في الآونة الأخيرة سمعنا العديد من الناس يرون أن تفشي فيروس كورونا ما هو إلا رسالة من الطبيعة، تخبرنا أن الإنسان أساء بشكل مفرط استغلال الموارد المتاحة له، وأنه إن استمر الإنسان في نهج نفس هذا المسار فعليه توقع ردة فعل من الطبيعة أكثر شدة، قد تكون على شكل فيروسات (أو ربما بكتيريا) كما قد تكون على شكل كوارث طبيعية غير معتادة على كوكبنا. هاته الرؤية، ثم تبنيها من شخصيات بارزة لها كلمتها في المجتمع، أذكر هنا مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنجر أندرسون، والبابا فرانسيس، وعدة من الوجوه المتخصصة، مما بجعل هذا التوجه، ليس مجرد رأي عابر لمجموعة من الأفراد، بل قد يتعدى ذلك إلى أما هو أبعد.
في الأول يجب أن نطرح تساؤلًا مهمًا، وهو ما الذي نقصده باعتقادنا أن الطبيعة ترسل لنا رسالة؟ ربما يميل معظم الناس إلى النظر إلى هذا الاعتقاد باعتباره استخدامًا مجازيًا للغة، أو تجسيدًا فكاهيًا للوضعية التي نعيشها الآن، فكل الناس يتفقون على أن فقط الكيانات الذكية تتمكن من مشاركة رسائلها مع بعضها البعض، سواء كان ذلك الذكاء مكتسبًا أو فطريًا، كما تتفق كل الديانات السماوية وغيرها على أن الإنسان هو مركز الطبيعة، ووجودها مقتصر فقط لخدمة ذلك الإنسان، والبشر هم الكائن الحي الوحيد المخول له الحكم على الطبيعة، وفي هذا السياق يرى العالم اللاهوتي (والجيولوجي) توماس بيري، أن الثرات الديني بشتى أنواعه، يتحمل بعض المسؤولية في سوء معاملة الإنسان للطبيعة، بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن كل الطبيعة موجودة من أجل خدمتنا، وما هي سوى وسيلة نملك الحق الحصري في استخدامها كما نريد.
ترتبط رؤية توماس بيري باسم أسطوري للأرض قديم يعرف بـ«غايا GAIA»، المفهوم الذي تبلور على يد عالم الجيو-فيزياء وعالم المناخ جيمس لوفلوك، الذي كان أول من وضع نظرية غايا حين كان يعمل لصالح وكالة ناسا، حيث رأى لوفلوك أبحاثًا تنص على أن في السنوات الأولى للأرض كان الغلاف الجوي يتكون في غالبيته من ثنائي أكسيد الكربون، وبالتالي لم تكن الأرض قابلة للعيش فيها، ليتحول تدريجيًا الغلاف الجوي إلى الأكسجين والنيتروجين بمستويات محددة ومستقرة منذ ملايين السنين، فخلص لوفلوك إلى نظريته التي تنص على أن الارض ودوراتها الطبيعية يجب اعتبارها ككائن حي مستقل، متنوع وشديد التعقيد، كائن حي يسعى باستمرار إلى تحسين ظروف الحياة عليه، وتساعد نظرية غايا في تفسير أيضًا كيفية الحفاظ على توازن ملوحة المحيطات، فذوبان الصخور الملحية باستمرار في المحيطات، يجب أن يسبب في ازدياد نسبة ملوحة بشكل تراكمي، لكن هذا لا يحدت، فنسبة ملوحة المحيطات ظلت ثابتة في حدود 3.4% منذ ملايين السنين، وهذا يعني أن الأرض لها نظام خاص يمكنها من الحفاظ على توازن نسبة الملوحة في المحيطات لتجعلها في مستوى يمكن أن تتحمله معظم أشكال الحياة.

لتوضيح الأمر ببساطة أكبر، فنظرية غايا تفترض أن كل الإيكولوجيات الحية والأشياء غير العضوية، التي تشكل معًا مفهوم نظام الأرض، تتفاعل بطريقة ذاتية للحفاظ على الظروف المعززة للحياة، الحياة بشكلها العام الذي لا يظلم فقط الحيوانات الأعلى، بما فيها البشر، بل يتعداها ليشمل جميع الحيوانات والنباتات وحتى الفيروسات والبكتيريا.

كل ما سبق، يحيلنا إلى فكرة جد مهمة، وهي إمكانية نوع من الذكاء عند الأرض، نوع يمكنها من إنجاز عدة مهام للحفاظ على استقرار نظامها وفي كتابه GAIA a new look at life on earth, يرى جيمس لوفلوك، أنه بين العديد من المفاهيم المجسدة في نظرية غايا يعد الذكاء أصعبها، الذي هو خاصية محتكرة للنظم الحية، ويعني أساسًا، تلك القدرة على الإجابة على الأسئلة بشكل صحيح، إن أسقطنا هذا التعريف على الأرض، يمكن القول إن للطبيعة القدرة على الإجابة على الأسئلة حول المعايير والنظم المتعلقة على بقاء واستمرارية النظم وارتباطها ببعضها البعض. وقد يرى البعض أن تلك الأجوبة كما هي إلا ردة فعل عشوائية وتلقائية لا تتعلق بتاتًا بأي نوع من التفكير، وهذا يقودنا إلى النظر إلى الموضوع من خلاب تصور خلوي، حيث تعد القرارات المتعلقة بالأكل أو التنفس أو توقع الخطر، عمليات تلقائية، روتينية، ولا تنطوي على تفكير واع، لكن مع ذلك يجب إدراك أنها تتطلب أيضًا بعض أشكال الذكاء، الضروري لتفسير المعلومات الواردة حول البيئة بشكل صحيح، مثل: هل الجو حار جدًا؟ أو هل هناك ما يكفي من الهواء للتنفس؟ وبالتالي فإن كانت غايا موجودة، فهي بلا شك تمتلك هذا المعنى المحدود من الذكاء على الأقل.
بالعودة إلى الفيروس التاجي الجديد، يمكن أن يتجاهل الإنسان أنه ليس سوى استعراض لذلك الذكاء المذكور في نظرية غايا، بالنظر لكونه يسبب كوارث للبشر، لكن لا يجب أن نتجاهل النقطة المتعلقة بكون أن الإنسان هو السبب في ظهور هذا الفيروس، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير ذلك، كنتيجة لتدمير مواطن الحيوانات في الطبيعية الأم، وفي هذا السياق نذكر أيضًا أن الإنسان أيضًا له دور مباشر في الاحتباس الحراري الذي ساهم في القضاء على العديد من النظم الحية، كل تلك المعاملات غير السوية بين البشر والطبيعة، سيكون لها تأثير سلبي على العمليات التي تعمل على استمرار التوازن الطبيعي، وبالتالي تفرض ردة فعل تعويضية «تلقائية»، وبالتالي ففيروس كورونا، يمكن أن يكون هو ردة الفعل التلقائي غير الواعي للأرض؛ مما يمكن أن يساهم في استعادة التوازن المتجانس الذي فقد بسبب الإنسان في آخر 200 سنة على الأقل، أي منذ الثورة الصناعية. وباعتبار البشر كأحد ابناء الطبيعة الأم، إن كان ذلك الابن يتصرف بطريقة مدمرة تجاه أطفالها الآخرين، فما الذي نتوقع أن تفعله؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد