رسالة إلى صديقي الناشر الذي لم ينشر لي

صديقي الناشر الذي لم ينشر لي/

  تحية طيبة وبعد،

 أرجو أن تصلك رسالتي وأنت بوافر الصحة والعافية والسعادة والنجاح. نتحدث كثيرًا، ولكننا لم نتكلم يومًا عن ماضينا وكيف التقينا – ربما لا تتذكر ذلك- وكيف ساعدتني عندما لم تساعدني.

أتذكر جيدًا يوم هاتفتك لأعرض عليك ما أكتبه، وأتذكر مناقشاتنا لساعات عبر ماسنجر ياهو  Yahoo Messenger  وهوتميل(1) Hotmail في أحد مراكز الإنترنت ببلدتي (2). حيث اعتدت وصديقتي أن ننهي محاضراتنا الجامعية ثم نقضي بضع ساعات في إدريس فون – وهو يا صديقي مكان لن تعرفه- مقهى إنترنت ومركز خدمات لطلاب جامعتنا، جامعة سوهاج – جنوب الوادي وقتئذ- حيث كنا نستطيع إجراء أبحاثنا والقراءة وتصفح إيميلاتنا ومدوناتنا ومنتدياتنا.

ربما لا تتذكر شيئًا مما سأخبرك، وربما لم أخبرك أني سعيدة جدًّا لما حدث، ولم أشكرك – حتى اليوم- على رفضك أن تنشر لي.

  هاتفتك قبل ثلاث عشرة سنة لأعرض عليك ما أكتب، وتراسلنا عبر ماسنجر ياهو وهوتميل لعدة أشهر. ثم أرسلت إليك أنا وإحدى صديقاتي ما نكتبه، فكان ردك المهذب أن علينا الانتظار قليلًا، وألا نستعجل، وضربت مثلًا بتلك الشاعرة التي نشر لها ديوانها الأول قبل أيام وهي في الثامنة والعشرين من عمرها، رغم أنها تكتب منذ عشر سنوات. سألتك حينئذ وطلبت رأيك بكل صدق: هل تظنني أمتلك القدرة على الكتابة، وقد أجبت أنني أمتلكها، ولكن عليّ أن أرعاها كما ترعى الأم وليدها.

  نزلت على كلماتك وقودًا ودافعًا، غير أن صديقتي اعتبرت الأمر إهانة لها وقررت أنها لن تكتب شيئًا لتنشره، وأنها إن كتبت شيئًا ستتركه وقد ينشره ورثتها! انقطع اتصالي بصديقتي بعد تخرجنا ولا أعلم إن كانت عادت للكتابة أم لا.

واستمر تواصلي معك يا صديقي لعدة أشهر، نتناقش في الكتابة، وعن الكتابة، ثم فرقتنا الأيام حتى التقينا مرة أخرى منذ سنوات. لم أخبرك قط أنني استمعت لكل نصائحك ونفذتها، وأظنك اليوم تستطيع الفخر بي.

لا أستطيع التوقف عن التساؤل ماذا كان سيحدث لو نشرت لي وقتها؟ لله درك يا صديقي!

 أي أذى منعتني من الوقوع فيه؟ وأي معروف هذا الذي أسديته لي دون مقابل؟

لو نشرت لي يومها لحكمت علي بالموت خنقا بأحرفي، ووأدتنى بكلماتي، وقضيت على أي فرصة كانت لتكون لي. أنت علمتني ألا أتعجل الحصاد قبل الزرع، ولا أنتظر الزرع قبل البذر، وألا أرمي بذرة في أرض لم أهيأها. لو نشرت لي لما تعلمت شيئًا، ولأصبحت واحدة من هؤلاء الكتاب الذين نسخر من كتاباتهم التي تغطي أرفف المكتبات بمعرض الكتاب كل عام، أو ربما وصلت لما هو دونه.

 أشرت علي أن أقرأ كثيرًا، خاصة لهؤلاء الذين لا أتفق معهم، وأن أقضي وقتًا أطول في تعلم أساليب الكتابة وفنونها، وأن أكتب في كل مجال وبكل أسلوب، حتى أصل لأسلوب يعبر عني. وقد فعلت يا صديقي، والتزمت نصيحتك فشكرًا جزيلًا لك.

شكرًا  لك لأنك كنت معلمًا أمينًا، وأخًا صدوقًا، وصديقًا مؤتمنًا. شكرًا لأنك منحتني تلك الساعات من وقتك، شكرًا لأنك لم تبخل عليّ بنصائحك. شكرًا لك لأنك لم تستغل حلمي، وطموحي، لتسرق شيئًا من نقودي القليلة كما يفعل بعض معدومي الضمير. شكرًا لأنك منحتني دعمًا وثقة، ولأنك بصرتني بعيوبي دون أن تخدش ثقتي بنفسي، أو أن تجرح مشاعري. شكرًا لأنك منحتني الفرصة لأنضج أنا وقلمي وكتاباتي.

أتمنى لك يا صديقي حياة سعيدة، وعمرًا مديدًا، ونجاحًا لا ينقطع.

توقيع:

الصغيرة التي راسلتك 

*********

١) ماسنجر ياهو وهوتميل (Yahoo Messenger ،Hotmail) لمن لا يعرفهما من قرائنا الأصغر سنًّا: برنامجان للتواصل والمحادثة كنا نستخدمهما في عصر ما قبل التواصل الاجتماعي.

٢) مراكز الإنترنت أو (السايبر) كما كنا ندعوها: هي أماكن كانت توفر الإنترنت – ما زالت موجودة في بعض الأماكن- حيث لم يكن الإنترنت متوفرًا في كل منزل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اعلام, تعليم, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد