الكرملين في الأيام القليلة الماضية يحاول تحويل سورية إلى منطقة خاضعة له اقتصاديًا وسياسيًا وهذه المحاولة ليست بخبر جديد، ولكن إبرام النظام السوري اتفاقيات مع روسيا سوف يساعد روسيا للبقاء لسنوات عديدة في سوريا وحتى بعد الخروج العسكري سوف يبقى الدور الاقتصادي لروسيا في سوريا، وسوف تستطيع روسيا الاستفادة من الاقتصاد السوري لما يقارب 100 سنة قادمة بسبب الاتفاقيات التي تم إبرامها.

وآخر اتفاقية تم إبرامها تنص على أن النظام السوري يوافق على إعطاء روسيا قطعة أرض ومساحة مائية في محافظة اللاذقية من أجل بناء وإقامة مركز إعادة التأهيل الطبي للقوات الجوية الروسية ولأغراض بناء وإقامة مركز إعادة التأهيل الطبي للقوات الجوية الروسية، الجهة السورية الموقعة على الاتفاقية تمنح الجهة الروسية استخدام مجاني للأراضي.

أيضا لا نستطيع أن ننسى بأن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين وقع مرسومًا بإنشاء بعثة تجارية روسية في سوريا وهذا هي خطوة هامة للكرملين لبسط نفوذه في سوريا.

وجاء في الوثيقة «أنه سوف يتم إنشاء في عام 2020 في مدينة دمشق بعثة تجارية لروسيا الاتحادية» والمهمة الأساسية لهذه البعثة هو جلب المستثمرين الروس إلى سوريا ومساعدة الاقتصاد السوري للتصدي للعقوبات وحل المشاكل الاقتصادية عبر الاستثمارات الروسية.

وفقًا لأمر من وزارة الصناعة والتجارة الروسية تم الموافقة على هيكل وموظفي للبعثة التجارية. ويلاحظ أن تنفيذ إنشاء البعثة التجارية سيتم على حساب أموال الميزانية المخصصة للوزارة.

الخطوة الأخرى الهامة التي عملها الكرملين في الأيام القليلة الماضية هو منح النظام مليار دولار، روسيا خصصت أكثر من مليار دولار لمساعدة سوريا. سيتم استخدام المال لاستعادة شبكة الكهرباء، والمجمع الصناعي في سوريا وغيرها من الأغراض الإنسانية وهذا الشيء سوف يفرض المزيد من الالتزامات من طرف النظام السورية لروسيا في المستقبل لأنه الكرملين بأنه أي مساعدة للنظام السوري يمكن أن تعود بأرباح لروسيا، لذلك عبر دعم النظام السورية لروسيا تحاول فرض على النظام المزيد من الالتزامات وإبرام المزيد من الاتفاقيات التي سوف تكون لصالح رجال الأعمال المقربين من الكرملين.

بوتين هو رجل خبيث مثل الأفعى يدرك كيف يستفيد من أي مشكلة سياسية، وكما رأيناه ينجح في هزيمة المعارضة الروسية ووقف تقدم الجيش الأذربيجاني من السيطرة على ناغورني كاراباخ هو يفعل نفس الشيء في سوريا وهو يدرك تمامًا بأن النظام السوري لن يستطيع أن يلتزم بكل الالتزامات، لذلك هو وضع شخصيات يستطيع أن يثق بها في الدائرة المقربة للأسد، ويحاول أن يربط دمشق بموسكو لكيلا تكون هناك أي عوائق.

الكرملين وبدعمه للأسد يأخذ الأموال من جيب الروسي الفقير ويعطيها لنظام فقد شرعيته ولا يعترف الشعب السوري به كان من الأفضل لبوتين بأن يترك هذه الأموال للشعب الروسي، لأن الأموال التي يتم دعم العمليات العسكرية بها هي أموال من الحزينة العامة والجزء الكبير منها هي من الضرائب التي تفرض على المواطن الروسي البسيط.

بوتين يفكر بأن بدعمه للنظام السوري حاليًّا سوف يستطيع أن يستعيد هذه الأموال عبر الاستثمارات ولكنه مخطئ كليًا روسيا لن تستطيع أن تستعيد هذه الأموال، وسوف تخسر كل ما استثمرته في سوريا وبدلا من منح هذه الأموال للنظام السوري كان من الجيد دعم الاقتصاد الروسي الذي يعيش في أزمة كبيرة يعانيها جراء جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد الروسي والتي تفرض على الاقتصاد الروسي واقعا جديدا وأيضا لا نستطيع أن ننسى العقوبات الغربية والأمريكية التي فرضت على روسيا والتي يعاني منها الاقتصاد الروسي وبسببها أغلقت الكثير من المحلات والشركات ولكن الكرملين ينسى مشاكل الداخل الروسي ويدعم نظامًا شبه منهار.

مؤتمر لعودة اللاجئين لعبة كبيرة فكر أن يعملها الكرملين لإظهار انتصاره في سوريا على المعارضة السورية وعلى الغرب وليقول للإعلام أنا فرعون سوريا ولن أخرج من سوريا وتستطيعون أن تفعلوا ما تريدون ولكن نحن سوف نبقى في سوريا والنظام السوري باق وهذه الخطوة خطرة قد تتدخل المنطقة في حرب لن تنتهي.

ولكن لا نستطيع أن ننسى بأن روسيا نجحت في جمع أصدقاء النظام السوري، في المؤتمر الدولي لعودة المهجرين السوريين، بمن فيهم صنيعة روسيا جمهورية أبخازيا، إلى جانب الصين وإيران وباكستان وأربع دول أخرى. وشكل المؤتمر فرصة للأسد والكرملين وإيران لنفي مسؤوليتهم في تهجير السوريين، وتحميلها للغرب وعقوباته، وللسوريين المنتفضين على النظام السوري. ورفض الأسد الاعتراف بوجود مشكلة مهجرين سوريين، وقال إنها مشكلة مصطنعة يستغلها الأمريكيون والأوروبيون لتشديد الحصار والعقوبات على النظام، كما أنها ليست مشكلة إنسانية، كما يسميها الروس، بل هي قضية وطنية، تشكل الأولية لعمل جميع مؤسساته وإداراته.

الأمر الخطير في هذا المؤتمر بأنه رسالة واضحة للاجئين بأنهم لن يستطيعوا العودة وروسيا موجودة في سوريا، لأنه كما نعرف أغلب السوريين مطلوبين من قبل النظام السوري وعودتهم مستحيلة والكرملين يدرك ذلك تمامًا ولكن هو يحاول أن يتلاعب بعقول الناس لكي يفرض واقعه.

الإعلام الروسي، الذي نادرًا ما تذكر المدنيين السوريين ومآسيهم خلال سنوات الحرب، وكان منهمكًا في تعداد انتصارات القوات الروسية وبطولات الطيارين الروس في قصف الأهداف المدنية السورية، فجأة عاد وتذكر هؤلاء المدنيين، لكن فقط من باب تحميل الغرب وعقوباته وحصاره مسؤولية تهجيرهم ومآسيهم وتبرير أفعال النظام السوري وروسيا في سوريا.

أحد أكبر الصحف الروسية، غطت مراسلتها نشاطات المؤتمر في دمشق، ونشرت مقالة بعنوان «أعيدوا البيت للأطفال. في دمشق يناقشون عودة المهجرين السوريين»، وصفت فيها المؤتمر، بأنه المؤتمر الدولي الأول بشأن هذه المشكلة، و«بهذا الحجم الكبير». وذكرت، أنه في صالة المدخل إلى قاعة المؤتمرين، أقيم معرض لرسومات الأطفال السوريين المولودين خارج سوريا، والذين طُلب منهم رسم أهم شيء بالنسبة لهم. وجاءت جميع الرسومات تحمل رسم البيت الموروث عن الجدود، الذي يريده كل صغير سوري مبعد عن وطنه بإرادة الكبار الغرباء.

وقالت الصحيفة، بأن الحرب السورية، التي استمرت 10 سنوات، واندلعت بإرادة الغرباء، الذين يعيشون في بلدان أخرى غنية وهادئة، اتسمت بالقتل الوحشي للمدنيين، والمعارك المتواصلة، والجوع، والمنازل المدمرة، وفقدان العمل، مما أجبر السوريين على ترك وطنهم. وقد فروا أسرًا كاملة لا تعلم ماذا ينتظرها، وكانت تنتظرها شوادر مخيمات اللاجئين، والصدقات الهزيلة من البلدان الغنية تلك، والمستقبل المجهول.

صحيفة كومسومولسكايا برافدا المخضرمة، والتي توصف بالصفراء، نشرت بمناسبة المؤتمر نصًا بعنوان «تم العثور على الأماكن، حيث تُربي الولايات المتحدة وتركيا مقاتلين من أجل القفقاز»، وعنوان ثانوي «كل هذا يجري في «مخيمات المهجرين» من سوريا. كيف يمكن القضاء على هذا». وكباقي المواقع الإعلامية الروسية، وصفت الصحيفة المؤتمر، بأنه «مبهر» بحجمه، ويناقش مشكلة «هائلة» أيضا بحجمها. وتنقل الصحيفة عن مدير الوكالة الإتحادية لشؤون الروس خارج روسيا يفغيني بريماكوف (حفيد يفغيني بريماكوف المعروف) قوله، بأنه كان يريد لو أن البلدان (الغربية)، التي استثمرت في تدمير سوريا، تدفع ديونها تجاه هذا البلد. وتعلق الصحيفة على قوله، بأن أحدًا من المؤتمرين لا يأمل بمثل هذه الرحمة، وفي الشرق الأوسط مضى إلى غير رجعة زمن الآمال المعقودة على الغرب.

الكرملين سوف يخرج من سوريا يومًا ما، ولكن ما هو الثمن الذي سوف يدفعه الشعب الروسي والسوري بسبب سياسيات الكرملين في سوريا؟ وهل سوف يحدث أي تغير حقيقي في سوريا يوما ما؟ الكرملين يقول بأن في عام 2021 في شهر مايو سوف تحدث انتخابات رئاسية في سوريا وسوف تكون ديمقراطية، ولكن كيف سوف يحدث هذا الشيء ولم يتم تفكيك المنظومة الأمنية والسماح للمعارضة بالعمل في الداخل السوري؟ هل سوف نرى أي تغيرات في الدستور السوري الذي سوف يسمح للشعب السوري بالعيش الكريم والمؤمن في سوريا أم سوف يستمر نزيف الدم؟ الجواب على هذه الأسئلة أمر صعب، ولكن العام القادم سوف يقرر مصير سوريا إما تغيير شامل وإما بقاء النظام السوري على ما هو عليه واستمرار الحرب والانقسام في الساحة السياسية السورية.

الكرملين يستفيد من الحرب السورية وكما رأيناه أستطاع استعمال بعض من الشبان السوريين وأرسالهم الى أرمينيا وإلى ليبيا لذلك استمرار الحرب في سورية يصب لمصالح الكرملين وهناك تقارير أخرى تتحدث عن أرسال شبان سوريين من مدينة حلب إلى فنزويلا بحجة حماية منشأت نفطية مقابل مبالغ مالية على أن يخضع المجندون لتدريب عسكري في قاعدة حميم الروسية قبل أن يتم نقلهم إلى فنزويلا، وذلك دون الحاجة إلى امتلاكهم لجواز سفر.

الكرملين لن يتوقف على سورية وسوف نرى توقع روسي في أفريقيا والبحر المتوسط في السنوات القادمة والدليل على ذلك هو أبرام اتفاقية بين روسيا والسودان لبناء مركز لوجيستي للبحرية الروسية في البحر الأحمر والكرملين يدعي بأن تحركاته هي فقط للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، ولكن الواقع يقول عكس ما يقوله الكرملين.

ومع تصاعُد وتيرة الاحتجاجات بعد سقوط الرئيس عُمر البشير، هاجم نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف، علنًا، التظاهرات ودعا السلطات السودانية إلى قمع من وصفهم «بالمتطرفين والمخربين» وهذا الدليل بأن الكرملين يحاول أن يلعب لعبته في السودان كمت يلعب لعبته في سوريا ولكن بطرق مختلفة تمامًا عن العبة التي يلعبها في سوريا ولكن بنفس الأساليب وهو استعمال القمع.

وعلى المدى الطويل، تأمل روسيا في ترسيخ نفوذ المجلس العسكري الانتقالي في عملية التحول التي يشهدها السودان، في حين ينفي مسؤوليها الاتهامات بأنها حرضت على قمع المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية، وعلى الرغم من أن هناك ضرورات استراتيجية وسياسية عديدة تدفع روسيا إلى دعم المجلس العسكري الانتقالي، تبقى عقود روسيا المعلقة مع الحكومة السودانية وخطط بناء قاعدة على البحر الأحمر لها أهمية خاصة. في المقابل، وافق المجلس العسكري الانتقالي على المضي قدمًا في إتمام العقود الروسية الكبيرة في قطاعات الدفاع، والتعدين، والطاقة، والتي توسعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة والتي سوف تستفيد روسيا منه، ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، يُعد السودان ثاني أكبر مشتر للأسلحة الروسية في إفريقيا بعد الجزائر، و50٪ من مشتريات السودان من الأسلحة في عام 2017 جاءت من روسيا. وفي العام 2017، حصلت شركة تعدين روسية اسمها «إم إنفست» على امتياز حصري للتنقيب عن الذهب في السودان، وذلك بعد اجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوداني السابق عمر البشير في سوتشي.

بوتين مجنون بجنون العظمة وهو يحاول أن يكرر أفعال القياصرة الروس ولكن بطرق مختلفة تمامًا وباستعمال أيديولوجية لم تكن موجودة في الإمبراطورية الروسية فمن المعروف بأن بوتين خريج المدرسة السوفيتي لذلك لن يستطيع أن يبتعد عن الأيديولوجية الشيوعية بعيدًا، وكلما حاول أن يعمل شيئًا يعود إلى ما بدا عليه وهنا تكمن مشكلة بوتين التي لم يستطع الخروج منها، مع أنه كان يحاول أن يتظاهر بأنه شخص ليبرالي يحترم حقوق الإنسان، ولكن قراراته في السياسة الداخلية وفي الملف السوري أظهرت وجه الحقيقي بأنه ستالين روسيا الجديد، الذي لن يتخلى عن الحكم وسوف يبقى في الحكم لعام 2036 لذلك عدل الدستور الروسي واستطاع تغيير الكثير فيه.

بوتين لن يتوقف فقط على الحرب السورية أو الأوكرانية فسوف يستمر في دعم أطراف معينة في حروب أخرى في الشرق الأوسط أو أفريقيا، وهو تهديد مباشر للمصالح الأمريكية والأوروبية في المنطقة، ولكن يبدو بأن الإدارة الأمريكية الجديدة سوف تغير سياستها تجاه الشرق الأوسط وملفات كثيرة تدخل الكرملين فيها وسوف يتم رسم خطة جديدة لمواجهة روسية في سوريا ودول أخرى، ولكن هذه الخطة وسوف يقررها طاقم العمل للإدارة الأمريكية الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد