كثُر الحديث في الأيام القليلة الماضية حول المشروع الجديد لنظام الأسد عن إعادة إعمار البلاد ومؤتمر عقد في دمشق لإعادة اللاجئين، وخصوصًا بعد اللقاء الافتراضي الذي أجراه بوتين لذلك الغرض نفسه وفقًا للإجراءات والشروط الأمنية المسبقة التي وضعها النظام والتي تتعلق بذلك. وكأن مؤشر الساعة يعود للوراء عن تلك الحقبات التي عاشها السوريون تحت حكم نظام الأسد وعلى أنه ما زال يسيطر على الساحة ويتحكم بمصير الشعب ويتخذ الإجراءات ويعقد المؤتمرات كيفما يشاء وبدلٕا عنه.

في خطوة جديدة منه لتنصيب نفسه ملكٕا على البلاد مرة أخرى بعد كل تلك الفترات العصيبة والدامية التي مر بها الشعب من دمار وتخريب ممنهج على يد آلته العسكرية وعصاباته الإجرامية، إلى جانب الحليف الروسي الذي لم يتخل عنه تيمنٕا في استعادة ما تبقى مما فقده الأسد من الأرض خارج سيطرته بإعتبار الأمور قد حسمت وانتهت لصالحه بحسب اعتقاده، وبعد أن كان في عنق الزجاجة التي أوجدت له روسيا مخرجاً منها بالتعاون مع الشريك الإيراني الذي وضعه في حالة من الإنعاش.

منذ بداية الثورة في سوريا كان الأسد ينظر إلى نفسه على أنه مخلِّص الأمة وأن ما يحدث فيها ما هي إلا أزمة سوف تزول مقارنة مع الأحداث المتعلقة بحقبة والده الإجرامية ولو اختلف المكان والزمان.

لكن توقعاته باءت بالفشل مع توسع رقعة الاحتجاجات في البلاد وطول فترة أمدها، وتيقن الشعب أن لا حرية هناك مع بقاء وجود الأسد أو وجود نظام حكمه في السلطة.

فتلك جرائم والده ما زالت شاهدة وليست ببعيدة، تتحدث عنه بما قام به من قتل وتدمير وإعادة إعمار وتهجير ما دام يملك السلاح وما دامت الآلة العسكرية في خدمته تتوغل في الأرض وفق مصالحه وفي إرضاخ معارضيه وإسكات أصواتهم.

وروسيا ليست ببعيدة عن ذاك الصراع ولا عن تأملات الأسد التي وضعت لأجله كامل ثقلها في كفة الميزان أملًا في إرضائه وتحقيق مصالحها وطموحاته في الدفاع عنه وإبقائه على كرسي الحكم.

فها هي الآن تضع لأجله خطط الإعمار ومشاريع إعادة اللاجئين وكأنها منصاعة لقرراته أو كأن اللاجئين منصاعين له، ولما يقرره وعلى أنهم دمية أو قنبلة موقوتة بيده، يتحرك بملفهم كيف يشاء متناسيٕا فرارهم من جحيم الحرب في البلاد، والذي كان سببها وما شهدته من تضحيات جسيمة أمام دباباته وطائراته وجنود ميليشياته الإرهابية، وليس بمدرك أن المشكلة تكمن في وجوده وتدور حوله أساسًا وفي وجود أجهزته الأمنية على رأس الحكم، التي ما زالت تشرف على عمليات القتل والترويع داخل السجون وخارجها كانت سببٕا في هجرة الملايين ولجوئهم إلى دول الجوار ودول أوروبية أخرى، وبأعداد كبيرة مع عمليات النزوح المستمرة داخل الأراضي السورية وفي المخيمات بسبب دمار البنية التحيتية والمدن السورية بنسبة تصل إلى 80% فوق رؤوس ساكنيها على يده.

وبما يقال عنها عملية إعادة الإعمار فوق الجماجم لإخفاء جرائم تلك الحرب ولفت أنظار العالم إليه على أنه ما زال يُنتخب وما زال يمثل الشعب في سوريا بالدرجة الأولى، ومن ناحية أخرى تكمن في أنها مصيدة من السهل الافتراس فيها على من فرَّ من بطشه وضمه إلى قائمة تصفيات جديدة بسبب مغادرتهم البلاد وعدم رغبتهم في الانضمام لصفوفه وصفوف ميليشياته أو القتال إلى جانبهم، وفي حال لم تثبت التهم في ممارسة أي نشاط ضده تكون التهم قد رسُمت وجاهزة موضوعة مسبقًا يستطيع لصقها بمن يريد وبشكل اعتباطي، وربما خصص لها سجون ومعتقلات جديدة تندرج ضمن قائمة مشاريع إعادة الإعمار.

وفي الوقت نفسه التي ما زالت فيه صور الأسد معقلة على الجدران في سوريا وفي الشوارع والمدارس وعلى الدبابات، وما زالت عمليات التشبيح والقتل والاختطاف الممنهج مستمرة.

فلا أمل للسوررين في العودة إلى بلادهم ووضع أنفسهم بين فكي كماشة أو العيش فيها تحت حكم نظام الأسد ومخابراته الأمنية، مرة أخرى وصفت فيها كتل الاتحاد الأوروبي الوضع في سوريا بالصعب وغير المتوافر لفرص الأمان والعيش بحسب تقييمها للوضع هناك، ورفضها المشاركة في المؤتمر الذي دعا إليه النظام السوري وحليفه الروسي حول إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين؛ ولما يتسبب من تعريض حياة من لجئوا إليها لخطر الاعتقال والتختفاء القسري وما يرافقه من إجراءات تعسفية استقبلت فيها دول الاتحاد الأوروبي أكبر عدد من اللاجئين في أكبر موجة لجوء شهدتها أوروبا منذ العام 2015 لمن فروا من بلادهم بسبب صعوبة الوضع وجحيم الحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد