على غرار الديمقراطية الناصرية في عهد عبد الناصر 1952 ـ 1970، تترسخ الآن في مصر ذات النظرية بحذافيرها وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكنها على شكل الديمقراطية السيساوية، وبدأت تتبلور الفكرة أو قل ” الإرث ” نفسه الذي رسخه ناصر قبل 65 عاماً، والتي تمدت لعهدي السادات ومبارك مع الفروق الواضحة بين الثلاثي في آلية التطبيق بالطبع. الفكرة بعد ما يقارب عاما على حكم السيسي، تتلخص في الآتي:

“بأنك لابد وأن تؤيد الحاكم وتهلل له وتسير في موكبه بشكل مطلق وتضع على عينيك غمامة شبيهة بالغمامة التي كان الفلاح المصري يضعها على عينين “الثور” الذي يدور في الساقية بدايات القرن الماضي”. وإذ كنت من هؤلاء فأنت تتمتع بكامل حقوقك ولك كل الحرية، في نقد الآخرين ونعتهم بأقذع الألفاظ “الإعلام المصري المؤيد” مثال صارخ. أما إن لم تكن من هؤلاء فأنت تحت مقصلة القمع وعندك تموت الفكرة، وملعون أبوها ديمقراطية، وأول من يبارك قمعك والتنكيل بك هم أنفسهم الذين يتمتعون بديمقراطية الحاكم، التي ستبقى وجعًا في قلب المصريين عامة لعدم تمتعهم جميعًا بها باختلاف انتماءاتهم.

كيف كانت ديمقراطية عبد الناصر؟

عبد الناصر ألغى الأحزاب ومنع تشكيلها، وأمسك بكل الخيوط في يده وأناب نفسه عن كل المصريين، مع أنه عندما أعلن ورفاقه عن ثورتهم كان الشعب هو امتداد لهم ودعمهم بقوة، ليكون جزاؤه أن ينكل به إذا ما رفع أحد راية العصيان، فبعد حركة الضباط الأحرار وبعد أقل من 20 يوما من قيامها، كشفوا عن وجههم الحقيقي وتحديداً يوم 12 أغسطس 195.

، عندما أوقف عمال كفر الدوار الآلات وأعلنوا الإضراب عن العمل وقاموا بوقفة احتجاجية لإعلان مطالبهم لحركة الجيش منددين بنقل العديد من العمال لفرع مركز “كوم حمادة” وتدني الأجور والحوافز وتدهور سكنهم، فقامت قوات أمن كفر الدوار بمحاصرة المصنع تحت توجيهات نفس القيادة التي كانت موجودة قبل حركة الجيش وأطلقت النيران على العمال فسقط عاملا قتيلا، فرد العمال في نفس اليوم بعمل مسيرة لباب المصنع عندمات سمعوا أن “محمد نجيب”، رئيس الجمهورية، سيمر عند باب المصنع، وهتف العمال “يحيا القائد العام .. تحيا حركة الجيش”.

وعندما تأخر نجيب – الذي لم يحضر أبدًا، خرج العمال لمقابلته عند مدخل مدينتهم وهتفوا للضباط الأحرار “تحيا حركة الجيش” ووصلت مسيرتهم عند أحد الكباري، وجدوا الجنود المصريين شاهرين بنادقهم في وجههم، وانطلقت رصاصة في اتجاه الجيش فراح ضحيتها أحد العساكر، وكانت معركة بين الجنود المسلحين والعمال العزل حتى من الحجارة ولم تستمر المعركة لأكثر من ساعات فتم القبض على مئات العمال وتشكلت المحاكمة العسكرية برئاسة الضابط “عبدالمنعم أمين” أحد الضباط الأحرار.

وأمام آلاف العمال وفي فناء المصنع، في بيت العمال أنفسهم، نصبت المحاكمة العسكرية واتهم مئات العمال بالقيام بأعمال التخريب والشغب وكان من ضمن المتهمين طفل عمره 11 عاما! وتم النطق بحكم الإعدام على العامل “محمد مصطفى خميس” ابن التسعة عشر ربيعا وتم النطق بذات الحكم على العامل “محمد عبد الرحمن البقري” صاحب السبعة عشر سنة، ليدونها التاريخ: أسوأ حالة قمعية لعمال طالبوا بحقوقهم، ليستمر ناصر في ديمقراطيته “الخاصة” وتعرفون بقية الحكاية حتى وافته المنية 28 سبتمبر 1970.

ديمقراطية النظام الحالي بحكم قضائي!

والآن هاهو التاريخ يستنسخ على طريقة “استنساخ النعجة دوللي” أصدرت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة حكما مهما بشأن إضراب الموظفين داخل مقار العمل، لمعاقبتهم بالإحالة للمعاش.

وقالت المحكمة إن المظاهرة تكون فى طريق أو ميدان عام، وإن الاجتماع ينعقد أيضا في مكان أو محل عام “ليسهل تطبيق قانون التظاهر القمعي عليهم”، أما التجمهر فإنه لا يكون إلا فى طريق أو مكان عام، ومن ثم فإن الاعتصام لا يعد مظاهرة، ولا اجتماعا، ولا تجمهرا، وإنما هو في حقيقته إضراب، وذلك لانقطاع بعض العاملين عن أداء أعمالهم وعدم مباشرتهم مهام وظائفهم دون أن يتخلوا عن تلك الوظائف، والفارق هنا بين قمع ناصر للعمال وقمع النظام القائم أنه أستصدر قرار من محكمة مصرية، ليكون بشكل رسمي، لقطع الطريق على أي عامل وقع عليه ظلم يحاول أن يرفعه عنه، بالإضراب أو ماشبه ذلك داخل المؤسسة التي يعمل بها بشكل سلمي خالص، وهو ما لا يتوافق مع الدستور بالطبع.

من أفتى في ثورة 25 يناير؟

ونستنتج من كل ما سبق إذا لم تكن ناصريًا في عهد ناصر فلا حرية ولا حقوق لك وأنت “ضد مصالح الدولة” وخائن وابن ستين في سبعين، وإذا لم تكن سيساويًا فلا حرية لك أيضًا، وتعرفون أنتم قائمة التهم المعلبة ومغلفة بالسلوفان والتي توزع جزافًا وبأحكام سريعة .

ونستعيد سويًا ذكريات ثورة 25 يناير التي أبهرت العالم بتألقها والتفاف الشعب حولها بصورة مذهلة، لينجح في خلع مبارك، واعتقد الجميع بمن فيهم رموز النظام ذاته أن الديمقراطيات الخاصة أسدل عليها الستار برحيل مبارك، وتغنى الشباب بالأحلام الثورية الوردية، أكثر من النظر إلى الواقع على الأرض، ومشكلاته العسيرة، واستحالة تدمير النظام السياسي بأكمله، وإحلال نظام جديد محله، بين عشية وضحاها، وهنا كان الخطأ التاريخي بأنهم سلموا رقابهم للنظام نفسه ليفتي في ثورتهم، وجاءت فتواه، بمصطلح عسكري بحت “للخلف در” انتباه يابني أنت وهو، لتضيع الثورة على شكل حليب “نيدو سريع الذوبان” لتذوب وتنتهي وتصبح كغثاء السيل، ليجد المصريون أنفسهم أسرى الديمقراطية الخاصة ثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد