ذهب صاحبنا إلى المكتبة.. أخرج النقود بإرادته.. اشترى روايات نجيب محفوظ بإرادته.. فلم تعجبه، ورأى أنها غير مناسبة أخلاقيًّا -وفقًا لمعاييره- فأراد أن يفرض ما يراه على الناس! وأراد أن يربي ويعلم المجتمع وفقًا لتعاليمه! عجب!

أعلم أنه كان مجرد اقتراح أحمق من أحد السادة النواب الموقرين، وأعلم أنه لم يوافق عليه الكثير ولم يشغل بال الكثير مثله كمثل اقتراح منع الأطباء من السفر، وسجن من يكذّب الرئيس ثلاث سنين، وغيره من العته والحمق، وأعلم أنه قد يكون محاولة للسير ضد التيار – من باب خالف تعرف – ومن ثم يشتهر صاحبه ويصير نجمًا لامعًا ومفكرًا ذا قيمة تتلقفه القنوات الفضائية من بعضها، ولكن الاقتراح في حد ذاته كشف عن أشياء كثيرة، وأكد حقائق كثيرة كانت الأصوات المنادية بها متهامسة ومتهافتة، ولم يكن أحد متيقنًا من ذلك.

منذ فترة اقترح نائب برلماني معاقبة الأديب نجيب محفوط -رحمه الله- على خدشه الحياء العام في رواياته! اقترح هذا النابغة أن يعاقب النجيب محفوظ لأنه خدش حياءه وجرحه. المشكلة ليست في المقترح، بل المشكلة هي أن المنادي بذلك كان نائبًا في مجلس الشعب! أي ممثل الشعب! ممثله عن أفكاره، عن أرائه، عن ثقافته،عن أحلامه، عن مشاكله، عن حلوله. هذا الفعل وغيره جاء ممن رآه المصريون أجدر من فيهم ليمثلهم في مجلسهم!

إنها كارثة أن يكون المجتمع معتقدًا أنه من الحكمة والتحضر معاقبة شخص على خياله، أو وضع قيود ومعايير للخيال والأدب. إنها كارثة أن نجهل معنى الخيال، ومعنى الرواية؛ التي هي من أساسياتها الوصف والرسم المفصل لأدق التفاصيل التي تعتري القصة المتناولة، لتطلق العنان لخيالك أنت، وإلا ما أصبحت رواية وظلت مجرد قصة قصيرة! إنها كارثة أن يصبح كل شخص في مجتمعنا معتقدًا أن معاييره الأخلاقية والذوقية هي حقيقة مطلقة، ومن ثم يحاول فرضها على غيره بالصراخ والضجيج والصوت العالي والقوة إن أمكن! إنها فاشية فكرية ترتدي عباءة الجهل!

حتي وإن كانت الحجّة التي استخدمت لحجب محتوى أدبي أو فكري معين هي أنه يتنافى مع قيم وأخلاقيات وأفكار المجتمع، فهذا لا يعني أننا يجب أن نتمسك بصحة وصوابية قيمنا وأخلاقنا ضد هذا المحتوى ونرفضه وننكره ونحجبه. لا يعني اعتقاد معظم الناس بشيء معين أنه صحيح! إطلاقًا؛ فيومًا ما كان وأد الإناث حكمة، وتجارة العبيد والإماء أمرًا عاديًا، وضرب النساء نضجًا ورجولة! كلها كانت أخلاقيات منتشرة وسائدة، وظل بعضها حتى فترة وجيزة جدًا، ولم نكن لنتحرر منها إلا بسماع الأصوات والآراء التي كانت خافتة أيضًا حينها.

وحتى وإن كان الأغلب على صواب، ومعاييره الأخلاقية هي الأصح، فالحق لا يضيره شيء، ولا تنتقص منه الآراء المخالفة شيئًا، فلماذا تخاف من أفكار نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس أو فرج فودة، أو غيرهم من الذين يصطدمون بأفكارهم مع المجتمع كثيرًا، مادمت ترى أن أفكارك ومعاييرك سليمة؟!

إنها شهوة الفروسية التي تعتلي الكثير فيظنون أنفسهم حماة الحمى، ومنقذي الألباب من الأفكار السامة المخربة! إنها العقول المتحجرة المنغلقة على موروثاتها وظنونها، فلا تسمح لأحد أن يقترب منها أو ينتقدها، ويحتقر عقول الجميع ويخاف عليهم التفكير؛ فيحيدون عن صوابه المطلق الأبدي!

عندما سُئل قاتل فرج فودة، وطاعن نجيب محفوظ في المحكمة عن سبب فعلتهما، ردا بأنهما دعاة فسق وفجور، ارتدا وكان يجب قتلهما! وعندما طـُلب منهما ذكر النص الذي قرآه في كتبهما واعتمدا عليه في إطلاق حكمهما هذا، أجابا بأنهما لم يقرآ لهما كتابًا قط، بل اعتمدا على فتاوى وكتابات أشخاص آخرين!

هؤلاء هم الأولى بالمنع من الكتابة أو حتى الظهور، هذه الأفكار هي السامة حقًا، هذه الأفكار الهمجية البربرية هي المخربة حقًا، هؤلاء الذين حرضوا مجموعة ساذجة حمقاء من الشباب لتنفيذ عمليات إجرامية! من يلجأ للقوة والعنف في مواجهة الفكر والآراء هم أولى بالمحاكمة والعقاب.

هذه بديهيات تَخطُّها الأمم المتحضرة -وهم كُثر- منذ زمن، ومضوا نحو قيم ومفاهيم أكثر رقيًا وتحضرًا عن ذلك بكثير، ونحن هنا نعتقد أنه لا يوجد سوانا على هذا الكوكب، هذه البقاع الأخرى من الأرض تمثل شيئًا بغيضًا ومجهولًا بالنسبة إلينا، نسير على مقولة «الإنسان عدو ما يجهل» بحذافيرها.. جغرافيا العالم تمثل في مخيلة شخص مصري بسيط رقعة داكنة مظلمة، عدا مصر، أم الدنيا وسيدتها، 7 آلاف سنة حضارة، الأهرامات والنيل ومعابد الأقصر!

هذه المبادئ والأفكار التي يعيش ويتعايش عليها هي الفطرة في وجهة نظره، الفطرة ولا شيء سواها! كل هؤلاء القوم الذين يعيشون في أروربا وأستراليا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كل هذه الثقافات المتنوعة والمختلفة، كلهم ضالون مضلون، تتردد جملة: كيف يعيش هؤلاء الناس هكذا؟! كثير من البسطاء والعوام، كلهم شاذون عن الفطرة والمألوف! أفكارنا، موروثاتنا، عاداتنا وتقاليدنا هي الأصح، بل هي الطبيعية! هذا مفيد مُطلق، هذا جيد مطلق، هذا فحش مطلق، هذا انحطاط مطلق، هذا رقي مطلق، هذا صلاح مطلق! هذا اللفظ عيب ومرفوض، هذا الموضوع شائك ولا يصح الكلام فيه، هذا التعبير غير لائق، هذة الفكرة خاطئة وغير مرغوب الإفصاح عنها، ليس لأننا استنتجنا ذلك بعقولنا وبتفكيرنا النقدي؛بل لأننا تربّينا علي ذلك، وهذا ما سنربي عليه أبناءنا وأجيالنا القادمة!

نعشق الانغلاق ونقدسه، وكأنه لم يولد على هذا الكوكب إلا سوانا! فمتي نشعر بأن لحياتنا مناحي أخرى من الممكن أن نسلكها، وقد تكون أفضل بكثير من مناحينا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد