مقدمة ختامية

لقد قدمت لكم على مدار جزئين سابقين كواليس النشر من الألف إلى الياء، وما خلف الرواية من كواليس تزويرها وكيفية نشرها، فقط لأنني أحب الكواليس بالسينما والأدب، ولكي يعرف القارئ المشجع الحقيقي للكاتب كيف تصل له الرواية أو الكتاب، ونحن الآن أمام الجزء الثالث والأخير في موضوع كواليس النشر من الألف إلى الياء، ومن خلف مطبخ الكتابة والنشر أنقله لكم، فاستمتعوا.

 

دقيقة من فضلك

لا شك لدى الكثير من الناس أن القراءة عمل عظيم جدًا ومفيد كثيرًا لحياتنا وعقولنا، ولكنهم لا يعرفون أن الكتابة عمل شاق جدا ويحتاج إلى صبر في الأداء والدقة المتناهية ليخرج في النهاية عمل محترم يحترمه ويقدره القراء الكرام، وخاصة كتابة الرواية فإن كانت رواية تتحدث عن أحداث معروفة مثل حرب أو قصة مشهورة لدى العالم كله.

فإن الروائي يجمع المعلومات الوفيرة أولا بكل صبر ودقة متناهية ثم يكتبها رواية من واقع عقله وخياله، ليضع لمسات رواية وإلا كان كتابًا بحثيًا، وإن كان رواية عادية، فالروائي يؤلف معلومات لنفسه من عقله أولا ثم يقدمها من واقع عقله وخياله أيضًا ليقدم لنا في النهاية رواية مقبولة من القراء، وحتى جميع أنواع الكتابة سواء كانت صحافة أو خبرًا صحفيًّا أو تقريرًا صحفيًّا أيضًا، وحتى لو كانت بحثًا أو دراسة ما، فالأمر شاق جدًا ويحتاج إلى صبر ودقة، وحتى الرأي الشخصي الذي يكتب بمجلة أو موقع ما يحتاج إلى شيء من برود الأعصاب تمامًا، مثل هذا الكلام الذي تقرؤونه، فلقد كتبته بفارغ الصبر والدقة، لأن الأمر حساس جدًا ويحتاج إلى تدقيق في المعلومات التي أقدمها، فلا تحسبن الكاتب أو الروائي يكتب بسهولة وإن كان الشيء في بعض الأحيان متعة، ولكننا نتعب كثيرًا كي نقدم لكم محتوى محترمًا، فعندما يواجه الكاتب أو الروائي مشكلة تزوير ما كتب، فلكم أن تتخيلوا ما يحدث له، فالأمر ليس عاديًّا كما تعتقدون.

 

متى بدأت عملية تزوير الكتب؟  

وكما ذكرت أن دار النشر هي من تحقق رواج الكاتب، بحيث الدار المحترفة تقدم لنا كاتبًا لامعًا، حيث حفلات التوقيع التي تنظمها لأنها تعتبرها من حق الكاتب دون الطلب المسبق منه، ولكن لا بأس من دار أخرى توقع العقد مع الكاتب وتتركه هائمًا في خياله يتمنى خروج ما كتبه للنور، ولا بأس من إحساسه عندما يكتشف وبال هذه الدار فكيف نقارن دارًا محترفة بدار أخرى حامل صاحبها لقب ناشر دون جدوى ولا نقصد الإساءة لأحد، فكلامنا حيادي تمامًا.

ولكن إذا استشهدنا بدار فها هي دار الشروق الناشرة لأثنين حائزين على نوبل، نجيب محفوظ وأحمد زويل، فهي دار -ولا نقصد الترويج لها- محترمة ومحترفة وهناك على نفس السياق وفي نفس المستوى دور نشر كثيرة ولا نذكرها حتى لا نظهر في صورة المجاملين المروجين، ويعد نصب دار النشر عنوان تصدر قضايا كثيرة قدمت للمحاكم وفي سنة ٢٠١٦ قدم قرابة العشرين قضية تحت عنوان «نصب واحتيال» وأبرزها دار «ف.ك» ودار «إ.ن» ودار «ر.ن» ودار «ف» ودار «ر.ي» وغيرهم الكثير والكثير إلى أيامنا هذه بدون أي تدخل وتغير في هذا الأمر.

فلو قارنا التسعينيات بأيامنا هذه فلن نجد أي قضية تحمل هذا الاسم، فكان الناشرون آنذاك يخافون على سمعة النشر أكثر من منافستهم على تحقيق أكبر ربح لهم، ولم نجد أي كاتب من الكتاب قد قدم شكوى أو قضية تحمل هذا الاسم فكيف حدث هذا في هذه الأيام؟ والأهم هنا لماذا؟ ويا لها من فرصة عظيمة عندما نسمع الإجابة.

هل تدخلت الدولة في الأمر؟

ونقلًا عن تصريح خاص لمدير عام اتحاد الناشرين المصريين، والذي قال فيه إن اتحاد الناشرين نشأ بقانون خاص ومعروف ويهدف إلى دعم رسالة النشر وهو المسؤول الذي يضم جميع العاملين في هذا المجال بجميع مؤسساته الخاصة والحكومية ويعد درع التصدي لنصب بعض الدور على صغار الكتاب، وأضاف أنه يسعى من خلال لجانه النوعية المختلفة إلى رعاية الناشرين وحماية المهنة بأصولها وأعرافها رغم اختلاف وتطور أدوات المهنة وتعدد وسائلها الورقية والرقمية.

 

 

تزوير الكتب في عيون الكتاب

وأواصل جولتي معكم حول تزوير الكتب ونصب بعض الناشرين المزورين للكتب؛ فنجد أن هذه الكارثة ازدادت بشدة في الفترة الأخيرة ومن خلال حواري مع الروائي المصري عادل السمري مؤلف المجموعة القصصية الليلة دماء والذي ذاق من هذه الكارثة الكثير والكثير والذي جعل عنده روح الشفقة على الكتاب الشباب فحدد لهم يومًا أسبوعيًّا يعرض لهم الدار السيئة من الحسنة والذي دفعني لمحاورته ومن خلال حواري معه صرح أن هذا الأمر ازداد بعد ثورة يناير، حيث انتشار دور النشر في مصر بشكل مكثف وكما وصفه بالشكل السرطاني المخيف.

وأضاف أنه أصبح كل شخص بلا خبرة ولا إتقان يتجه إلى إنشاء دار نشر وبرر هذه الكارثة موضحًا أن هذا نتيجة لغياب رقابة الدولة في الفترة الأخيرة، وأضاف أن الفترة التي أعقبت الثورة شجعت على ذلك، حيث غياب حيوية بعض المراقبين الذي يتولون دور الحفاظ على وجود كيان احترافي ونتج عن ذلك أن كثرت جرائم النصب على راغبي النشر من الشباب وأصبح النشر في مصر مثل سلعة تباع وتشترى، وواصل لومه على بعض القصور وأوضح أن غياب الرقابة جعل دور النشر تتلقى مبالغ مالية من الكاتب لنشر عمله دون وضع جودة العمل في الاعتبار، وأن هذا ساعد بشكل ملحوظ على ظهور أعمال أدبية رديئة لا تثبت أو تظهر المستوى المطلوب، وظهرت في المكتبات أجناس روائية سيئة، وقال إن هذا نتيجة أن أصبح من يملك المال يملك النشر، وتراجعت الأعمال الأدبية المتكاملة والجيدة نتيجة لعدم قدرة مبدعيها المادية، وقال إنه مؤسف تمامًا أن هذا الأمر واجهه حينما بدأ خوض مجال نشر أول عمل له وقال إنه واجه مصاعب شتى من طلب مال نظير النشر وتوجيه قلمه لكتابات معينة لا تناسبه إلى حد ما، ولكنه صرح بأنه لم يعان من أي شيء وواصل أنه قرر الوقوف بجانب الكتاب الشباب وأصبح مساعدًا لهم وتصدى معهم للكثير من دور النشر التي قامت بالنصب عليهم.

وقال إنه على مدار سنة وفقه الله في كشف فساد الكثير من تلك الدور وفضحهم والتصدي لهم قانونيًّا، واستطاع أن ينتشل الكثيرين من براثن تلك الدور وأضاف أنه بدأ منذ 2016 في كشف خبايا هؤلاء المحتالين من خلال حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، من خلال نشر قائمة أسماها بالقائمة السوداء يعرض فيها دار النشر المحترفة من دار النشر السيئة، وأوضح لنا ضرورة أن تنتبه الدولة لتلك الدور وتحكم رقابتها جيدًا عليهم وأن يتم تفعيل دور اتحاد الناشرين أكثر من ذلك بتعديل القانون المنظم له لما فيه من ثغرات كثيرة لا ينظم عملية النشر.

وأضاف أن تصبح كل الدور تحت مظلة الاتحاد حتى يعاقب المخطئ منها وأن يتم تفعيل دور وزارة الثقافة وتفعيل دور الهيئات الحكومية والخاصة لمجال النشر لأعمال الشباب الجدد والقضاء على الوساطة في قبول الأعمال، وقال إن من الحلول المهمة زيادة وعي الكاتب بنفسه بحيث لا يقع فريسة في يد تلك الدور ليصبح لديه وعي حقيقي يجعله يؤمن بعمله، فلا ينشره بمقابل مادي وينتظر حتى يجد من يقتنع به وينشره، وإذا حدث ذلك سيصنع الكتاب حائطًا ضد هؤلاء الناشرين الذين يستغلون مجهودهم وإبداعاتهم، وقال إنه لا ينبغي أن يذكر أي دار بعينها ترشيحًا للكتاب الشباب حتى لا يعتبر مروجًا لدار بعينيها، ولا يضع في الواجهة دورًا من الممكن ألا ترتقي لتحمل المسئولية وفي ختام حواري معه قال إنه يجب على الكاتب أن يلجأ لاتحاد الناشرين المصريين ويطلب منهم أسماء دور النشر المقيدة لديهم ويستعلم منهم عما إذا كانت الدار مقدمًا ضدها شكاوى أم لا وقد توصل مع الاتحاد لهذا الرأي في نشر بعض أعماله وأضاف أن بعدها يستطيع الكاتب اختبار الدار المناسبة له والتواصل معها.. وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

منوعات
عرض التعليقات
تحميل المزيد