إن الحوار والنقاش عن الاختلاط بين الشباب ذكورًا وإناثًا لا يكاد أن يختفي إلا ويقفز للمقدمة على فترات متفاوتة؛ لأن ميادين الفكر خالية من قضية كبرى يلتف الجميع حولها، أو غاية توحد طاقاتهم.

فبرغم قدم الموضوع، إلا أن النقاش كلما عاد يعود بشكل حادٍ ومحتدمٍ جدًا بين الشباب ويجذب بعض الكبار أيضًا، وكأنهم يبدؤون البحث عن أصل الموضوع من نقطة الصفر.

كنت أظن أن الفراغ الفكري فقط هو الباعث والمحرك للنقاش عن «الاختلاط» ولكن هذا ليس كافيًا لأن في هذه الحالة سنجد النقاش بلا محتوى لأنه خاوٍ من الأساس.

أما ما لاح لي فكان غير ذلك، فالنقاش كان يحمل دلالة حالة التشرذم والتفتت! والصراع الذي نحن عليه، وربما أيضًا «التخبط» الناتج عن فقدان «الهوية» بمعناها الشامل الكبير، من نحن؟ ما هو الثابت عندنا؟ وما هو المتغير؟

من هنا سأتخذ من فكرة الاختلاط مرتكزًا أتحدث من خلاله عن 

«الهوية» وارتباطها بالدين 

  • فما زلنا ندور في هذه الحلقة المفرغة وإن تحولت لحلزون خانق مميت يرمينا بالنصب (إن جاز اللفظ) ويفرق الجمع وينشر العداوة والكراهية!
  • إن أي نقاش يمس فكرة الهوية تجد (السخرية) حاضرة بكل قوالبها.

وكان أول من استخدمها هم مؤيدي الاختلاط – وإن كان هذا أمرًا مألوفًا الآن ولكنه شديد الوضوح هنا – ويتمادون في استغلالها مع بدء النقاش لقد قال أحدهم (واصفًا المعارضين)

(إنهم أتباع دين الصحراء).

والوصف يحتمل التأويل الذي قد يلمز الدين الإسلامي كله، لكنهم وضّحوا على عجل بأنهم يقصدون «المذهب الوهّابي» – كما شاع في الآونة الأخيرة – لأن رفض الاختلاط شاع مع الهجرة للعمل في الخليج!

وعلينا هنا للإنصاف وللأمانة أن نقول إن الزج بأحد رموز الفكر الإسلامي – رغم أنف الكثيرين – أيًا كان الغرض؛ أمر مرفوض.

الرجل، مؤسس إحدى مدراس البعث والإحياء في القرن الثامن عشر – من وجهة نظر علم الاجتماع – في مواجهة تيار الاغتراب وقد أقام مدرسته على الفقه الحنبلي من طريقة ابن تيمية وهذا مسلك علمي لا غبار عليه، مع العلم أن تجديد المذاهب أمر مستمر طوال الوقت وقد فعل هذا الطاهر بن عاشور مثلًا مع المذهب المالكي وغيره كثيرون، فلا داعي للتجريح والاستخفاف بفكر وجهد يدفعنا لمزيد من التفتت، حتى نجد مخرجًا لحالة التربص والتوجس البادية بين الفريقين، سمع منا لكنه عاد وأخذ زمام الحوار قائلًا:

«الاختلاط، علاقة إنسانية فيها الود والتراحم والألفة، إننا في زمن نضجت فيه البشرية وتقدمت الحضارة وعليكم أن تلاحظوا أن الدين الإسلامي قد ظهر في مجتمع قديم فاحش متخلف همجي فجاءت تعاليمه لتتعامل مع هذا الوضع، لكن المجتمع الآن أكثر رقيًا وحضارة ويختلف عما سبق.

«الاختلاط» لن يولد الرغبة والشهوة، فنحن بشر ولسنا حيوانات تقودنا رغبة الجنس فتدفعنا نحو المخادنة من مجرد بعض اللقاءات والحوارات البريئة التي تسودها القيم الإنسانية والاجتماعية، ولا يحق لكم أن تتكلموا عن آثام «الاختلاط» من وحي خيالات ومزاعم في وجدانكم المشوه! الذي يهيئ لكم إن الاختلاط سوف يؤدي لظهور الفتنة والفساد في الأرض.

إن التركيز المبالغ فيه على أن أي اجتماع بين رجل وامرأة هو فرصة للــ«مخادنة» لهو محض اختلاق أوهام وخيالات شاذة، وأمر يدفع للعجب ولا أفهم معنى «ثالثهم الشيطان».

لم يضف جديدًا، رغم كل ما قال فهو ما زال يستكمل رحلة التلميح والحوم حول الثوابت الدينية بشكل غير مباشر معتمدًا على منطق هادئ وليس له أي تجاوز صارخ. لكنه لم يتمكن من المراوغة طويلًا وكشف عما في ذاته بقوله:

إن الإصرار على التعامل مع علاقاتنا المجتمعية بمنظور الدين لهو أمر مؤسف! وأشد ما يؤسفنا فيه أن بعض المعترضين على الاختلاط تجدهم من أصحاب الدرجات العلمية العُليا ولكنهم ما زالوا يعيشون في مستنقع الموروث (كم هو صادم ومخزٍ هذا المصطلح) لأن هذه العقول تم تربيتها وترتيبها منذ زمن طويل، فما بات قادرًا على التطور أو أن يستوعب المنطق والحكمة، إنه عقل مسلوب الإرادة، مُغيب، يُسلم إدارته لمنطق قديم منقول من ظروف مختلفة وأحداث خاصة تم تعميمها ولا ندري كيف تم هذا؟

علينا أن نتعامل بالعقل والفهم وليس مجرد الحفظ والنقل مع تنحية الدين جانبًا من نقاشنا!

لماذا ننحي الدين من نقاشنا؟

أجاب: ـ لأن الدين علاقة خاصة بين الفرد والرب، يتصرف فيها الفرد وفق فهمه لهذا الدين، وقدرات الفهم تتفاوت ولهذا فنحن نختلف – جميل أن يعترف بالاختلاف – إن الزج بالدين في كل أمور الحياة لهو تصرف مريب؛ يدل على التلاعب بالضعف البشري والاتجار بالدين ولكم شاعت تلك التجارة في منطقتنا العربية؟ وهي أحد أسرار التخلف الحضاري الذي نعاني منه.

لا بد أن نحكِّم الأخلاق في تعاملاتنا ولتكن الأخلاق هي المرتكز الوحيد للقياس في الحكم على التصرفات. فلو كان الدين مثلًا يقود كل أمورنا لوجب علينا أن نرتدي الخف والجلباب كما كان يفعل الرسول (ص). طبعًا هذا من سخافات القول الناتجة عن الاستخفاف والسخرية بـ«التراث».

كم هو ناعم متناغم يدس لنا السم في معسول القول!

كان عليه أن يُلم بأفرع التراث – قبل أن يهاجمه – ومنها التراث المعماري بعيدًا عن الدين الذي نضج في مصر والشام. لو جال فيه لوجد أن العمارة صِغيت وتقدمت وهي تحترم فكرة (خصوصية النساء) وظل هذا شائعًا حتى العشرينيات من القرن الماضي – ومن أين جاء هذا الاحترام؟ – وظل سائدًا حتى بدأ في التقلص بالتدريج لأسباب خانقها منها:

أولًا: ظروف الكثافة السكّانية والظروف الاقتصادية فأصبحت البيوت عبارة عن شقق فقط.

ثانيًا: تفشي تيار الاغتراب (التأثر بالغرب) تحت مسمى التنوير ودعمه لسفور النساء من جانب إلى وجود تيار فني غربي (يستقوي بالاحتلال) أصلًا كان يعبث بالهوية حتى تم التخلي عن «البرقع بكل قوالبه، واليشمك، والبيجه» كل هذا من قبل المراجعة التاريخية للجذور، بعيدًا عن الدين (هل يجوز القول إن التصاميم المعمارية كان يسيطر عليها الفكر الديني؟).

وما معنى أن تتوافق التصاميم المعمارية مع التعاليم الدينية؟ لا معنى لها إلا أن الدين قد تغلغل في الوجدان فانعكس على شتى مناحي الحياة وتطورت العمارة وفق تعاليمه لأنه القيمة الأعلى.

إن نظرة التمدن للتراث التي تقوم على الاستخفاف والسخرية من أجل تشويه هذا التراث بالتحريف والتضليل من أجل نسب الفضل لحضارة اليوم التي هي من نتاج العقل والفهم فقط.

ليس من المقبول أن يكون التراث نقيضًا للعقل أو هادمًا له، لأن العقل والتراث قدمان تقف عليهما الأمة الراسخة الثابتة التي لن تترنح أمام أي عاصفة.

إن قرن الدين بالتراث ومحاولة الادعاء بأن الزمن قد تجاوز الدين وأبلاه لهو أمر صادم ومفجع حقًا، لماذا؟

لأن أحد أهم مقومات البناء لأي قومية «الدين»، ومن أهم عوامل الحضارة وصعود نجم أمة هو الدين. بابل كان لها دين، طيبة كان لها دين، فارس كان لها دين. إن التعامل مع الدين بمنطق الزمكان (الزمان والمكان) أمر مخزٍ ومؤسف، للعلم قد فعلها أهل الكتاب من قبل فطوعوا الدين للدنيا وأصبح الهوى البشري (هو الأعلى تحت أي مسمى) وحدثت تشققات وتشعبات لا مجال لها الآن.

ولقد لفت الله عز وجل نظرنا لهذا في سورة المؤمنون آية 71.

على كل من يدخل في نقاش مجتمعي حول أي تصرف أن يعلم أن الدين حجة على الزمان والمكان، كيف؟

أولًا: من حيث المكان

مسلم سافر لكندا والبرد شديد جدًا درجة الحرارة ـ23م ويطلب الدفء هل يشرب الخمر لينال الدفء كما يفعل السكان المحليون؟ أم أن تعاليم (دين الصحراء!) ستمنعه؟

المثال ليس خارج السياق، إنها نقاط متجاورة ودُسر متشابكة تتكامل ليعلو البنيان.

أما من حيث الزمان

ما قولكم في إباحة بيع المخدرات النباتية من قنب وماريجونا وإلى آخره فهي نباتات مثل أي نبات يستخدمها الناس في بلادها الأصلية بكل حرية وليس فيها نص قاطع بتحريمها دينيًا إنها تحرم لأننا نفهم وندرك بالقياس!

القياس وما هو القياس؟ دع هذا جانبًا.

ولننظر لهذه النماذج معًا أولًا

ـ لو تلاقى شاب وفتاة على فكرة حرية الجسد وجمعهم الهوى وعاشا معًا دون عقد زواج في علاقة كاملة هل يحق للمجتمع أن يتدخل؟ أُنثى تمارس الجنس بكل حرية ولا تتقاضى أجرًا على هذا هي ليست داعرة، إنها تفعل بكل رضا وأخلاقها تسمح بهذا.

بهذا أصل بكم للنقطة المفصلية في النقاش الأخلاق. كما صدرها مؤيد الاختلاط، ما مصدر تلك الأخلاق؟ ما الميزان الضابط لها؟ بمعنى «سلعة القماش تُباع بالمتر الطولي، الحديد بالوزن، السوائل باللتر، الأخلاق تقدر بـ…؟».

بأي وحدة تقدر الأخلاق ولأي مرجع تستند في المعنوي وما الذي يعدل كفتها إذا مالت؟ إنها النفس السوية.

ما زالت مراوغات المتمدن مستمرة يلتف عليَّ بالمصطلح ولكن نستمر في المباراة ونقول: هذه النفس كيف استوت صحيحةً؟ وبالتالي هناك من سوَّاها ما هي أدواته لتستوي؟

وحتى يعترف الآخر – أيًا كان وصفه – نعترف نحن بأن النفس السوية مصدرها الفطرة. وعلينا أن ندرك ونحافظ على مقومات قوميتنا التي منها الدين – بحكم العلم – إن التلاعب والتمايع من جانب التنويريين ومن على دربهم والتشدد والتحذلق من المتدينين يدفعنا لنظل محلَّك سر.

على الجميع أن يحافظ على التراث الرشيد والمنطق الواعي الحكيم وأن نتعالى عن الصغائر في النقاش، وحجة أن التشريع كان لزمان ما ومكان محدد مستندًا لربط التشريع بحوادث هي أسباب التنزيل، فعلينا أن نفهم معنى أسباب التنزيل جيدًا وأنها أوامر باتة وقاطعة!

هل سؤال خولة بنت ثعلبة الذي صاغ حكم الظاهر كان خاصًا أم إنه حالة تم البناء عليها؟

زيد بن حارثة وأمر الله للرسول صلى الله علية وسلم بأن يدعوه لأبيه أمر خاص أم صار قاعدة فقهية.

هذه حوادث نزلت فيها آيات فتم بناء التشريع عليها ليتأكد الإنسان من احتياجه لهذا التشريع وأنه ليس ليسلبه جزءًا من حريته ويزداد ثقةً في باقي الآيات التي شرعت دون مثال أو حادثة.

فقصر الآيات على حوادثها هذا أمر مضحك، حتى بمقاييس عصرنا الحالي لأن أحكام محكمة النقض ملزمة للدرجات الأقل ما دامت الحياة مستمرة.

لكن وجب أن أتوقف لحظة قبل الختام مع الفلسفة التي تقول إن الاختلاط من الإنسانية، هذا كلام سليم وكلنا معه، لكن منْ منا يجيد اللعب بالنار والسير على الحبال المشدودة من جانب ومن جانب آخر هناك ذئاب في ثياب الغزلان.

وللمتشددين والمعارضين للاختلاط – بدون وعي – نقف معهم ما دام المجال أصلًا للحوار عن الاختلاط. إن الاعتماد على النص القرآني وآية (ولا متخذي أخدان) تلزم كلا الطرفين بإدراك معين – بعد أن عاد الدين كمقوم للأمة بناءً على ما سبق.

الكلام عن «الخدينة» التي لا بد أن تسقط غالبًا بالخديعة – لأنه من المحال أن تُجذب من شعرها وتُزج إلى الفراش – فشغل «الحنجل والمنجل ونظام سحلوب دحلوب» سوف يشتغل، وحتى يصل لأن ينهل من شهد بئرها.

وعلى الجانب الآخر، إن الاتكاء على النص القرآني، أحيانًا يدفع للضجر والرفض فلا داعي لأن نفرط في استخدام النص، ولا أن نحصر استخدامه على فهم محدد، فالنص القرآني حمّال أوجه  هذا ما يقبل به صاحب العقل!

وهذه الأوجه منها ما هو ضد فكرك وعليك أن تقبل به لأن الإجماع – يعني الأغلبية – تحقق معه، وعليك أن تتبع الأغلبية  «مبدأ بالعقل». ومنطق أننا نحشر الدين في كل شيء ربما لأننا من جيل أكبر كنا نطالع كتابًا اسمه التربية الوطنية كان يركز على أن الدين من سمات الوطن والقومية العربية ضاع الكتاب مع لطفي الخولي وشركائه في كوبنهاجن التي هي محاولة لنزع الدين من الهوية تحت مسمى جديد هو ثقافة السلام ربما.

وحتى يمكننا أن نتقارب لابد أن نرتكز على نقطة اتفاق يقبلها الجميع، فكان عليّ اللجوء لزمن الرسول (ص) وكيف فهم الجيل الأول معنى الاختلاط؟ من خلال الحديث عن حوادث معروفة مثل:

1- عندما توقف الرسول (ص) بناقته في طرقات المدينة، وعرض على أسماء بنت أبي بكر أن يساعدها ويحمل عنها علف حصان زوجها لأن الجو حار والمسافة طويلة هذا حوار في الطريق بين رجل وامرأة.

2- أسماء بنت يزيد الأنصارية (خطيبة النساء) وسؤالها للرسول (ص) في المسجد عما بقي من دين الله للنساء؟ فنظر الرسول (ص) للصحابة – تتحدث والرجال حضور – وقال: أظننتم أن تهتدي مثل هذه لمثل ما تقول؟

إذن الحوار كان في المسجد والصحابة حضور.

3- لعل أكبر دليل على الاختلاط من زمن النبوة سورة المجادلة حين ذهبت خولة بنت ثعلبة للرسول (ص) وتشتكي له من زوجها ويشهد الله جلَّ وعلا بأنه يسمع هذا الحوار، أين كان يدور هذا الحوار؟ وكيف؟ بالتأكيد السيدة كانت في حضرة الرسول (ص) بالمسجد.

بعد كل هذا، هل سنظل في نطاق العند والمكايدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد