي في التعامل مع المعلومات والمحتويات الرقمية. وتكمن قوة هذه الأخبار في قدرتها الهائلة على مخاطبة عاطفة الأفراد ووجدانهم بدل الإتيان بدلائل واقعية وعقلية وموضوعية، وهو ما يفسر سرعة انتشارها كالنار في الهشيم داخل الفضاء الرقمي والمنصات الاجتماعية تحديدًا (فيسبوك، تويتر، إنستجرام، واتساب…). إن هذا التعاطي السلبي مع الأخبار الزائفة يتفاقم أكثر وقت الأزمات والمحن والحروب، وهو ما بدا واضحًا خلال الأزمة المرتبطة بتفشي وباء كوفيد-19 خلال السنة الماضية، وما صاحبها من خوف وتوتر، فانتشرت الأكاذيب في «فيسبوك» و«واتساب» وغيرها عن أعداد الوفيات وعن طرق العدوى والإجراءات المرتبطة بحالة الطوارئ الصحية وغير ذلك. بل وصل الأمر ببعض هذه التيارات المضللة المجهولة الهوية إلى فبركة بلاغ صحفي في فاتح نوفمبر 2020 والذي مفاده أن الحكومة المغربية قد قررت إعادة تطبيق الحجر الصحي في كافة ربوع التراب الوطني ، الشيء الذي اضطر معه رئيس الحكومة إلى نشر بلاغ رسمي يكذب هذه الادعاءات.

وفي سياق آخر يمكن القول إن الشبكات الرقمية للتواصل الاجتماعي أصبحت واجهة رئيسية للإعلان عن بعض القرارات السياسية. يكفي أن نذكر أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كان «يغرد» لعدة مرات في اليوم على منصة «تويتر»، كما يعلن عن تعيين المسؤولين أو إقالتهم من خلاله، وكذلك عن بعض القرارت المتعلقة بالسياسة الخارجية. وتعرضت هذه المنصات لانتقادات كبيرة من الرأي العام الأمريكي سنة 2016 لسماحها بنشر أخبار ومعلومات مضللة وزائفة خلال الحملة الانتخابية التي تنافس فيها كل من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب. أما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لسنة 2020 فقد اضطرت منصة «تويتر» إلى التحذير من بعض تغريدات دونالد ترامب أو حجب بعضها لأنها تنطوي على تضليل للرأي العام، خاصة تلك التي تتهم الهيئات المكلفة بفرز وعد الأصوات في بعض الولايات الأمريكية بالتزوير، أو التي كانت تستبق الفوز قبل استكمال عمليات الفرز.

يمكن القول إن صناعة الرأي العام في عصر الإنترنت والثورة الرقمية الموسومة بظهور الجيل الثاني من الويب 2.0، أصبحت عملية معقدة وشائكة يتطلب فهمها وتحليلها اعتماد مقاربات بينتخصصة Interdisciplinaires)) تتكامل في إطارها حقول معرفية متنوعة كالسوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلم السياسة واللسانيات، وتحليل الخطاب وغيرها. إن الشبكات الاجتماعية الرقمية وتطبيقات التراسل الفوري (فيسبوك، تويتر، إنستجرام، واتساب…) بما تتيحه من إمكانيات في نشر المعلومة وتقاسمها والتعليق عليها، بل إنتاج مضامين رقمية(صور، فيديوهات…) من قبل الجماهير العريضة من الناس على امتداد الكرة الأرضية، مكنت من دمقرطة الولوج إلى المعلومات بشكل أسرع وبأقل جهد وتكلفة، ومن تنمية الوعي السياسي بقضايا الشأن العام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية. لكنها فتحت كذلك هامشًا كبيرًا لتزييف الوعي والتضليل عن طريق نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والصور والفيديوهات المفبركة والتشهير بالحياة الخاصة للأفراد، خاصة وأن التعامل الذكي مع هذه التقنيات يفترض امتلاك ثقافة رقمية والانتباه إلى حيل التأثير والتلاعب والتمويه عن طريق «الصورة». إن امتلاك هذه الثقافة يمر عبر «التربية الرقمية» التي يجب أن يتلقى الأفراد مبادئها وتقنياتها منذ نعومة أظافرهم في سياق تنشئتهم الاجتماعية الأولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد