تناولنا في الجزء الأول من هذه السلسة نبذة يسيرة عن علامات الترقيم في العصور القديمة؛ في اليونان، وفي دولة الرومان، وقلنا إن أول من وضع أسلوبًا يمهّد إلى ظهور هذه العلامات وتطورها إلى ما هي عليه الآن، هو عالم من علماء مكتبة الإسكندرية، وُجد في العصر الإغريقي للمدينة القديمة، وكان أمينًا على تلك المكتبة التي كانت منارة للعلم في العالم القديم، وكان اسمه (أرسطوفان).

وفي هذا المقال، نأخذ جولة بسيطة أخرى عن تطور هذه العلامات حتى يومنا هذا، وأثر انتشار الديانة المسيحية في العصور الوسطى في تطور الكتابة والتدوين، وبالتبعية تطور علامات الترقيم.

· ما أثر انتشار «المسيحية» على تطور الترقيم؟

بحلول القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وبينما يحارب الرومان حربًا خاسرة أخيرة أمام دين جديد آخذ في الانتشار: هو المسيحية، التي كانت السبب في إحياء «النقاط» الثلاث التي ابتكرها أرسطوفان (راجع الجزء الأول).

وكانت العبادة الوثنية الرومانية تعتمد في تقديم طقوسها الروحانية وشعائرها الدينية على الكلمة المسموعة المنطوق بها، فيما جاءت العبادة الجديدة بفكرة تقديس الكتابة والتدوين النابعة من تقديس المكتوب والمدون ذاته في الأناجيل والمزامير، حتى تنتشر بين العباد بصورة تليق بـ«لكمة الربّ» الموجودة في الكتاب المقدس!

وصارت الكُتُبُ جزءًا لا يتجزأ من الهوية المسيحية. وصارت الأناجيل تُكتب وتدون في أبهى الصور، وتبارَى الكتبة في اصطناع الزخارف التي تحف الصفحات، ورسموا غصون وأوراق أشجار ملونة بماء الذهب، وابتكروا علامات نصّية مثل هذه (Γ, ¢, 7, ¶) وغيرها؛ لزخرفة الكلام المكتوب وإضفاء رونق خاص به.. فكلمة الربّ تستحق أن تظهر ظهورًا لا مثيل له!

وبما أن الفهم والوعي بمضامين الكلام هو عملية عقلية في الأساس، ولكنها ترتسم في النص المكتوب، أو إن شئت فقل من الضروري العمل على تسهيلها في الكلام المدوّن، وأن المسيحية قد اعتمدت أكثر على الكتابة في تمددها وانتشارها في الربوع الأوروبية؛ فلقد كان الاهتمام بالترقيم وإعادة إحيائه، وابتكار الجديد من علاماته، أشياء لا غنى عنها لخدمة النص المسيحي المقدس.

· إيزيدور الإشبيلي

وبالتالي، حمل المؤلفون والكتّاب المسيحيون على عاتقهم تنميق وترقيم كتاباتهم بغية المحافظة على إيصال المعنى الذين قصدوا إليه إلى القارئين من أتباع الديانة.

وبرز في هذه المهمة راهب كبير يسمى إيزيدور الإشبيلي (Isidore of Seville)، كان موسيقيًّا وفيلسوفًا وراهبًا، ثم رُسّم أسقفًا لإشبيلية، حيث عمل من حيث انتهى أرسطوفان بنقاطه الثلاث الشهيرة، ولكنه ولأول مرة بدأ يربط هذه العلامات الثلاث بالمعنى المراد في سياق الكلام؛ فجعل للنقطة الخفيضة (.) وظيفة إضافية عن كونها تلزم الوقفة البسيطة، فأضاف لها المهمة اللغوية والإدراكية للفاصلة (،)، كما أعطى للنقطة العلوية (·)، وظيفة إنهاء الجملة.

وتدريجيًّا، بدأت المسافات بين الكلام تترسخ، بعدما عمل رهبان أيرلنديون وأسكتلنديون على هجر اللاتينية خلال أدائهم للصلوات الكنسية.

وبإزاء القرن الثامن الميلادي، وخلال الدولة الألمانية القديمة (الإمبراطورية الكارولينجية)، أمر الملك (شارلمانCharlemagne -) راهبًا من الرهبان اسمه (ألكوين – Alcuin)، بأن يعمل على توحيد أحرُف أبجدية، حتى يتوحد معها أسلوب الكتابة والكلام بين رعاياه في ربوع بلاده المترامية الأطراف، فكانت هذه الأحرف الأبجدية وطريقة كتابتها التي استمرت حتى الآن في أوروبا، بديلة عن اللاتينية القديمة التي هجرها الناس بلا عودة؛ ومن ثم راجت الكتابة أكثر، وانتعشت معها علامات الترقيم.

· عصر سيادة علامات الترقيم

أخذت النقاط الثلاثة –  الإرهاصات الأولى لعلامات الترقيم – التي ابتدعها أرسطوفان في الانتشار، وعمل الكاتبون والناسخون على تمديدها وتحسينها، وتأثروا في ذلك بالكراسات الموسيقية (النوتات) الخاصة بالترانيم الجوريجية التي اشتهرت بها الكنيسة، وجرى الاستفادة بما فيها من إشارات الضبط الموسيقي، مثل هذه العلامة (;)، ثم استُخدمت، في العصور الوسطى، في كتابة النصوص العادية، في الكتب والمؤلفات، وصار لها وظيفة الفاصلة المنقوطة (؛)؛ إذ كان يستخدمها الكاتب لإيضاح المعنى، وكإشارة لإحداث تغيير مفاجئ في نبرات ونغمات الصوت.

ثم انضم لهذه العلامة علامة أخرى جديدة، وهي الأصل القديم لعلامة الاستفهام بشكلها الحالي (؟)، وكانت وظيفتها إنهاء السؤال، بالإضافة إلى رفع مستوى الصوت على السواء.

ومع مرور الوقت، ذاب الاختلاف بين وظائف تلك النقاط الثلاث، العالية والوسيطة والخفيضة؛ واستقر المقام على شكل واحد للنقطة (.) وصارت مجرد علامة على إنهاء لطول الجملة على نحو عشوائي، غير مرتبط بوظيفة محددة، إلى أن جاء عالم إيطالي كبير (بونكوبانيو دا سينا – Boncompagno da Signa) في القرن الثاني عشر الميلادي، واقترح نظامًا شاملًا لعلامات الترقيم؛ تألف من علامتين اثنتين فقط:

الأولى؛ كانت هذه (/) الخط المائل، وكانت تعمل عمل الفاصلة (،).

والثانية؛ كانت هذه (–) الشرطة، وكانت تعمل عمل النقطة (.) فتُنهي الكلام.

· اختراع المطبعة.. هل دخلت علامات الترقيم في سبات عميق؟

مع ظلال عصر النهضة، كانت علامات الترقيم عبارة عن مجموعة من الإشارات القادمة من إرث الماضي في العصر الإغريقي والروماني على التتابع، بالإضافة إلى محاولات بعض العلماء منذ انتشار المسيحية وحتى العصور الوسطى في إحداث اختراقات في هذه العلامات بغية تطويرها وإضفاء طابع تجديدي يتوافق مع تطور أساليب الكتابة ذاتها.

ولكن حدثًا خطيرًا استجد في أواسط القرن الخامس عشر (خمسينيات القرن الخامس عشر الميلادي)، حيث طوّر العالم الألماني (يوهانز غوتنبرغ – Johannes Gothenburg) آلة لطباعة الورق، وطبع الكتاب المقدس في صفحات مكونة من 42 سطرًا.. وكانت تداعيات ذلك على الترقيم كبيرة؛ إذ جرى صب علامات الترقيم بعد الاتفاق على وظائفها وشكلها الحالي الذي نعرفه اليوم، في قوالب من الرصاص لغرض الطباعة، وعند هذا الحد بدا وكأن تطور علامات الترقيم قد مات، بعد أن تم تجميدها في آلة الطباعة.

· علامات الترقيم في عهد الكمبيوتر (عصر الإيموشن)!

في نهايات القرن الماضي، وبعد أن سادت أجهزة الحواسيب ثم أجهزة الاتصالات الحديثة والهواتف الذكية، تعطي علامات الترقيم إشارات أنها ما تزال حية، وتستطيع التطور في المزيد من الأشكال والرموز التي ليس من شأنها فقط إجلاء المعنى وتوضيحه، ولكنها ربما تخطت هذه المرة هذه الحدود إلى عالم جديد تشفّ فيه تلك العلامات عن المشاعر الإنسانية، من حزن، وفرح، وغضب، وما إلى ذلك.

ربما لا يبذل كاتبٌ من القرن الخامس عشر كثير عناء في استيعاب علامات الترقيم التي يجدها الآن على لوحة مفاتيح لحاسوب أو لهاتف ذكي، ولكنه سيقع في حيرة مستحكمة حين يرى الرموز الانفعالية (Emoticons) أو الإيموشن التي امتلأت بها محادثاتنا اليومية على هذه الأجهزة، وفيما نكتبه على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد أثبتت علامات الترقيم أنها لم تَمُت قط، ولكنها كانت بانتظار طفرة القرن الحادي والعشرين لتتحور وتتطور في رموز وأشكال جيدة.

ترى، ما سيكون عليه نظام الترقيم في الألفي سنة القادمتين؟ نحن من سنحدد ذلك – نحن جمهور الكتّاب والقارئين.

وإلى المقال القادم، والجزء الأخير من هذه السلسة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد