بعد ما يقرب من «عشرين عامًا» من البعد عن مشاهدة الأفلام والمسلسلات، وأية تسلية غير منضبطة «بضوابط الشرع» كنت مجبرًا في إطار بحث علمي حول «أثر المعاجلة الدرامية على الدين والحياة» على العودة للمشاهدة بضوابط خاصة، فالمقصود هنا العلم، وليس التسلية، وكان من ضمن قائمة مقترحة للبحث والكتابة فيلم «the purge: election year» أو «التطهير: عام الانتخابات».

 

تدور أحداثه حول سيناتور أمريكية تحاول إيقاف ما يسمي «بليلة التطهير»، وهي ليلة في العام يباح فيها كل شيء، حتى القتل، وتترشح للرئاسة؛ في محاولة منها للعودة إلى «أمريكا العظيمة». هذه الليلة  التي أقرها «المتدينون»، حكام أمريكا وقتها، ويمارسها من المواطنين من وجد في نفسه الشوق إلى هذا الأمر، ويقع ضحيتها «الأبرياء» الذين يرفضونها، فتمارس ضدهم لأسباب دينية، أو لأسباب اقتصادية، بلباس ديني، فينخرطون فيها مرغمين، دفاعًا عن أنفسهم، وهو ضمن السلسلة التي تحمل ذات الاسم «التطهير»، والتي جاءت عام 2014 تحت عنوان «التطهير: الفوضى»، وتحت عنوان «التطهير» عام 2013، وهو عام بداية السلسلة، وفيه أنّ الحكومةَ في ليلة 21 مارس (أذار) من كُلّ عام وضعتْ قانونًا تكونَ بموجبه تلكَ الليلة، ولمُدّة 12 ساعة، جميع الأفعال المشينةَ فيها قانونيّة، (بما في ذلك القتل، والسرقة، والاغتصاب)، وذلكَ للتنفيس عن غَضبِ الشعب، ومسموح في تلك الليلة باستخدام جميع أنواع الأسلحة والقتلُ والتعذيب، بشتّى الأساليبِ والطُرق، ولما وجد المتدينون المنتفعون من هذا القانون أن هذه السيناتور تقترب من النجاح، والذي يعني إلغاء ليلتهم المقدسة التي يتخلصون فيها من الفقراء والعجزة  الذين لا يستطيعون دفع تكاليف الحماية أو الدفاع عن أنفسهم يقررون تصفيتها في ليلة التطهير القادمة، وهي الليلة التي نجت منها في السابق بعد أن تم قتل جميع أفراد أسرتها.

 

ويؤكد الفيلم على أن طبيعة  من يحمي هذه القوانين، ويسعى إلى بقائها هم «المتدينون»، والذين يؤدون طقوس «التطهير»، وهى الطعن أو التعذيب، حتى الموت داخل «الكنيسة» في خشوع تام يصل إلى حد الجنون الحركي، والتي يسبقها دائمًا دعاء واحد: «ليبارك الرب أمريكا، الأمة التي ولدت من جديد؟»، وهذه هي الرسالة التي يود الفيلم طرحها، وهى أن المتدينين خطر عظيم على أي مجتمع، وأن وصولهم للسلطة سيعني بالتأكيد الوصول إلى هذا الحد من الجنون، واستباحة الدماء، والأمر ليس مجرد تخيل، بل إنه مدعوم على أرض الواقع: «فداعش» تمثل هذا النموذج المطروح الذي وصل بمن يؤمنون بهذا التنظيم العفن بأن يستمتعوا بمشاهد السلخ والقتل والذبح والحرق وغيرها من وسائل داعش في معاقبة من ليسوا على ملتهم – أي الداعشية –  ولا أقصد الإسلام؛ فهم أبعد الناس عن حمل هذا الاسم أو الاتصاف به شأنهم شأن «بشار»، ومن هم على شاكلته عربًا وعجمًا، الديمقراطيون منهم، والديكتاتوريون العلمانيون منهم والمتدينون.

 

وفي الفيلم يعرض هذا «المشهد الأساسي» أو الرئيس، وإن جاء متأخرًا اجتماع  الآباء المؤسسين الذين يحكمون أمريكا بهذا الوضع، والذين يحاولون تدويل «ليلة التطهير» بجعلها مقصدًا سياحيًا يأتي إليها الناس من كل الدنيا؛ فقط للقتل الذي يعتبره الآباء المؤسسون عبادة، ولغير المؤمنين متعة؛ فيتحقق الهدف، شأنه شأن الدعارة والمخدرات وتجارة السلاح والبشر، وتوجيه الحروب، وأن المتدين يروج ويمارس كل هذه «الفواجع» باسم الدين، وحب الإله، وبالرغم من أن الفيلم موجه للداخل بشكل أساسي، بل ربما يريد التأكيد على خطورة وصول أمثال «جورج بوش الابن» وفريقه أو «دونالد ترامب» وأمثاله إلى السلطة، خصوصًا والفيلم من إنتاج عام 2016 تحت عنوان «التطهير: عام الانتخابات». وغاب فيه الشكل العربي  أو الشكل النمطي لمصدر الإرهاب؛ للتنبيه ربما  بشأن خطورة «التدين» وأن «العلمانية»  دائمًا «هي الحل»، إلا أنه أيضًا موجه لكل من يشاهده من غير الأمريكان، وغير المسيحيين حول العالم، حتى إذا قال واحد من الناس: إن التدين الإسلامي مختلف عن هذا «الخبل» فسوف يجيبه غير المسلم: أليست داعش وجماعات التطرف تدعي أنها متدينة، وتفعل الشيء المماثل  باسم الدين فما الفارق إذن، وما العصمة إذا كان كل التدين القادم من الدين يؤدي إلى هذا؟ وربما كانت هذه هي الأسئلة المقصود طرحها داخليًا وخارجيًا بهذه الأفلام!

 

وفي هذا المشهد يأتي أحد من يسمونهم بالـ«Martyrs» أو «الشهداء»، وهم أشخاص من المفترض أنهم جاءوا من أجل التطهير داخل الكنيسة بمحض إرادتهم، لكن الحقيقة كانت غير ذلك، مع التركيز على تماثيل «يسوع» إله النصارى في الخلفية، ويقوم أحد «المؤمنين المهاويس»، بتنفيذ عملية التطهير المقدسة بطعن «الشهيد» عدة طعنات حتى الموت؛ ليحصل على النور الداخلي في رضًا تامٍ من قبل المؤمنين، وامتنان تام من قبل المؤسسين لهذه «الهمجية»، وبعد انتهاء مشهد طعن الشهيد ـ كما يسمونه ـ سألني ـ شريكي ـ المؤمن اصطلاحًا والمتدين ظاهريًا: كيف يمكن لهؤلاء الحمقى أن يستمتعوا بمشهد القتل هذا، ولا يتحركون، بل يجعلونه عبادة، ويقولون إنهم يقتلونهم ليطهروهم؟

 

فأجبت: كما تفعل «داعش» وأنصارها في الجانب السني، و«حزب الله» و«الحشد الشيعي» وأنصارهم في الجانب الشيعي، وأمريكا وحلفاؤها في سجون «جوانتناموا» و«باجرام» وغيرها من السجون السرية حول العالم والمليشيات النصرانية في إفريقيا الوسطى بدعم من فرنسا، وهكذا.

 

فكان الرد: لكن هؤلاء يقولون على من يفعلون بهم، هذا كفار أو إرهابيون،  فيجدون مبررًا داخليًا لأنفسهم لفعل كل هذا، فيرتاحون تمامًا لهذا القتل البشع والهمجية التي يسمونها «قتل من أجل التطهير»، بل يعدونه قربة إلى الله وعبادة؟

 

قلت تمهل الجميع يجد مبررًا، لكن قولي  «أليس الرجم هو أيضًا قتل من أجل التطهير؟»، فهل تدرجه في قائمتك ضمن القتل البشع والهمجي الذي ترفضه، كما رفضت هذا المشهد، واستهجنت قبول الجماهير له، فالرجم قاس، ويأتي تحت ذات البند «قتل من أجل التطهير»، وهو «عبادة» أقرتها جماهير أهل العلم قديمًا وحديثًا، وخالفهم بعض العلماء في عقود ما بعد الاحتلال أليس كذلك؟ فلم تأتني إجابة!

 

 

فقلت لشريكي: بالطبع أنا هنا لا أتحدث عن قضية «الرجم» التي أؤمن بها «على تفصيل عريض فيها»، بداية من: إمكانية تحقيق  شهادة «العدول» «المستحيلة» ضد الزاني بالأصل، محصنًا كان، أو غير محصن، وصولًا إلى طريقة أداء العقوبة التي تؤدى فى بعض الأماكن اليوم بالمخالفة الصريحة لإقرار رسول الله «فرار ماعز»، لما مسته الحجارة، بل قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعقيبًا كما في مسند الإمام أحمد:

 

هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه، ثم قال: يا هذا! لو سترته بثوبك كان خيرًا لك.  

فلو كان القصد القتل لما قال النبي هذا مستنكرًا، ولما أقر النبي فرار ماعز ـ رضي الله عنه ـ ولما أقر التوبة، بالرغم من أن كامل الحكم لم يطبق، وهو «الرجم حتى الموت»، وأنا اعرف أن البعض لما يبدأ في عملية الرد على الشبه، أو السؤال المقابل على وجه البراءة،  يقول: إن عملية التطهير التي حدثت في الفيلم مخالفة تمامًا لرجم الزاني، فهذه كانت لمتعة القتل، وبدون شهود عدول و..و..و.. فالمقارنة باطلة فأعود وأكرر: بأن الفيلم يقصد أن الفئة التي فعلت هذا فعلته باسم الدين، وسمت عملية الطعن التي اسبشعها شريكي «قتل من أجل التطهير»، وأنا أظن أنه لو أتى بها في نفس الصورة التي في مخيلتك، أي: رجم بالحجارة لزان حتى الموت، ثم سمى العملية «قتل من أجل التطهير» لم تكن لتعترض؛ لأنه جاء بالقريب لما تعتقد، لكنه لما أتى بالطعن حتى الموت؛ لسبب أنت لا تراه دينيًا، لكنه يراه كذلك، وبأداة مختلفة، فتم القتل بالسكين، بدلًا من الحجارة، خرج استنكارك، والحقيقة أن  «الرجم» هو قتل بالحجارة «من أجل التطهير» يتعذب فيه المرجوم عذابًا أليمًا حتى الموت، فالحديث هنا عن «القتل من أجل التطهير»،  وتعذيب إنسان بالطعن حتى الموت لسبب ديني، وليس عن: كيف وصلنا إلى تحقيق هذه العقوبة.

 

مع التنبيه والتكرار على الفرق الفعلي فى الوصول إلى تحقيق الرجم وما يطرحه الفيلم، لكن الحديث حول النتيجة «قتل من أجل التطهير». ومثل هذه الأفلام يجعل هذا الطرح موجودًا، فلو قال قائل من المسلمين تعقيبًا على مثل هذا: بأنه همجية، وأن هؤلاء همج غاب عنهم نور الإسلام؛ لهذا الإسلام هو الحل للبشرية، فسيكون الرد من قبل طارح الشبهة أو متلقيها: ألستم تقومون بالرجم في الإسلام؟ أليس الرجم قتل من أجل التطهير؟

 

فيجب أن نفهم جيدًا ماذا يقدم لنا، وما هو موجود عندنا، وما هو الفارق الذي نقدمه كأمة تحمل «المصباح الأخير»، الذي ليس له مثل، ولا ند، وبخصوص مسألة الرجم مثلًا يجب أن ننظر جيدًا إلى الغرض من «العقوبة»، والتي هي «الرجم حتى الموت»، ونقول: هل شرعت من أجل  القتل؟ أم تستحقه؟ أم بغرض التعذيب؟ أم تستحقه؟  أم للترهيب فقط؟

فأقول: لا يوجد في «الشريعة الإسلامية» شيء اسمه  قتل من أجل القتل، أو تعذيب من أجل التعذيب بحال. أما بخصوص «الرجم»، فلو كانت العقوبة تستحق القتل، فحتى «المرتد» الذي جريمته أكبر من «الزاني المحصن»، فيقتل قتلًا ـ ليس فيه ألم ـ  فهل عقوبة الزاني المحصن أعظم من الردة أو الحرابة التي فيها الخيار بحسب الجرم المرتكب؟

 

وإذا كان الرجم شرع  للتعذيب، أو بمعنى أصح  «التطهير بالعذاب»، كما في الجلد للزاني غير المحصن، فلماذا القتل إذا كان العذاب كافيًا ومقصودًا؟

فيبدو واضحًا جليًا أن الأمر «للترهيب الشديد»، سواء كان رجمًا أو جلدًا وتشهيرًا، حتى لا يفكر أحدا ما في نشره ـ أي الزنا ـ ولا المجاهرة به؛ لأنه لو ارتكبها «محصن أو غير محصن» في «خفاء»، لم يكن عليه إلا «التوبة»، وإصلاح ما أفسده بالزواج من الزانية غير المحصنة، إلا إذا كان أحد الطرفين من أهل البغاء، فتكون التوبة، وفقط، أو تطلب الزوجة الزانية الطلاق من زوجها؛ لأن في بقائها  خراب للبيوت، وتدليس عظيم، وخيانة، فيربي الرجل غير ولده، ويمس امرأته الأغراب، فكان التحريم والردع الشديد، بل ربما لو علم ما ارتكبته زوجته من خيانة ثار وارتكب حماقة أكبر من الزنا، وهي قتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق والحق هو القصاص بطرقه المشروعة فقط، فيقتلها ثأرا للخيانة، ثم يقتل عشيقها، أو أيا منهما، بل أحيانًا تتفق الزوجة الزانية مع العشيق على قتل الزوج، أو تقتل الزوجة العشيق؛ لما تشعر بالتهديد من قبله، وغيرها من مآسي الشياطين، وفي هذا خراب عظيم للمجتمع، وتدمير، فكان الردع الكبير وسيلة لوقف كل هذا وتفشيه ربما بالرغم من استحالة حدوثه بالشهود.

 

وهذه الأسئلة التي تطرح وتناقش لا يحسب أحد أنها خطر على الإسلام، بل هي عين الصون والتحصين له، إن أديت بأمانة وغرض شريف، وهو «المعرفة»، وقد طرح «الصحابة» من قبل لما سمعوا من «رسول الله» ما ظنوا أن الدين جاء بخلافه سؤالًا استنكاريا لما قال رسول الله لهم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا… فاستنكروا نصرة «المسلم الظالم» في أنفسهم، وسئلوا رسول الله عن المقصود، لأنه في عقولهم، وعقل أي عاقل  يستحيل الجمع بين «حرمة الظلم» التي نبه عليها رسول الله بالوحي، وبين «نصرته» التي يتحدث عنها رسول الله أمامهم، فأجاب النبي على استنكارهم، وبين المقصود، وهو ردعه عن الظلم، بل لو سكتوا لتعجب النبي من كونهم، لم يستنكروا، ثم أوضح المقصود من قوله، وأنه ليس كما على الظاهر الذي تلقوه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد