روسيا تدخل إلى المنطقة من بابها الواسع، سؤال يراود كل فرد في الشرق بعد تقليص دور روسيا في المنطقة، ولم يبقَ لها تحالف إستراتيجي إلا النظام الأسدي في سوريا، كيف دخلت إلى المنطقة وأصبحت الرقم الصعب؟ وهل نجحت السياسة الروسية في قمع الشعوب؟ أم هناك تنسيق خفي بين روسيا وأمريكا في مكافحة الشعوب وعدم مطالبتهم بالحرية والديمقراطية والكرامة والخلاص من الأنظمة الاستبدادية؟

 
إن تأسيس مركز معلومات في العراق من العراق وروسيا وإيران وسوريا – كما يدعون- لمحاربة الإرهاب الداعشي، وحسب تصريحات هذه الدول فسيتم تنسيق هذا المركز مع المجتمع الدولي، ولكن على ما يبدو فإن الهدف الأساسي لهذا المركز هو الحفاظ على بقاء النظام السوري من جهة وإعطاء الدروس للشعوب أن الأنظمة الاستبدادية هي التي تحمي مصالح الدول الكبرى.

 
على ما يبدو فإن الهدف المشترك بين روسيا وأمريكا هو الحفاظ على منظومة دولة المخابرات في سوريا بقيادة بشار الأسد، لأن هذه المنظومة هي التي حافظت على أمن واستقرار هضبة الجولان منذ 1976، بموجب اتفاقية الخطوط الحمراء بين النظام وإسرائيل وبموجب هذه الاتفاقية تم تسليم لبنان للنظام الأسدي مقابل عدم إطلاق أي طلقة في الجولان.

 
ما سبق من تطورات وأحداث منذ بداية الثورة السورية من قتل وتدمير للبشر والأرض والثروات والمقدرات ومن خلال المعلومات التي تتوارد كل يوم، فقد بدأت تتبين الصورة أكثر وضوحًا، وتتضح خيوط المؤامرة الدولية على الشعب السوري، حيث كان هناك تخطيط مسبق ومدروس وممنهج لما تم من الأحداث من خلال تجنيد العملاء والمرتزقة والإرهابيين وبالتنسيق مع النظام لإعطاء دروس للشعب أن الحرية والكرامة لا تليق بهم، وأن النظام الاستبدادي الذي لا يخالف أوامر الدول الكبرى مثل ما يخطط له من قبل هذه الدول أفضل لهم من الشعب الذي رفع رأسه وطالب بالحرية.

كشفت وثائق من وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيين عن أسرار خطيرة تتعلق بالتآمر على الشعب السوري والدور الغربي في بناء ما يسمى بالإمارة الإسلامية في شرق سورية ودعم صعود التيارات الإرهابية المتطرفة فيها ومدها بالسلاح في البداية من ليبيا، بمعنى آخر فإن أمريكا كانت على علم مسبق وبتخطيط وتنظيم داعش واتجاهها نحو تأسيس إقليم إمارة تتبعه في شرق سورية وغرب العراق، وبدلًا من النظر إلى التنظيم كعدو وتهديد فإن الإدارة الأمريكية اعتبرته مكسبًا لسياستها في المنطقة ودعمت وعززت مع حلفائها هذه العملية بوعي كامل لنتائجها المستقبلية.

بالمقابل ذلك، فإن سياسة البيت الأبيض وربما من خلال استشارة بوتين في لعب لعبة قذرة في تدمير سوريا من خلال السماح وبالتنسيق مع النظام السوري والمالكي بدخول داعش إلى العراق وسوريا والاستيلاء الأخير على السلاح والعتاد والبنوك في الموصل والرقة، بعد إعطاء الأوامر للمالكي والأسد بانسحاب قواتهم لنمو التطرف والإرهاب في المنطقة حتى يكون درسًا قاسيًا للشعوب، لذلك فإن دور (داعش) في هذه اللعبة سيظل مساعدة كافة الأطراف على إخفاء الحقيقة بأن الإرهاب الأساسي يكمن في الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، وإطالة مدى هذه اللعبة ما أمكن وربما يعملون دعاية لتنظيم آخر أكثر تطرفًا حتى يكون دائمًا مثل حصان طروادة لكافة أطراف هذه اللعبة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأوروبا وإسرائيل وإيران وبشار الأسد.

المؤامرة الكونية على الشعب السوري:

ليس صحيحًا أن نقول إن المؤامرة على الثورة السورية والشعب بدأت بعد سنتين أو أكثر من اندلاع الثورة وذلك عندما دخلت الجماعات المتطرفة على خط الثورة، وحرفتها عن مسارها الحقيقي، لأن أصدقاء الشعب السوري قبل أعدائه سرقوا الثورة من خلال القضاء على الحراك الشعبي، وحرموها من تحقيق أهدافها الحقيقية في الحرية والكرامة من خلال شراء الذمم بالمال السياسي واغتصاب إرادة الشباب.

ومن جهة أخرى فإن الدول الكبرى ساعدت وكما ذكرنا بالتنسيق مع النظام لفتح أبواب سورية على مصراعيها أمام الإرهابيين وجعلوا من سوريا المغناطيس الذي يجذب إليه كل المتطرفين من العالم باسم الجهاد لتشويه صورة الإسلام وقمع الحراك الشعبي، وخلقوا الإرهاب في كل بقعة من الأراضي السورية، حتى جعل ذلك العالم ينظر إلى الثورة على أنها إرهاب أكثر ما تكون ثورة شعبية، لأن القرار ضد الثورة أو ما يعرف ((بالمؤامرة الكونية)) على الشعب السوري تم اتخاذه في الخطاب الأول لبشار الأسد بعد أسابيع من الثورة، عندما واجهت الثورة بالحديد والنار، وكان قرارًا من المؤسسات الأمنية لدولة المخابرات السورية، وخارجيًّا كان مشتركًا لأن النظام أخذ الضوء الأخضر من حلفائه في الخارج وعلى رأسهم روسيا وإيران وربما أمريكا والغرب وبعض الأنظمة العربية بضرب الشعب السوري وإعطائهم الدروس بعدم مطالبتهم بالتغيير، لأنه لا يمكن للنظام أن يتصرف ويقمع ويقتل ويشرد شعبه إلا بموافقة مسبقة دوليًّا.

ليس هناك مصلحة للكثيرين في الشرق والغرب وحتى بعض الأنظمة العربية في إنجاح الثورة السورية، ولكل دولة وطرف أسبابه ومبرراته ومصلحته. ولا يمكن لما يسمى بالمجتمع الدولي والأمم المتحدة أن يترك نزاعًا يتفاقم إلى هذا الحد الكارثي في القتل والتشريد والاعتقال والتدمير كالنزاع السوري، وأن يترك النظام يستخدم كل أنواع الأسلحة الفتاكة وحتى المحرمة دوليًّا على شعبه لولا أن ما يفعله النظام مغطى دوليًّا ولديه ضوء أخضر لتنفيذه، ولم يحدث في التاريخ أن العالم غض النظر عن طاغية، وحماه كما حمى بشار الأسد، وترك ليصبح أغلى دكتاتور عبر التاريخ.

على ما يبدو فإن روسيا استغلت تردد أمريكا وتعاملت مع القضية السورية عن طريق التواجد العسكري البشري والنوعي التكنولوجي، وخاصة بعد لقاء الدوحة الذي ظهر فيه وزيرا الخارجية الروسي والأمريكي معًا، وكأنهما متفقان على الإطار العام لحل مجمل ملفات المنطقة، خصوصًا آلية وشكل مرحلة الانتقال السياسي في سوريا، وأولوية مكافحة الإرهاب مما قد يفرض واقعًا جديدًا قد يعزز فكرة التعاون العسكري الإجباري مستقبلًا بين أمريكا وروسيا في مكافحة الإرهاب؛ مما يعني التعاون العسكري الأمريكي والنظام الأسدي بشكل غير مباشر.

بمقابل ذلك فإن هناك تفاهمات أمريكية – إيرانية سرية بدأت تخرج للعلن بعد ضمان الرئيس الأمريكي أوباما بتمرير الاتفاق النووي الإيراني في الكونغرس الأمريكي، حيث كشفت تصريحات الرئيس الإيراني حسن الروحاني، بشأن الأزمة السورية عن موقف إيراني أكثر مرونة، باتخاذ خطوات تكتيكية واعتماد خطاب سياسي أكثر ذكاءً تجاه مصير بشار الأسد، في إطار يثير التساؤلات عما إذا كان أحد الأشكال التحايل والخداع والمراوغة التكتيكي، أم أنه تغيير حقيقي جاء انعكاسًا للتقارب الإيراني– الأمريكي والتنازلات المتبادلة بين الطرفين اللذين شكلا تحالفًا سريًّا لمحاربة الإرهاب وداعش في العراق وسوريا، حيث قال الروحاني: ((إنه يجب الحفاظ على الرئيس النظام في السلطة لحين دحر داعش على الأقل)).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد