كأفراخ الطير تولد أطفالنا، هشة ومعرّضة، وكأن بكاءها هو صرخة اعتراف بالضعف والعجز والحاجة إلى الإشباع، على اختلافاتنا نولد باحتياجات أصيلة في بنياننا الجسدي إلى الطعام والشراب والكساء، وأخرى في بنياننا النفسي لا تقل أهمية عن احتياجات الجسد، وفي الوقت الذي تتكاتف فيه الأيدي لستر عورة الجسد، وسد جوعة الجوف، نهمل -أحيانًا- صراخات النفس المطالبة بستر عورتها، وإشباع جوعتها، هي أيضًا!

نكبر لنتعلم أننا لا ينبغي أن نحتاج، لا ينبغي أن نصغي لصراخات النفس، ولا ينبغي أن نهتم لاحتياجات الطفل الداخلي، لكننا ننسى أن الطفل لا يتوقف عن البكاء حتى يُلبى طلبه، فماذا عندما نحمل احتياجات الطفل غير المشبعة في جسد المراهق البالغ؟ تلك الاحتياجات الملحّة ستعبر عن نفسها في صورة رغبات وإرادات غير متسقة، والأخطر أنها لا تلبي احتياجات النفس بالفعل بل تُنشئ احتياجات أخرى خاصّة بها، وهنا كل محاولة لتوقيف السلوك الخاطئ ستبوء بالفشل، لأننا نصر هنا على التعامل مع رأس جبل الجليد، وهو الرغبات التي تقف على جبل من الاحتياجات الحقيقية غير المشبعة.

لست أبالغ إن قلت إن خلف كل سلوك مرفوض هناك احتياجًا أصيلًا غير مُشبع، الإدمانات بأنواعها المتعددة، اضطرابات الشخصية من النرجسية والسادية والمازوخية وغيرها، السلوكيات المعادية للمجتمع، والانحرافات الجنسية بأشكالها المتعددة كل ذلك يقف على أكوام من احتياجات النفس غير المشبعة.

إننا نولد باحتياجات أصيلة هي الحاجة للأمن والحب والحنان والاهتمام، تضاف لها بعد ذلك احتياجنا لتوكيد الحقوق، والتواصل، والقبول، يضاف لها بعد ذلك احتياجنا للاستقلال النفسي والمادي، وهذا غيضٌ من فيض احتياجاتنا، التي يمكن بسهولة رفعها للسطح بتدريب أبنائنا على مهارة محورية في ممارسة حق فطري، وهو الحق في التعبير عن تلك الاحتياجات، وتغيير نظرتنا لاحتياجات الإنسان؛ فخطيئة بعض الآباء التربوية هي الترويض بالاحتياجات، استعمال احتياج الطفل كوسيلة للتقويم “ذاكر حتى أحبك”، “لو مسكتش هسيبك وأمشي”، إننا لا ندرك أي إساءة نسددها لأبنائنا عندما نهدد احتياج أصيل كهذا، قد نشعر بيسر مقولة كتلك، إلا أننا لا ندرك أن الطفل يتلقاها كإساءة غائرة.

تلك الرسالة مفادها أن احتياجاتك ليست حقوقًا، وإنما هبات ممنوحة، وأن مانح الهبة قد يسلبها، مفادها أنك مقبول بشرط، الطفل الذي تلقى رسالتك بأن محبتي لك ليست لأجلك وإنما لقرائن مثل ما تبذله، سيظل طيلة عمره يمنح ويبذل ليس لمحبة الكدح والبذل وإنما لشعور داخلي عميق أنني لست مقبولًا ما لم أقدم قرابين العطاء، قد يصل للأربعين قبل أن يكتشف أنه يكدح ليس لصالحه وإنما ليحصل على القبول لذاته، شعور بأنني إن فشلت -وهو حق بالمناسبة- سيتوقف المحيطون عن محبتي، بينما ذلك الذي تلقى رسالة بأنه إن لم يلبِ رغبتي بالتزامه الصمت، أو بالبقاء مروّضًا فسأتركه، هنا سيفقد ثقته في العلاقات، وقد يتحول لإدمانها، اللهفة لأن يشعر بالاحتواء، شعور من عدم الأمان وقلق دائم من عدم الاستمرار، ستتولد رغبة داخلية في التملّك لشعوره الداخلي بعدم الأمان العلاقاتي، أنني مهدد بالعزلة، والوحشة، مهدد بأن يتركني الرفقاء إن لم أسدد احتياجاتهم هم!

الخطيئة الكبرى تحدث عندما نستدعي قيمة الله إلى تلك الإساءات، إما بشكل لا واعٍ لأن مشاعر الإساءة التي تلقاها الطفل من الوالد ستنعكس على كل من له سلطة فوقية عليه، أو -وهو الأنكى- بشكل واعٍ عندما نوجه رسائل مفادها أنك مقبول من الله بشروط، ولكن الله حمّلنا الرسالة الإلهية بأننا مقبولون لديه بذواتنا، «لو جئتني بقراب الأرض خطايا وأنت لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرةً ولا أُبالي»!

إن واحدة من أبلغ صور الكمال الإنساني في سيرة النبي ﷺ عندما ارتمى في أحضان خديجة -رضي الله عنها- يبوح لها بآلامه، بخوفه، بضعفه أمام قوة الملَك، لتتجلّى أمامه في أبهى صور الاحتواء والقبول، وهي تذكره برفقة الله له «كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا»، فالتعبير عن احتياجات النفس وضعفها كان حاله مع الله ومع الناس، كما أن منحه القبول غير المشروط كان علامته التي يعرفه الرهبان بها «كان لا يزيده جهل الجاهل عليه إلا حلمًا» ولا ننسى تعامله الإنساني النبوي مع طالب الإذن بالزنى!

 

الفرق بيننا وبين الجمادات هو تلك الاحتياجات التي نراها سوءةً يجب سترها، مشاعر الخوف والضعف والألم والفشل هي شعار الإنسان، علامة أننا لسنا جمادات ولا نورانيات معصومة، إننا هنا لنخطأ ونتوب، لنتعثر ونقوم، لنسقط ثم نقف من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد