لم يكن أسامة طفلًا عاديًا بل كان متميزًا ضاحكًا نشيطًا. يحب اللعب والمرح. لاحظ عليه والداه تغيرًا سلوكيًا وبدنيًا مفاجئًا. لقد أصبح يشكو من آلام متكررة بالبطن. وقلة الحركة والهزال وقلة الأكل. لقد بدأ يفقد وزنه من جراء هذا.

قام الأب بزيارة للمدرسة ليطمئن على أحوال أسامة، فوجئ بأن المعلم يخبره أن ابنه لا يحضر إلى المدرسة. توجس الأب خيفة واضطرب. أين يمكن أن يذهب ذلك الطفل الصغير ذو السنوات الست؟ وكيف يتسلل من بيته كل صباح ولا يتواجد بفصله بين زملائه؟ دارت في رأس الأب المسكين دوامة من الأفكار والمخاوف لم يبددها إلا طيف أسامة وهو يجري لاهيًا في فناء المدرسة. هرول الأب مسرعًا ليحتضن صغيره بلهفة ثم يبدأ بتعنيفه لماذا لا تذهب إلى فصلك وتجلس بين زملائك.

استرجع الأب ذاكرته ومعاناته وزوجته مع أسامة كل صباح إنه يستيقظ بصعوبة وبعد محاولات متكررة من الأم والأب والإخوة والأخوات. حتى إذا قام من مكانه يقضي ربع ساعة في الحمام وما يزيد عن ضعفها في ارتداء ملابسه يقضيها الأب والأم والإخوة والأخوات في الصراخ «تأخرنا – الطابور خلص – الحصة الأولى بدأت – المعلمة ستعاقبني هذا تصرخ أخته في حنق». لم يجد الأب والأم بُدًا من استشارة خال أسامة وهو اختصاصي في الطب النفسي الذي أخبرهم أن أسامة يمارس ما يعرف «Defense Mechanism» إنه لا يحب المدرسة وإنه فقط لا يريد أن يذهب إلى المدرسة.

في الحقيقة كان الأب والأم لا يبحثون فقط على حل لمشكلة أسامة اليومية فقط. بل كانوا يبحثون عن مخرج لمعاناتهم اليومية وأزمتهم المتكررة. فلقد كان الأبوان يشعران بالضيق الشديد لأمر ابنيهما. حتى الأم كانت تبكي عندما تجلس وحيدة في المساء حزنًا على حال طفلها.

لقد كان أسامة يعاقب أبويه عقابًا شديدًا ويسبب لهم عن غير قصد آلامًا شديدة ومعاناة كبيرة ولو أمعنا النظر لوجدنا كثيرًا من الأطفال يقومون بهذا الأمر من خلال 5 نماذج متكررة وهي:

1- المرض

يتقمص الطفل حالة نفسية معينة ويعيشها بكل جوارحه وأحاسيسه ويتبع ذلك ظهور أعراض مرضية حقيقية على الطفل. نعم يحدث أن يمرض الطفل نتيجة تلك الحالة النفسية التي يتقمصها ويعيش فيها وتظهر أعراض المرض كاملة على الطفل وتلك الأعراض قد تكون مصحوبة بتغيرات عضوية حقيقية أو ليست مصحوبة بتلك التغيرات العضوية.

2- التمارض

وهو ادعاء المرض وغالبًا ما يمارسه الأطفال في المرحلة الابتدائية حيث يختلقون شكوى مرضية للتعامل مع موقف معين أو الهروب من حضور امتحان أو الذهاب إلى المدرسة، وأشهر الشكاوى المرضية في هذا الأمر المغص وآلام البطن.

3- الامتناع عن الأكل

روان فتاة جميلة في الصف الثالث الثانوي إلا أنها ترفض تناول الطعام بشكل مستمر وباتت أمها في الحزن عليها وعلى حالها. يعتبر الامتناع عن تناول الطعام من أشد العقوبات التي يتعرض لها الآباء حيث يرفض الأبناء الطعام المقدم لهم أو يطلبون قائمة طعام صعبة على سبيل المثال طلب طعام لم يدخل في إعداده البصل أو الحساء. وللأبناء إبداعات لا تنتهي في طلب أطعمة غير متاحة وفي رفض كل ما هو متوفر ومتاح.

4- الغياب من المدرسة

الغياب من المدرسة أصعب العقوبات على الآباء حيث يصيبهم بالاكتئاب والحزن ويشعر الآباء أنه لا جدوى لحياتهم وأن مستقبل أبنائهم يكتنفه الغموض والضبابية، يشعر الآباء بالعجز أمام الأمر ويفقدون القدرة على التحكم في الموقف ومعالجته.

5- السلوك السيء أمام الغرباء

في مواقف كثيرة كان خالد ابن جارنا د. حسن يتعمد أن يقترب من والده كثيرًا حينما يكون والده منهمكًا في حديث مع أحد المعارف. يقف خالد مستقيمًا ثم يحرك جذعه مرتكزًا على قدميه ومائلًا برأسه وأذنيه في اتجاه أبيه الذي ينتبه فجأة فيتعجب من طريقة وقوف ابنه الغريبة. ذلك أحد الأمثلة التي يقوم بها الأبناء بإساءة التصرف أمام الغرباء. إنه نوع من العقاب المؤلم جدًا للآباء والذي يوقعهم في حرج شديد أمام الناس.

والآن جاء دور الآباء كيف يجب أن يتعاملوا مع أبنائهم إذا صدر منهم مثل هذه التصرفات وكيف يديرون هذه المواقف الصعبة إدارة ناجحة. على الآباء أولًا أن ينجحوا في الإفلات من العقاب وأن يتعاملوا مع أبنائهم بعين المربي الصبور، وأن يؤثروا التدخل المتأني عن التدخل السريع. يمكنهم اتباع الآتي:

التعامل مع تصرف الطفل بطريقة متزنة وهادئة.

النظر إلى شكواه بعين الاهتمام الهادئ وتجنب إهمالها كليًا أو القلق والخوف والفزع.

البعد عن فرض الرأي والصراخ والتهديد.

تجنب التدخل المباشر الذي يهدف إلى إلزام الطفل بتغيير رأيه وموقفه حالًا وبسرعة.

التدخل العميق عن طريق التركيز على توطيد علاقة إنسانية روحية عاطفية مع الأبناء والبعد عن علاقة المدير والموظفين.

استخدام أسلوب الحوار والنقاش والقصص بدلًا من أسلوب الأوامر والنواهي.

 إن جل الآباء يتعاملون مع الموقف بطريقة سريعة ومباشرة وعنيفة ومثل هذا التدخل يفاقم المشكلة ويكرسها ويزيد من .تأصيلها وتكرارها

إن التدخل الهادئ غير المباشر المبني على الاستثمار في علاقة ناجحة طويلة الأمد بين الآباء والأبناء هو المخرج الوحيد والأسلوب الناجع الذي يحل الكثير من المشكلات والمعضلات التي لا تنتهي في مسلسل الصراع أو العقاب المتواصل بين الآباء  والأبناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد