تخيل أنك تتمشى في شوارع باريس الكمونة، وطبعًا لباريس عبق حضارة وجو رومانسي مبهر. تتمشى أمام قوس النصر وعظمة برج إيفيل، بل وتعرج لتزور متحف اللوفر لترى كامل صنع الإنسان وتجليات تحضره في الفن والحضارة. انتظر، فأثناء مشيك أمام اللوفر الذي يحوي أول دستور إنساني -شريعة حمورابي- ترى رجلًا يتبول أمامك! نعم يتبول في الشارع العام أمام مرأى الكل وحتى «سمعهم» و«حاسة شمهم».

قررت إحدى بلديات دوائر باريس عمل أماكن تبول للرجال على جانبي الطرقات. فلك التبول أمام نهر السين وأمام بيت الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير. تعاني فرنسا من مشكلة تبول الناس في بعض الشوارع، وذلك لقلة الحمامات العامة من جهة ولكثرة أعداد المتشردين الذين وصلوا إلى 141 ألف شخص في ربوع فرنسا. خلق هذا المشروع -التجريبي حتى الآن- عدة اعتراضات، خصوصًا لسكان الأحياء التي تم تركيب «المبولة» فيها. أول نقاش كان عن المنظر المقزز للبعض الذي يعارض هذه الفكرة. وكان هنالك نقاش عن تهرب البلدية من المشكلة الأصلية وهي قلة عدد الحمامات العامة، والتي من الممكن الصرف والعمل على زيادتها. أما النقاش الآخر فقد كان عن حقوق المرأة، فلماذا تم تصميم هذه «المبولة» لتناسب الرجال فقط؟

الحقيقة أنني قررت الخوض في نقاش فلسفي أعمق من هذه المشاكل التي أوردتها. فهذه «المبولة» إن هي في جوهرها إلا عداء عميق للإنسانية حقوقًا ووضعية فكرية. إن الإنسان تتجلى عظمته في عمله الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين، بل وملايين السنين. فقد بدأت الحضارة باختراعات بسيطة مثل الرمح للصيد أو الرسم على الجدران، أو حتى اختراع النار منذ 400 ألف عام. إن اختراع النار كان نقلة نوعية مهمة جدًا على الرغم من بساطتها، فقد استخدمها الإنسان للتدفئة والحماية، وهما وظيفتان مرتبطتان بغرائز مباشرة مثل الإحساس بالبرد ومقاومة المناخ الصعب، وثانيا غريزة البقاء والقتال.

لكن أيضًا استخدمت النار للطبخ، وهذا من أوائل سلالم التطور والرقي، فطبخ الأكل وبداية تعقيد طريقة عمله تعتبر سلمة في التمايز مع الحيوان. فنحن لا نأكل من أجل البقاء فقط، بل من أجل الاستمتاع، ولذلك فقد أَضحت وجبة الأكل تعبيرًا عن الاحتفاء بالضيوف، أو الاحتفال بالزواج، والكثير من الأمور التي تميزنا بشدة عن الحيوان وحدوده الغريزية. واليوم أصبح للأكل طقوسه من شوكة وسكينة وموسيقى خلفية، وحتى وجود نادل ولمة العائلة وخبراء التذوق. ومن هذا المنطلق، فقد عمل الإنسان طوال آلاف السنين على التطور والتحضر، بداية من قيام المدينة إلى الاهتمام بأمور لا غرائزية كالموسيقى والفن وحتى الإتيكيت للتحكم والرقي بما هو غرائزي.

اليوم بوجود هكذا «مبولة» عامة، فنحن نسير إلى الخلف، حيث تسود الغريزة الحيوانية وهي التبول وترتفع على مفاهيم حضارية كالحياء والخصوصية والبعد الجمالي. هي دعوة للحياة ككائن لا مركزي في هذا العالم، كائن لا حضاري لا يهمه إلا فك حصرته في أي مكان وزمان وبيئة. أتخيل الموقف ككلبي الذي أمشيه في العشية ويبدأ في التبول عند كل ركن وشجرة. أين خصوصية الإنسان التي قامت من أجلها الثورات مثل الثورة الفرنسية، ويا للمفارقة أن يقام هذا المشروع في فرنسا بالذات.

أين جمالية المكان؟ ألا يتم انتهاك حرمة الحضارة والبنايات التاريخية والشوارع العتيقة؟ ولهذا أسأل لماذا يتم التبول على مرأى من الناس، بل وضمن حتى «حاسة شمهم»؟ نحن لم نشيد ناطحات السحاب بشققها التي تأوينا بدل الكهوف سوى لحماية خصوصية الإنسان وممتلكاته وللتدليل على إنسانيته. يقول الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو: «إن الرجل الأول الذي قام بتسييج أرضه وقال: إنها ملكي، ووجد الناس الساذجة التي تصدقه، فإنه المؤسس الحقيقي للحضارة». لكن ما هو السبب في أن تقوم أحد أهم بلدان الحضارة لعمل هكذا مشروع يناقض مشروعها الحضاري والإنساني؟

الفلسفة مضمونًا والمساواة بالطبيعة

من منطلق فلسفي، فقد أشار بعض فلاسفة العصر الحديث أنه في أوروبا تم نقل المركز في الفكر البشري من الدين، وأصبح التمركز حول الإنسان في عصر الأنوار. وقد كان للفيلسوف الهولندي إيراسموس الأثر الكبير في تحويل الإنسان للمركز، فهو من أنشأ الفلسفة والتيار الإنساني. وقد وافقه على ذلك كل من جون لوك الذي كانت فلسفته علمانية ليبرالية، وإيمانويل كانت الذي تحدى الكنيسة وهيمنتها، وقد كانت الفكرة أن الدين هدفه سعادة الإنسان وليس سوطًا مسلطًا على رقبته.

ولكن بعد ذلك أتى عصر النهضة وهو عصر الفلاسفة مثل فولتير وروسو وكانت ومونتسكيو الذين نقلوا التمركز من الإنسان للدولة المدنية. وذلك لأن الإنسان هو جوهر ما يدور حوله وما يصنعه، ذلك عنى انهيار كل ما هو مقدس من دين أو غيره لحماية حرية الفرد. لكن لكي يكون ذلك ممكنًا فيجب أن تكون الدولة كفيلة بحماية الحرية للأفراد، وضمان عدم تحكم مجموعة على أخرى. ومن هنا بدأ التمركز حول هذه الدولة المدنية الحامية للإنسان وحريته. لكن ماذا عن عصر ما بعد النهضة أو العصر الحديث؟

التمركز حول الطبيعة

مع التقدم العلمي الذي حققه الإنسان مع بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا، فقد نحت الفلسفة إلى ما توصل له العلم. فالعلم الصرف يفسر الإنسان فقط بوصفه مكونًا ماديًّا من الطبيعة، ويرده إلى الطبيعة. يقول نيل تايسون العالم الشهير في كتابه «الموت بالثقوب السوداء»: «إذا أنت مصنوع من غبار كوني، لتتقبل ذلك أو أنه من الأفضل أن تحتفل بذلك. ما هو الأكثر نبلًا من فكرة أن يعيش الكون بداخلك». طبعًا هذا يعني بالضرورة عدم الاعتراف بثنائية الروح والجسد، وهذه الثنائية هي التي أعطت في السابق للإنسان مركزيته، فهو ليس مادة وحسب. لكن مع مفهوم الإنسان المادة، يسري على الإنسان كل ما يسري على غيره من قوانين، وعليه فهو «جزء» وجزء صغير جدًا من هذا الكون، ولهذا فهو ليس المركز ولا يتفوق على أي من المكونات الأخرى بما في ذلك الحيوانات.

أنا هنا أعني بشكل مباشر أو غير مباشر تلك النزعة الفلسفية الداروينية -وليس داروين الشخص أو النظرية العلمية-. أنا لست هنا مدافعًا عن الدين أو للهجوم على الإلحاد، بل وأترفع عن هذا النقاش. أنا هنا باحث فلسفي يتحدث عن مذاهب فلسفية اعتمدت على العلم والعلماء في نزع القداسة عن الإنسان، نزع مركزيته عن الكون. وفي رأيي أن هذه الفلسفة خطيرة على الإنسان وحقوقه، فالدعوات للعودة إلى الطبيعة فيها مساواة للإنسان بما هو جامد. يقول بيتر سينجر الفيلسوف الأسترالي في كتابه «كل الحيوانات متساوية» -الإنسان من الحيوانات في نظره- وهو يدافع عن مقولة: «إن الليبراليين الحيوانيين لا يميزون الإنسان الحيوان، لا يوجد أي منطلق منطقي للقول إن للإنسان حقوقًا خاصة. الفأر مثل الخنزير مثل الكلب مثل الولد، كلهم ثديات».

هذا النداء بالمساواة بالطبيعة بما أننا جزء صغير منها، يحوي في طياته لا غائية أو لا هدف، فكل شيء يحدث لا معنى له وعليه فكل الأمور نسبية ولأن كل الأمور نسبية فلا صح أو خطأ. يقول عالم الأحياء ريتشارد دوكينز في كتاب «نهر من عدن: نظرة داروينية للحياة»: «للكون الذي نراقبه الخصائص نفسها التي نتوقعها، في الدونية، لا تصميم، لا هدف، لا شر، لا خير، لا شيء سوى لا مبالاة خالية من الشفقة». هذه النزعة الداروينية المتطرفة في النظر إلى ذواتنا بأننا مادة فقط، وطبعًا المادة لا تعرف الخير والشر ولا تتميز عن غيرها من المواد، أعتبرها نزعة مدمرة. فهي تعني أننا بلا حقوق حقيقية، بلا هدف حضاري وأخلاقي وقيمي. وتنتهي بالطبع في مساواتنا بالحيوان، وعليه رأينا هذا الحمام اللاإنساني.

طبعًا دوكنيز يجب أن يجيب عن السؤال التالي: إذا كانت العالم بلا هدف فهل أصبح التطور العلمي هدفًا في ذاته؟ هدفًا منفصلًا عن القيمة الأخلاقية؟ الفلسفة الحداثية السائلة إذ إن كل شيء نسبي بلا هدف، تجعلنا نفصل القيمة الأخلاقية لأنها في ظل تعريفهم للعالم لا تساوي شيئًا. فيصبح سؤال ما هو مدى أخلاقية الحمام العام؟ سؤالًا غير ذي نفع. فالسؤال الذي يهمهم هل سيحل هذا الحمام مشكلة التبول في الشارع؟ ولأنني مصمم على الأفكار العميقة التي يحويها هذا المشروع فإنني قادر على تطبيق نفس المقولة التفسيرية لدي على عدة أمور. فمثلًا الدعارة التي تقنن أكثر وأكثر في عدة دول لا ينظر لها في إطار القيمة الأخلاقية، بل تصبح كأي شيء مادي، ينظر لها بعين هل هي مفيدة ماديًّا؟ هل تحل مشاكل لمن يمارسها سواء من الزبون أو المرأة؟

عند مواجهة بعض الفلاسفة لمأزق الأخلاق، بل وحتى تنظيم العلاقات الإنسانية، فقد اتجه الفلاسفة لمحاولة حماية الإنسان بالحديث عن حقوق الإنسان كما أسلفت عن الفلاسفة إيراسموس وفولتير وغيرهما. لكن مع صعود الفلسفة الداروينية فقد تم الحديث عن ضرب حقوق الإنسان لتصبح حقوق الحيوان بما فيهم فصيلة البشر. وقبل أن يقع البعض في براهن الحنان والحريات الزائد عن الحد، أنا مع حقوق الحيوان لكن دون تضمين الإنسان فيها، فنحن وبعيدًا عن موضوع الذكاء والحضارات الرهيبة التي بنيناها، ولا يمكن لأي حيوان مجاراتها، فنحن أيضًا «الحيوان» الوحيد الذي يملك إدراكًا للذات، وهذا شيء لا يمكن لأي عالم أو فيلسوف تخطيه. الدينيون يسمون هذا الإدراك بالروح، واللا أدريون يقولون إنه قوة خفية ما، وغيرهم يقول إنه قبس الله. المهم ليس في التسمية بل في تأكيد هذا الإدراك للذات، وعليه عدم الوقوع في جدلية المادة الصرفة ومساواتنا بالطبيعة في سياق تدمير مركزيتنا.

إن هذا الحمام العام هو تطبيق حقيقي لتلك الفلسفة المتطرفة الذي ينهار أمامها مضمون الإنسانية، فيصبح كل شيء مباحًا حتى الحضارة التي راكمها البشر على مدى مئات الآلاف من السنين ليصلوا إلى ما نحن فيه اليوم. كل شيء مخترق سواء الخصوصية الشخصية والحضارة والفكر الإنساني والحياء والتحضر. كل هذا باسم أننا أناس حيوانيون طبيعيون نرد إلى طبيعة صلدة لا تفهم. بكل تأكيد لم يتم بناء الحمام لهذا السبب، ومن الممكن أنه لم يتم الاستغراق في التفكير العميق نفسه الذي أناقشه اليوم. لكن علينا أن نحمي إنسانيتنا من تغول الفلسفة الطبيعية التي تهدد كينونتنا، وإن كانت على شكل «مبولة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد