أزمة ثقة بين الكاتب والناشر

شهد المعرض الدولي للكتاب «سيلا» العام الماضي إقبالًا كبيرًا من قبل المؤلفين الجدد ودور النشر القديمة، والناشئة كذلك، وهذا بناءً على التقارير التي قدمها القائمون عليه، هذا الإقبال القوي في نشر الأعمال خلق حالة من الضغط على دور النشر التي أصبحت تمارس صناعة الكتاب كتجارة مربحة، فتجد أن غالبها يهمل محتوى الكتاب ويهتم بالعنوان وتصميم الغلاف لجذب القراء لا أكثر، ليعاني المؤلف لاحقًا من موجات نقد وانتقاد لمحتوى الكتاب الذي جاء نتيجة قرار متسرع فقط.

ومن الواضح أن هذه الموجة التي أصابت العديد من القراء ليتحولوا إلى كتاب أصابت الكتاب كذلك، ليتحولوا إلى أصحاب دور نشر، كان هدفهم الأول والأخير دحر دور النشر التي قامت باستغلالهم واستغلال غيرهم، فاختاروا لأنفسهم مظلة جديدة تحت إطار قانوني خاص.

هذا ما جعل الساحة الأدبية في الجزائر تعاني حالة من انعدام الثقة بين الكاتب والناشر، ما أصبح يشكل عقدة حقيقية بالنسبة لكل منهما، حيث إن الكتاب، وخاصة الجدد منهم، انعدمت ثقتهم تمامًا في التعامل الجدي والمثمر بينهم وبين مختلف دور النشر الناشطة في الجزائر، سواء تلك التي تعمل بمقابل أو المجانية منها، فإبرام العقود واحتكار بنودها من قبل دور النشر وعدم السماح للكاتب بتغيير أو إضافة بنوده الخاصة، بالإضافة إلى المعاملة السيئة التي يتلقاها العديد من الكتاب عقب نشر أعمالهم مباشرة من تهميش وإهمال، وعدم الالتزام بالمواعيد المقررة أو حتى بتقديم تفسيرات وتوضيحات وإرشادات تمكن الكاتب من الاستعلام عن وضعية كتابه وكل جديد حوله ووضعه في الصورة، حتى يتمكن من تقييم حرفه أولًا، ومن متابعة عمله والتواصل مع جمهوره ثانيًا.

دور النشر في الجزائر تشارك المبدعين في إبداعاتهم، تعنى بانشغالاتهم، تنصت إلى طلباتهم، وما إن يتم إبرام العقد حتى يصبح الكاتب تحت رحمتهم، هذا ما دفع بالعديد من الكتاب الجزائريين، الشباب منهم خاصة، إلى الانتفاض والخروج من صمتهم المرهق والتستر عن شناعة فعل دور النشر معهم، مطالبين بحقوقهم المادية والمعنوية، على غرار الكاتب الكبير أحمد عبد الكريم، صاحب رواية «كولاج»، الذي فاز في إحدى المسابقات التي نظمتها إحدى دور النشر، والتي لم يحصل منهم منذ سنة 2018 على حقوقه المادية، والتزمت الدار الصمت وقطعت الاتصال بالفائز لفترة طويلة، مما دفع بالكاتب أحمد عبد الكريم للاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسالته للجهات المعنية، لعلهم يردون له الاعتبار ويوفون بوعدهم له.

الأستاذ أحمد عبد الكريم ليس الوحيد الذي يعاني من إهمال وتهميش وسطوة دور النشر في الجزائر، بل إن هناك العديد من الكتاب الشباب منهم والأدباء الكبار الذين تدير لهم دور النشر ظهرها عقب إمضاء العقد الذي ينص بنصوص لم يكن لهم فيها يد، وكل ذنبهم أنهم آمنوا بحروفهم وبذلوا جهودهم من أجل إثراء الساحة الأدبية، والخروج بمؤلفاتهم إلى النور، ليجدوا ثلّة من الناشرين الاستغلالين الذين يقومون بالاستثمار في تلكم الأعمال بمبالغ مالية خيالية مقابل خدمات بسيطة كتصميم الغلاف والتدقيق اللغوي والمشاركة بالأعمال في معرض الكتاب الدولي، ناهيك عن أن الكاتب لا تقدم له أي برامج تحفيزية، أو امتيازات عملية، ولا حتى تقرير شهري عن حجم مبيعات كتابه وأهم نقاط البيع المتواجد على متنها، أو حتى جلسات قراءة أو تسويق إلكتروني حتى، كل هذا لا تعتبره دور النشر من مهامها على الأرجح، وإن أخذنا بعين الاعتبار جملة الكتاب الذين يرسلون أعمالهم مدققة وجاهزة للطباعة فقط، فإن المبالغ المالية التي تطلبها الدار لا تتغير، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا أمام معضلة أدبية كبيرة، وأن الوضع المتأزم بين الكتاب ودور النشر في الجزائر باتت تتطلب تدخل السلطات المعنية، وعلى رأسها وزارة الثقافة للنظر في الموضوع.

ولا أرى حلًّا أنجع من إنشاء لجنة قانونية يقودها مجموعة من الأدباء والمفكرين والمحامين وأصحاب دور النشر الذين يتسمون بالذكاء والحنكة والشغف وسلامة العقيدة من أجل صالح وخير الساحة الأدبية أولًا، ومن أجل تشجيع وحماية المؤلفين ثانيًا، فيكونون الوسيط بين الكاتب ودور النشر المختلفة.

يعملون، هيئةً مستقلة في إطار قانوني، على حماية حقوق المؤلفين والمبدعين، إضافة إلى تسوية الوضعيات الشائكة بينهم وبين دور النشر، تحفظ لكل طرف حقه وواجبه، مع مراقبة عمل دور النشر وغلق أبواب كل دار تسعى لاستغلال الكتاب منتوجًا مربحًا لا غير، تمكن الكاتب من استرجاع حقوق النشر في حال ما تملصت الدار من عملها أو أهملته بحجة الأعمال الكثيرة، فإن أخذنا بعين الاعتبار أن الكاتب هو جزء من أعمال الدار، سنجد بأنه ومن واجبها تقديم تقارير شهرية وشروحات توضيحية له، ولا يعتبر هذا كرم أخلاق منها أبدًا.

لقد بلغت الأمور نصابها وبات من الضروري فعلًا الانتقال بالوضع إلى مرحلة جديدة تديرها سلطة صالحة وقائمة بحد ذاتها، تصحح مسار الساحة الأدبية وتنظفها من دور النشر التي جعلت من الكتاب ورقتها الرابحة، بينما يتخبط الكاتب في الديون من جهة وفي مصير كتبه التي تعيدها دور النشر بعد انتهاء العقد، مدعية أن الكتاب لم يلق الرواج رغم توزيعه بأحسن نقاط البيع، وإن كانت حلقة التوزيع مفقودة أو شائكة وفي منتهى الصعوبة على دور النشر فمن المؤكد أنها ستكون أصعب بكثير على الكاتب لاحقًا، فهي عملية تتطلب الكثير من البحث والجهد والتنقل من مكان إلى آخر، والتعرف على احتياجات مختلف المكتبات من كتب وروايات وإيصالها إلى الجمهور المتعطش للقراءة والثقافة هناك، فمن المستحسن لكل طرف تقديم المساعدة حتى تتم العملية بسلاسة وبأقل تكلفة ممكنة، وهذا لن يحدث إن استمرت دور النشر بالتستر عن نقاط بيع أعمال المؤلفين وإيهامهم بأن العملية تحت السيطرة، وبأن الكتاب منتشر في مختلف المكتبات عبر الوطن، بينما يقف الكاتب عاجزًا عن المطالبة بأبسط حقوقه بودّ دون اللجوء إلى القضاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد