دعيت أمس لحضور اجتماع نادي الخطابة بجامعة قطر، وقد سمعت عددًا من الشباب يتحدث الفصحى بطلاقة تبعث على التفاؤل. زخرت الخطب بالمعاني الطيبة التي نحتاج إليها في واقعنا المعاصر، وكشفت النقاب عن فكر هذا الشباب الواسع الثقافة، وذلك وسط بيئة تعليمية تزكي فيهم روح المبادرة والإيجابية. لا بأس أن يتعثر المرء في حياته غير مرة، ولكن المهم أن يقوم من كبوته ويستفيق من غفلته؛ ليستدرك ما فاته من النجاح والتفوق. إشكالية التعثر في الحياة تؤرق الكثيرين؛ فتدفعهم إلى الانزواء عن ساحة الأحداث، وقد يؤثرون العزلة عن المجتمع!

إن كنت ممن يستهويهم شغف القراءة فإنك ربما سمعت عن عضو مجمع اللغة العربية الأديب اللغوي الراوية، محمود محمد شاكر (1909 – 1997)، صاحب: أباطيلٌ وأسمار، الذي خصصه للرد على عميد الحقد العربي الدكتور، لويس عوض، وكتب: المتنبي، وله: قضية الشعر الجاهلي، كما أن عددًا من المؤلفات التي أثرت الفكر العربي، وقد حصل على جوائز عدة منها؛ جائزة الدولة التقديرية عام 1982، جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 1984. هذا الأديب الفذ جلس بين طلبة كلية الآداب بجامعة الإسكندرية ليحدثهم عن كتبه وحياته الأدبية وسجالاته الفكرية؛ فإذا به يقول: “لم أكن أتوقع يومًا ما أن أجلس في هذا المكان، لأني منذ نشأت وأنا عاكف على شيءٍ واحد وهو إمساك القلم، أما مخاطبة الناس فإني أعتد نفسي عاجزًا كل العجز؛ فلم أقف يومًا ما بين جماهير الناس سوى مرةٍ واحدة. وأنتم جميعًا في منزلة أحفادي، ولكني بينكم الآن كالطفل المبتدئ؛ فأنا شديد الاضطراب.. أخافكم جميعًا وأخاف أكثر ما أخاف عيونكم فإن الإنسان شيءٌ غامضٌ كل الغموض… ولكن أرجو أن تعذروني”.

شاهد المحاضرة هنا

وقد كان أديب نوبل العبقري الفذ، نجيب محفوظ، يبدع في كتاباته أيما إبداع حتى كأنك تعيش اللحظة التي يكتب عنها بتفاصليها، ومع ذلك كان كثير التلعثم أمام الجمهور في الندوات العامة وفي الحوارات الإذاعية والتلفزيونية. هذا يؤكد لك حقيقة أن مواجهة الجمهور ليس شيئًا هينًا ولا يختلف في رهبة الجمهور المبتدئ والمحترف. اسمح لي أن أؤكد لك على هذه النقطة؛ الجميع يرهب الجمهور سواء أكان من المشاهير أو من العوام، وإن أردت دليلًا ملموسًا على ذلك فأقول لك: ما عليك إلا أن تشاهد لقاء الإعلامية أماني ناشد وهي تحاور الأستاذ الكبير، عباس محمود العقاد! انظر للاضطراب الذي سيطر عليها مع أنها مذيعة لها حضور قوي وأسلوب إعلامي شيق، وقد كانت تحاور شخصًا واحدًا، لكن هيبة الجمهور في أنفسنا كبيرة للجمهور العريض وللشخصيات العامة المؤثرة في جموع الناس.

شاهد اللقاء

الاضطراب الذي تراه في هذا اللقاء ربما يفسر لك بدرجة كبيرة الاضطراب الذي استبد برجلٍ دخل على الخليفة العباسي المتوكل، وأرجو منك أن تعيش المشهد بحواسك متخيلًا نفسك مكان هذا الرجل! سأل المتوكل الرجل عن اسمه فقال: اسمي قطان، فقال الخليفة: وما صناعتك؟ قال: حمدان! والخليفة ألمعي يدرك ما حلَّ بالرجل؛ فقال له: لعلَّ اسمك حمدان وصناعتك قطان! فرد الرجل: أجل يا أمير المؤمنين! ولكن أدهشتني هيبتك.

هذه الهيبة تسيطر على الخطيب إذا قام بين الناس؛ فإن كان مبتدئًا في عالم الخطاب ومواجهة الجمهور، شقَّ عليه ذلك وربما ألقى به في دياجير التشاؤم واعتزال الناس والخطابة. وإن كان متمرسًا وقد خاض غمار الخطابة قبل ذلك؛ فإنه يعدها عثرةً لا تزيد عن ذلك، ويعمد إلى تصحيح ما وقع فيه من سهوٍ أو نسيان بالإعداد الجيد والممارسة وتقديم الخطبة على مسامع من يثق فيهم قبل أن يواجه جمهورًا لم يألفه؛ فهذا يقلل من التوتر الذي يبدو عليه أثناء التقديم الفعلي للخطبة المزمعة.

إذا تمعنت في موقف، أبي فهر، الأستاذ محمود محمد شاكر، والأديب الكبير نجيب محفوظ، والإعلامية أماني ناشد وغيرهم الكثيرين؛ لطردت عن نفسك هاجس القلق المدمر الذي يربطك في مكانك، ويمنعك من تحرير قدراتك الخطابية والقيادية؛ فإذا كان هؤلاء ينتابهم القلق والخوف – بدرجاتٍ متفاوتة – عند مخاطبة أو مواجهة الجمهور، فلا بأس أن تقلق وأن تتوتر بشرط أن يدفعك القلق والتوتر لإعداد خطبتك جيدًا ثم الوقوف أمام الناس لتقديمها. الأمر ليس معقدًا، ولكننا نصعِّبه على أنفسنا بالمبالغة في التوتر والتعقيد.

من نافلة القول أن نُثبِت لفضيلة الشيخ، مصطفى إسماعيل، أنه من أعلام التلاوة في ربوع العالم الإسلامي، ومن المعلوم أن القراء المصريين يعتادون على لقاء الجماهير المتعطشة للاستماع لآيات الذكر الحكيم في أعدادٍ غفيرة. أنت الآن على موعدٍ مع درسٍ من هذا الشيخ العلم، يقول فضيلة الشيخ في رده على سؤال: أيهما يطمئن له قلبك؛ القراءة في الاستوديو أم القراءة في حضور جمهورٍ عريض؟ فأجاب الشيخ قائلًا: القراءة في الاستوديو لا توصلني لإخراج كل ما أملكه من مشاعر وانفعالات، لذلك ضعني أمام جماهير مصر بأكملها، وعندها سأخرج كل مشاعري في القراءة بشرط أن يُمهِلوني ربع الساعة لأدخل في أجواء التلاوة.

يحتاج الشيخ مصطفى إسماعيل لربع الساعة ليدخل في الأجواء ويأخذ بالقلوب قبل الأسماع، وهذا درس عظيم لكل من يتصدى لمواجهة الجمهور؛ فأنت بحاجة للسيطرة على الخوف الذي يتملكك في بداية خطابك أو حديثك، وهذا القلق يظهر في النصف دقيقة الأولى، ثم يتلاشى، وربما يطول إلى دقيقتين في حالة الإعداد الضعيف للمحتوى. لا بد أن نتصالح مع هذه الحقيقة؛ فالخوف في اللحظات الأولى بديهي ولا مناص منه إلا بتقليصه عبر الإعداد المحكم والممارسة المنتظمة للخطابة ومواجهة الجمهور.

قد تسأل: وماذا لو أخطأت أو تلعثمت في الحديث؟ ومع أنك تعلم الجواب دون شك.. لكن لا بأس من التذكير به؛ كل ما عليك أن تمضي في حديثك فإن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، ولا تنسحب من مكانك قبل أن تتأكد أنك قدمت أقصى ما لديك، فإن لم ترضَ عن نفسك حينها؛ فالإعداد والممارسة يضمنان لك الأداء الأقوى في المرات القادمة، وانزع من رأسك فكرة الاستسلام واسحقها تحت حذائك، فأنت تريد لنفسك التقدُّم لا التراجع والتقوقع والنكوص. حلل الأخطاء التي وقعت فيها أو الهفوات التي شابت الأداء، وقلِّل منها أو تخلص منها قدر المستطاع.

إن أفضل وأنسب طريقةٍ أراها للتعامل مع التلعثم أو النسيان أثناء إلقاء الحديث تلك التي اعتذر بها خالد بن عبد الله القسري، وقد صعد المنبر فارتج عليه (أي استغلق عليه الكلام ولم يجد ما يقول):

إن هذا الكلام يجيء أحيانًا ويعسر أحيانًا، وربما طُلِبَ فأبى وكُوبِرَ فعتا، والتأني لمجيئه أيسرُ من التعاطي لابيه. وقد يختلط من الجريء جنانه وينقطعُ من الذرب لسانه، وسأعود فأقول

في مقال بعنوان (فخامة الرئيس.. كيف تواجه الجمهور؟عرضنا لعددٍ من المواقف التي تعرض لها كبار رجالات الساسة والأدب والفن أثناء مواجهة الجمهور، والموضوع يحتاج لمزيد من الاهتمام لاسيما وأننا دون استثناء نحتاج للتحدث أمام الجمهور. الحديث أمام الجمهور مهارة يمكن تطويرها باستمرار؛ فإن كنت في شكٍ من قدرتك على الوقوف أمام الجمهور فأنا أدعوك لتعقد مقارنةً بينك وبين الفنان الإنجليزي كولين فيرث في فيلم خطاب الملك the king’s speech وأثق أنك ستجد في نفسك ما يعينك على تقحُّم ميدان الخطابة والتأثير في الآخرين، وستدرك أن الخطابة هي سبيل الزعامة كما أن الخطابة للجميع، وليست حصرًا على شخصٍ أو فئة.

فيلم خطاب الملك

لم يكن جورج السادس مثالًا متفرِّدًا بين البشر؛ فقد سبقه ديموستين خطيب اليونان الأول وكان يشكو من صعوباتٍ في النطق ثم قهرها بفضل عزيمته وإصراره، وكان واصل بن عطاء يعاني من لثغةٍ في حرف الراء فتغلب عليها بممارسته الطويلة وقاموسه اللغوي الواسع، وكان ثروت أباظة يعاني ذات المشكلة فلما قرأ عن واصل بن عطاء أبت له إرادته أن يكون أقل منه في الإصرار، فبلغ ما طمحت إليه نفسه. أنت لست أقل من هؤلاء والأمر مرهون بعزيمتك وشغفك لقبول التحدي؛ فهل أنت مستعدٌ لقبول التحدي؟

أرجو أن تتشبت بهذه المهارة المهمة لكل من يمتلك عقلًا ولسانًا، وقد تضافرت الأقوال في أنحاء العالم أن الناس تثق فيمن يحسنون الحديث، والجميع دون شك يسعى لاكتساب ثقة من حوله. قد سقت لك عددًا من الأدلة في دنيا المشاهير وكبار رجالات الدين والفكر والأدب والسياسة ولسان حالي:

فما أحذو لك الأمثال إلا  ** لتحذو إن حذوت على مثال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد