يقصد بالرأي العام ما يتفق عليه أفراد مجموعة معينة كلها أو غالبيتها من رأي تجاه مشكلة معينة أو موضوع معين من الموضوعات الجدلية التي تحتمل وجهات نظر مختلفة، وبعبارة أخرى فهو ما يجول بفكر مجموعة معينة وما تشعر به نحو مسألة أو قضية معينة تؤثر عليهم ولهم فيها مصلحة. فالشخص الذي ليس لديه مصلحة في هذا الموضوع لا يتأثر به، ولن يشارك أو يسهم في الرأي العام حول الموضوع ذاته.

وينقسم الناس من حيث الرأي العام إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قادة الرأي، وهذا الرأي يقوم به قادة الأمة والنابهون منها وهم النخبة، وهم أقلية لكنهم يقودون المجموع وهؤلاء يصنعون الإعلام ويصنعون الدعاية ولا يتأثرون بها لأنهم يعلمون أنها أداة من أدوات الصراع.

القسم الثاني: المثقفون، والرأي العام المثقف يقرأ وينظر ويمحص بدرجة من الدرجات ويشارك في أوقات الهدوء في صناعة الرأي فإذا احتدمت المواجهة انقلب إلى رأى عامي أيضًا وذلك مفارقة كبيرة نلمحها في فترات الأزمات؛ حيث نرى أن كثيرًا من الكتاب والمفكرين يجنحون إلى الحديث بلغة الشارع ويخاطبون نفس العواطف ويتحدثون بنفس المنطق، وهذا ما يفسر تحول مواقف كثير منهم حيال ثورة 25 يناير من التأييد والدعم إلى المعارضة والهجوم.

القسم الثالث: الرأي العام المقلِّد، ويمثله الأغلبية العظمى من الناس؛ حيث تكتفي بترديد ما يلقى على مسامعها أو ما تشاهده من خلال أجهزة العرض المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحكم والسيطرة على هذه الشريحة صعب ليس ميسورًا، لكن يسهل خداعها وتزييف وعيها، وهؤلاء هم نقطة الفعل ومحط التركيز من أجهزة الإعلام.

إن فهم هذه النقاط المحورية تعيننا على إدراك أهمية دور قادة الرأي وشريحة الرأي العام المقلد في المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، لأن الهدف والغاية لأصحاب أي مشروع حضاري أن يصل ويؤثر في القطاع الأكبر وهو الرأي العام العامي في المرتبة الأولى، وفي المرتبة الثانية أن يرتقي بالرأي العام المثقف أو قطاعات منه إلى مستوى الرأي العام القائد الذي يصنع الإعلام ولا يتأثر به.

ولكن للأسف الشديد فإن أصحاب المشروع الإسلامي لم يضعوا هذه النقاط المحورية في بؤرة اهتمامهم ولم تكن لها الأولوية في خططهم الراهنة والمستقبلية.

فكانت الصدمة المفاجئة عند انقلاب الرأي العام المقلد في أول اختبار حقيقي، وتبدل مواقف الرأي العام المثقف، ولم يستوعبوا أسباب هذا التغير ظانين أن تواصلهم المباشر مع شرائح كثيرة من المجتمع من خلال الخدمات الإنسانية والعلاجية والإغاثية، قد خلق رأيًا عامًا معهم مؤيدًا ومناصرًا لأفكارهم ومشروعهم.

ونحن اليوم نعيش مرحلة جديدة لشكل جديد من أشكال صناعة الرأي العام من خلال سيطرة الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي على عقول وأدمغة الجماهير، فمن يملك الآلة الإعلامية المناسبة والخطاب الإعلامي المناسب في عالم اليوم هو من يفرض على الناس كيف يفكرون وماذا يختارون.

ونحن في أمس الحاجة لتطوير الخطاب الإعلامي والتوجه لمخاطبة الآخر باللغة التي يفهمها. نحن في حاجة إلى جهد إعلامي شامل ومنسق ومستمر لمواجهة حملات الكراهية والتضليل.

إن واجب هذه المرحلة هو:

  • إزالة حالة الإحباط والتوجس والخوف المنتشر بين صفوف الجماهير من المشروع الإسلامي.
  • تحويل الصورة النظرية للمشروع إلى واقع تنفيذي يلمسه رجل الشارع البسيط، وأن يغادر هذا المشروع أرفف المكتبات وقلوب المؤمنين به ويتحول إلى مادة قابلة للتنفيذ والاستخدام.
  • النأي بالمشروع عن مسار «سياسات الهوية» وتحويل هذا المشروع من كونه تيارًا إسلاميًّا ليصير تيارًا وطنيًّا والانخراط في مسار الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
  • تفهّم شروط اللعبة السياسية والحرص على وحدة الوطن وعدم استفزاز الخصوم السياسيين وعدم الالتفات للمعارك الهامشية والبعد عن العصبية والتشنج في الأداء، والبعد عن العنف وثقافته، واعتماد الحوار والتواصل مع قوى وتيارات المجتمع المختلفة حتى ولو كانت معاديةً، والهدوء في التحرك، وعدم الردّ الانفعالي، وتجنب الانجرار إلى ما ينصبه الخصوم من مصائد ومكائد.
  • التركيز على ما يجمع ويضم الشمل، ليحمل الجميع هم العودة إلى ترصيص الصف وتوحيد اللكمة، ونفي التنازع والاختلاف.
  • الابتعاد عن الجمود على الشعارات والمواقف السياسية والانتقال إلى مرحلة السياسة الشرعية المبنية على المصلحة السياسية والوطنية.
  • إعطاء النموذج لإمكانية التعايش بين الإسلام وروح العصر وإمكانية الانخراط في الحياة السياسية بشكل عملي وتقديمها لرؤى واقعية تستند إلى لغة الأرقام والمعلومات.
  • اعتماد العمل والإنجاز فقط محكًّا وحيدًا للتقييم ومخاطبة الجماهير.

إن نجاح أصحاب التيار الإسلامي في المرحلة الراهنة مقياسه الصحيح النجاح في إقناع الناس بمشروعهم وإعادة الثقة في أبنائه وصرفهم إليه، وفي التغيير الثقافي الذي يحدث الإيجابية والفاعلية وينقل الناس من طور إلى طور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد