سأشرع في هذه المقالة التي ستكون في أجزاء ثلاثة في إلقاء الضوء على علامات ورموز نستخدمها يوميًا في الكتابة، أو حين نقرأ الكلام المكتوب، وهي علامات الترقيم؛ ولكن لم نسأل يومًا: من أين جاءت هذه العلامات، وما هي ملابسات المجيء بها، وكيف تطورت، ومن أبرز من عمل على تطويرها وابتكارها، فضلًا عن دورها في القراءة والكتابة ووظيفة كل علامة منها؟ وأسئلة أخرى كثيرة نحاول أن نجيب عنها؛ علمًا بأنني قد استفدت كثيرًا في كتابة هذه المجموعة من مقالات مكتوبة باللغة الإنجليزية عملت على ترجمتها، وصياغتها مجددًا مع مزيد من التنقيح، بالإضافة إلى المراجع العربية، والتي يأتي على رأسها كتاب A الترقيم وعلاماته في اللغة العربية S لمؤلفه – حجة هذا الباب ورائده الأول – العالم الجليل أحمد زكي باشا (1867 – 1934)، الملقب بشيخ العروبة، الذي قام بتعريب نظام الترقيم وفق أصول عربية متينة.

ما هو الترقيم.. ولماذا نضع علاماته؟

اللغات – كل اللغات دون استثناء – لا تستغني أبدًا عن الترقيم.

والترقيم هو نظام كتابي يقضي بأن توضع علامات، أو رموز، أو إشارات، بين الكلام وأطرافه، يستطيع بها القارئ، فضلًا عن فهم علاقات الجُمَل ببعضها؛ أن يقرأه ويُلقيه بصوت مسموع وبطريقة صحيحة، مستخدمًا نبرات مختلفة من الصوت لرسم صورة تعبيرية للمعنى المكتوب، أو يسكت حين يُستحَبُ الوقف، أو يواصل التحدث حين لا يجوز السكوت، كما أن به ينتظم الكلام في أشكال صياغية مختلفة، ويأخذ شكلًا واضحًا على الصفحات في جمل مرتّبة، وفقرات متتالية.

وأول من وصف هذا المعنى وسكّ له مصطلح «الترقيم» كان رجلًا مخلصًا للغة العربية، وعالمًا جليلًا يعز الزمان بمثله، هو أحمد زكي باشا، الذي عاش زمن الخديوية في مصر، وقال عن اصطناعه لهذا المصطلح في كتابه المشار إليه: «وقد اصطلحت على تسمية هذا العمل بـ«الترقيم»؛ لأن هذه المادة تدل على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة وفي تطريز المنسوجات. ومنها أخذ علماء للدلالة على الرموز المخصوصة للأعداد. فنقلناها نحن لهذا «رقم وأرقام» الحساب لفظة الاصطلاح الجديد، لما بينهما من الملابسة والمشابهة».

فللسؤال علامة الاستفهام (؟)، وللانفعال علامة (!)، وهذه جملة كاملة المعنى حين نرى النقط (.)، وهذا شق من جملة حين نرى الشولة أو الفاصلة (،)، وهلم جرًا.

وهذه العلامات ليس من شأنها فقط توضيح المعنى وإجلاء مكانين النص، بل أيضًا تؤدي إلى رسم صور تعبيرية في ذهنية القارئ على نحو يجعل علمية القراءة – فضلًا عن الكتابة – عملية ممتعة وسلسة في آن واحد.

وعلامات الترقيم (وبالإنجليزية: Punctuation marks) هي لغة مشتركة بين كل لغات العالم المستخدمة في هذه الآونة، حيث تلعب علامات الترقيم ذات الدور الذي تؤديه بين لغةٍ ولغةٍ أخرى. على سبيل المثال تؤدي النقطة (.) ذات الوظيفة اللغوية التي لها في كل اللغات، وهي إنهاء الجملة المكتملة المعنى، بالإضافة إلى وقفة طويلة نسبيًا عن وقفة الفاصلة.

والترقيم قديم قدِم الكتابة ذاتها. فهو نتاج تراكم خبرات التدوين منذ حضارات العالم القديم، وعلى الأخص الحضارة اليونانية القديمة.

وضع القراءة والكتابة قبل ظهور نظام الترقيم

قلنا إن أصل الترقيم لاتيني، أي ينتمي للحضارات الأوروبية القديمة، وكانت الكتابة في عصر هذه الحضارات الغابرة لا تعرف نظامًا لعلامات الترقيم، ولا تفصل بين وحدات النص من الجمل والتراكيب اللغوية بأي علامات، وكان الكلام يُرصّ بعضه إلى جنب بعض. وكان المدونون فضلًا عن القارئين لا يعرفون هذه العلامات؛ لأنها لم تكن قد جاءت إلى عالم الوجود بعد. بل إن الثابت أن من النصوص هو عدم الفصل بمسافة بين الكلمة والكلمة المجاورة على ذات السطر، (فكانيُكتبالكلامهكذا) دون الفصل بمسافة، فكانت القراءة عملية مرهقة ومستحيلة في بعض الأحيان، وكان الوصول إلى معاني الكلام في ظل هذه الفوضى الشاملة يأتي محمولًا مع اجتهاد القارئ في تحديد أين تبدأ الكلمة وأين تنتهي فضلًا عن بداية ونهاية الجملة ذاتها!

وبالرغم من ذلك فإن غياب الترقيم في ذلك الزمان لم يكن مزعجًا بقدر أنه لم يكن مؤثرًا للكثيرين، ذلك أن الناس في ظل النظم الديمقراطية الناشئة للحضارتين الإغريقية والرومانية كانوا يستمعون إلى الكلام من الخطب الحماسية للممثلين السياسيين ورجال الدولة، وكان على هؤلاء التأمُل عميقًا في الخطب قبل إلقائها على العامة في المؤتمرات الحاشدة، حتى تلهب حماس الحاضرين، وتترامى أصداؤها في ربوع البلاد قبل أن ترتد بالأتباع والمناصرين.. فكانت تبعة فهم الكلام المكتوب واستيعابه جيدًا – على صعوبة الطريقة المدون بها – ملقاة على عاتق أولئك الخطباء قبل الصعود إلى منصة الإلقاء.

ما هي علاقة «الترقيم» بمكتبة الإسكندرية؟

في القرن الثالث قبل الميلاد، وبينما كانت مدينة الإسكندرية المصرية تعيش فترة إغريقية بامتياز، حدث تغيير خطير على أسلوب الكتابة سيكون له ما بعده على مر العصور اللاحقة له.

كانت مكتبة الإسكندرية التاريخية منارة معرفية يهتدي بها العالم القديم، حيث عشرات الآلاف من المصنفات والكتب، وكان يحج إليها المريدون إلى العلم من كل مكان في العالم، وكان على رأس سلطة هذه المكتبة عالم إغريقي شهير، يدعى أرسطوفان، وكان لديه ما هو كافٍ لوضع حد لهذه الفوضى الكتابية الشاملة.

اقترح أرسطاوفان نظامين بسيطين، أراد بهما إضفاء مسحة من البساطة على عملية القراءة، أولهما هو تذييل الصفحات بشروحات مبسطة في المتن (الحواشي)، وثانيهما هو نظام آخر بسيط يقضي بأن يفصل بين جُمَل الكلام بـ«نقطة» إما متوسطة (·) أو سفلية (.) أو علوية (·)، على أن تتحدد وظيفة كل علامة من هذه بطول فترة السكوت، أو فترة الوقف في كل جملة لتتشابه في مرحلة متقدمة جدًا مع الفاصلة (،) والنقطة العادية (.)، والنقطتين الرأسيتين (:).

ولكن أرسطوفان لم ينظر لعلاماته الثلاث على أنها نظام للترقيم، بل رأى أن ليس لها سوى مجرد وظيفة لغوية (نحوية) فضلًا عن كونها تعبير بسيط عن توقّف الكلام، ولكن على أية حال فقد جرى غرس البذور.

الترقيم في عصر الرومان

لم يصمد ابتكار أرسطوفان طويلًا، فلم يقتنع الرومان بقيمته فهجروه تمامًا من ضمن ما هجروه من مباني ومناطق الإغريق، أو كما عبرت عن ذلك كلمات شيشرون الخالدة: «التحدث بالكلام يقف حين ينتهي نَفَسُ المُتكلِم، وليس بوضع علامات في آخره، ولكنه ينتهي بتوحيد قافية عن نهايات أطرافه».

ولكن يلاحظ أن الرومان قد (فصلوا.بين.الكلام.هكذا)، بوضع نقطة بين كل كلمة وأخرى مجاورة لها، في تغيّر ملحوظ عن شكل الكلام في الإغريقية الذي كان يلتصق بعضه ببعض دون وضع مسافة بين الكلمة والكلمة المجاورة لها، ولكن حتى هذا النظام الذي يفصل بين الكلام بالنُقط لم يصمد طويلًا، وجرى هجرُه أيضًا ليعود الكلام مرة أخرى متشابكًا دون الفصل بمسافات.

يتبع في المقال القادم بحول الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد