في المقالين السابقين، دار الحديث(1)(2) هنا بشكل أساسي بلمحة تاريخية عن علامات الترقيم، وما كانت عليه في الحضارة الرومانية القديمة، وارتباطها أساسًا بالتدوين والكتابة، ثم مررنا على موقف هذه العلامات في زمن الرومان، وما لقيته من تأخر في عملية تطويرها بسبب اعتماد الرومان على الخطاب المسموع عبر الخُطَب في المناسبات المختلفة وليس عبر قراءة النصوص؛ فلا عجب إذًا أنْ كان خطباؤهم هم رواد علم الخطابة عبر تاريخ الإنسان.

ثم جاءت المسيحية، وجاءت معها «كلمة الرب» المقدسة، والتي أتعني بها أيِّما اعتناء، وكيف لا؟ وهي كلمة الله التي دُونت في الكتاب المقدس، وبالتالي كان الاعتناء بها وكتابتها وتدوينها في أحسن صورة في «أناجيل» شغلًا شاغلًا لرموز المسيحية من حُكّام وكهنة ورجال دين على مر فترات ذاك العصر.. فراجت العلامات (علامات الترقيم) أيِّما رواج، وتطورت ولاقت زخمًا كبيرًا في عصر سيادة المسحية، حتى جاء عصر النهضة أواسط القرن السادس عشر في أوروبا، وما كان من اختراع آلة الطباعة.

وفي هذه المقالة، سنكثف الكلام من أجل الإجابة عن سؤال واحد: كيف انتقلت (علامات الترقيم) إلى اللغة العربية؟

كيف جرى تعريب «الترقيم»؟

قلنا إن الترقيم أو (Punctuation) هو علم وافد على العرب والعربية، وإن أصوله تمتد إلى العصور الإغريقية واللاتينية والرومانية، وإن المرحلة الفاصلة في تطوره ارتبطت بفترة انتشار الديانة المسيحية في البلاد الأوربية القديمة، ثم مكث هذا التطور ردحًا من الزمن بعد اختراع آلة الطباعة في أواسط القرن الخامس عشر.

والآن نتحدث عن انتقال هذا النظام إلى نمط الكتابة العربية.

في البداية، اعتمد العرب قبل الإسلام على إلقاء الكلمة، والحديث بها في المجالس، حتى أنهم كانوا يتخذون من مجالسهم مناسبات للندوة بينهم، فضلًا عن المواسم المخصصة لإلقاء الشعر في الأسواق، مثل سوق عكاظ الشهير الذي كان يستمر شهرًا كاملًا.. فكانت كلمة العرب كلمة مسموعة وليست مكتوبة (كما الحال في أوروبا قديمًا قبل وفود المسيحية إليها). ولم يهتم العرب بالكتابة إلّا بعد مجيء الإسلام.

ثم جاء الإسلام، وأتت معه كلمة الله في القرآن الكريم، وكلمة الله هي العليا؛ فجرى تدوينها، ثم جمعها في مصاحف، ثم كانت الرعاية بهذه الكتابة أيما عناية، وكان الاهتمام بها وراعياتها واجبًا مقدسًا، فكتاب الله وهو القرآن الكريم هو كتاب مرقوم (أي مكتوب) يشهده المقربون.

أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة

لكن القرآن الكريم ذاته لم يكن حتى منقوطًا ولا مشكلًا (من التشكيل).. فعمل علماء اللغة وقارئو القرآن – فضلًا عن النقْط والتشكيل – على وضع أحكام وقواعد التجويد أو التلاوة، التي تشبه في مضمونها كثيرًا علامات الترقيم في المعنى اللاتيني.

وعن ذلك، يقول أحمد زكي باشا، في كتابه الآنف: «ثم جاء الطور الرابع – طور الكمال – فوضعوا علاماتٍ خطية مختزلة من بعض الحروف أو من بعض الكلمات، للدلالة على مواضع الوقف بأنواعه، وعلى مواقع الفصل، وعلى مكان الانتهاء، أي حيث يحسن السكوت التام. وأطلقوا على هذا الاصطلاح الراقي (الوقف والابتداء) فوضع القوم للوقف الاختياري حروفًا، ونقطًا، وخطوطًا يمتاز بها: اسم السكون والإشمام والرَّوم والتضعيف، كما وضعوا علامات لفظية وخطية لكل من أنواعه الأربعة (الاستثباتي، والإنكاري، والتذكري، والترنمي). وكذلك نص أئمة المسلمين على تنويع الصوت في الكلام: تحذيرًا وتبشيرًا.. إلخ».

والثابت أن الكتابة والقراءة العربية في العموم – باستثناء القرآن الكريم – لم تكن تعرف أي نظام للترقيم، أو حتى ما يمكن أن يقال عنه أنه يشبه الترقيم بالمعنى الغربي، إلّا على يد العلامة الشيخ المحقق، أحمد زكي باشا، الذي لُقّب بشيخ العروبة على خدماته عميقة الأثر للغة العربية.

ولأنه كان عالمًا ومحققًا أصيلًا، فقد عمد إلى الاستفادة والقياس على نظام الترقيم في أصوله اللاتينية بعد دراسة منهجية ومدققة أولًا، ثم انطلق منها إلى إثبات ما يمكن إثباته في الكتابة العربية من علامات ورموز مشابهة مستفيدًا مما انتهى إليه علماء القرآن الكريم عبر على مر السنين من العلامات التي رسموها، وجرى تسميتها بـ«أحكام التجويد».. حتى صار نظام الترقيم العربي الذي نعرفه على شكله اليوم.

ويصف شيخ العروبة هذه المقاربة بين الترقيم في اللاتينية والنظام سيقدم على ابتكاره ليكون ترقيمًا مخصصًا للغة العربية، فيقول في عبارة تغمرُها بالروعة: «ولقد أشار سعادة أحمد حشمت باشا (كان وزيرًا للمعارف في هذا الوقت) بتدارك النقص الحاصل في تلاوة الكتابة العربية؛ وطلب استنباط طريقة لوضع العلامات التي تساعد على فهم الكلام، بفصل أجزائه بعضها عن بعض، ليتمكن القارئ من تنويع صوته؛ تبعًا لأغراض الكاتب، وتوضيحًا للمعاني التي قصدها، ومراعاةً للوجدان الذي أملي عليه».

واشترط حفظه لله أن يكون ذلك الاصطلاح بطريقة منطقية مضبوطة منطبقة على القواعد والأصول المقررة للوقف والابتداء، في اللغة العربية.

فبدأتُ بمراجعة الكتب العربية التي وضعها النابغون من السلف الصالح في الوقف والابتداء: مثل «القول المفيد في علم التجويد» و«منار الهدى في الوقف والابتدا»، و«كتاب الوقف والابتدا» للإمام السجاوندي، وشروح «المقدمة في ما يجب على القارئ أن يعلمه» للداني، و«المقدمة فيما يجب على القارئ أن يعلمه»، و«الإتقان في علوم القرآن» و«البحث المعروف في معرفة الوقوف» للداني، و«كتاب الوقوف للشاطبي»، وغيرها من الأمهات الموضوعة في هذا الباب.

ثم رجعت إلى ما تواضع عليه الإفرنج في هذا المعنى، من كتب النحو ومعاجم اللغة المستفيضة بين الناس. فكانت نتيجة البحث مما يَقَرُّ الخاطر، ويسر الناظر؛ فقد وجدت، من حسن الحظ، أن الاصطلاحين يمكن التوفيق بينهما في أهم المواضع، وفي أكثر المقامات دورانًا في الكلام.

ذلك بأنني تحققت أن الأسلوبين لا يختلف بعضهما عن بعض، إلا في جزئيات طفيفة، يمكن العربية أن تستغني عنها».

ثم نظم شيخ العروبة، أحمد زكي باشا، علامات الترقيم التي نستخدمها في العربية اليوم، ووضع لها كتابًا هو الذي اقتبسنا له منه في هذا المقال، وشرح فيه كل علامة من علامات الترقيم وحدد لها وظيفتها، قبل أن يعنى بالشرح أيضًا لظواهر كتابية وصوتية في القراءة والكتابة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد