يومًا ما، وأنا جالس مع أصدقائي، دار الحديث عن الرشوة في أحد المصالح الحكومية، وكأنها أصبحت جزء أصيلًا من بروتوكول العملأ أو أصبحت ضريبةً واجبة السداد، وأثناء الحديث جلست صامتاً؛ أنتظر وجهات نظرهم، ففاجأنى صديقى بتوجيه السؤال لي، وهو ببساطة «شايف اللي محمد بيقوله دا صح؟ إنه دفع وعدى!»، في هذا الوقت كنت حائرًا؛ أقول: «نعم»! وهنا أوافق على الرشوة، وعلى العمل بهذا الشكل، أم أقول: «لا»؟ وإذا قلت: لا، فيكون السؤال لي: وكيف إذن أنهى عملي؟

الموضوع أصبح بالفعل كارثة تحدث كل يوم، وإذا رفضت دفع الرشوة، توقفت مصالحك بشكل تام، لا حل ولا مسئول ولا رقيب على هؤلاء الموظفيين المرتشين.

عندما يتكلم من يدعون أنهم أصحاب رأي، سواء من أهل الدين أو المثقفين – كما يسمون أنفسهم – فإنهم يتجهوا إلى المواطن؛ مطالبين إياه بعدم دفع الرشوة! أو يتجه البعض لسب المسئولين في الدولة وإلقاء اللوم عليهم، وفي النهاية: لا حل، فى النهاية ما يهم الجميع هو معرفة الحل، لا معرفة من المسئول.

لا أود أن أصل بالعالم إلى المثالية، فمهما حاولنا لابد أن توجد مثل هذه الممارسات، ولكن عندما توجد فى مؤسسات الدولة، من محليات، وغيرها، وكأنها كما ـ ذكرت سابقًا ـ جزء لا يتجزأ من روتين العمل، فهذه هي الكارثة، عندما أذهب لتجهيز أو استخراج تصريح أو أوراق أصبحنا نسأل عن الشخص الذي ندفع له الرشوة، معتبرين أنفسنا بذلك أذكياء؛ لأننا لا نعطي الرشوة، إلا لمن سوف ينجز لنا العمل!

نعم المسئولية مشتركة، نعم المواطن مسئول، نعم أصحاب المناصب العليا فى الدولة مسئولون.

لو سألت مواطنًا: لو لك أمر ما في مكان ما، وهذا المكان يطلب منك أن تدفع رشوة؛ كي تأخذ ما لك، أستدفع؟ فالإجابة هي: نعم.

إذن هناك من البداية، نية مبيتة لدفع الرشوة، مقابل إنجاز العمل، وذلك يسهل من دفع الرشوة عندما يلزم الأمر.

وإذا سألت مواطنًا: سأعطيك فرصة العمل في مكان ما، براتب أقل مما تحصل عليه الآن، ولكن في نهاية الشهر تتمكن من جمع مبلغ عظيم، «وانت وشطارتك» هنا ستكون الإجابة في الغالب موافق.

إذن يبحث الموظف عن مستوى مادي أفضل، وجمع المال؛ لأن «العيشة صعبة»!
وإذا سألت العقل بعد هذا الكلام: لماذا الرشوة؟ لقال: لأن الإنسان خلق عجولًا وطماعا، وهاتان صفتان فى الإنسان لا يمكن إنكارهما، ولكن يمكن وضع ضوابط للحد منهم أو معالجتهم والتقليل منهم.

وعندي رأي؛ لمجرد كوني أتمنى الإصلاح، ولكني غير متخصص فى مجال من المجالات التي تقبل الرشوة، بأن يتم تغيير المسئوليين فى هذه الأماكن باستمرار، وأن تتم اعادة هيكلة نظام العمل بشكل كامل داخل هذه القطاعات، ولم لا؟ نعم، إلغاء بعض الوظائف التي ما هي، إلا مسميات، لو حذفت لكانت النتيجة سهولة فى الإجراءات.

في النهاية ننادى بالتغيير، تغيير دوري، فعندما أعلم أننى مراقب، وأنني لن أستمر هنا كثيرًا، وأن رئيسي لن يتسمر معي، لربما التزمت بعملي المطلوب، وكنت في الطريق الصحيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رشوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد