لم يكن له نجم بازغ في عالم السياسة غير أنه صاحب طموح لا يخفى، ركز على إظهاره من خلال أول عملية تليمع له مع صحفي (المصري اليوم) ياسر رزق، وقد استطاع غير واحد أن يخلص لنتيجة مفادها أن صاحب الأوميجا والسيف الملطخ بالدماء سطحي إن لم يكن أجوف الفكر.

تأكدت الفكرة ورسخ التقييم عند إطلالته الأولى لعرض ما روجه إعلام مصر ساعتها كونها أطروحات برنامج لانتشال مصر من مشاكل استعصى حلها, فكان مما أبدعت قريحته حلولًا إبداعية تتناسب ومستوى التفكير والممارسة, فعربة خضار كحل لمشكلة البطالة, ولمبة موفرة حل لمشكلة الكهرباء.

لم يكن لمنظر كل الحقب (هيكل) دور بازغ في وضع اللمسات لكل ما ظهر من سقطات ساهمت في رسم الصورة الذهنية في بعض من العقل الجمعي لمتابعي الشأن المصري عن المخلص والزعيم، اللهم إلا لمساته الواضحة في رسم خارطة تنفيذ الانقلاب وما سبقه من سيناريوهات، ومحاولات الدبلوماسية المصرية الترويج لما حدث كونه لم يكن انقلابًا بل تحقيقًا لإرادة شعبية عريضة.

جاءت زيارة بوتين الأخيرة لمصر والتي يمكن اعتبارها أول زيارة تبادلية داخل الأطر الدبلوماسية، لتختبر دبلوماسية النظام المصري وتظهر أبجديات سياساته الخارجية في المرحلة القادمة.

ولم تخفَ أصابع هيكل في رسم أدق تفاصيل الإيماءات السياسية في هذه الزيارة, بدءًا من تجاوز أحزان قطاع من الشعب ليس بقليل, ملأت بيوتهم دموع الحزن والفراق على أبنائهم الذين قضوا في مذبحة هي جريمة مكتملة الأركان مارستها أدوات النظام المصري عشية الزيارة في إستاد الدفاع الجوي, وانتهاءً بما تمخضت عنه الزيارة من أهداف مرحلية ومستقبلية، يظن النظام أنها ترسخ لبقائه, وتعيد ما أطفأته أحداث يناير الماضي من بريق مصطنع لنظام مهترئ.
على الرغم من أن هيكل يرى في كتابه الانفجار 67، أن أمن مصر يعتمد أولًا على النيل، والذي يتطلب أن تكون لحاكم مصر سياسة أفريقية، ثم جسر أرضي إلى آسيا يتمثل في سياسة شرقية, إلا أنه لم يرَ تجاهل الهدفين كليهما لهذه الزيارة وحفاوة الاستقبال المفتعلة لبوتين.

فلم يكن النيل حاضرًا في هذه الزيارة مع عدم امتلاك روسيا لأي من أوراق اللعب فيما يخص سد النهضة الذي لم يتطرق رأس النظام المصري للحديث بخصوصه في زيارته الأخيرة لإثيوبيا, وكذا ما أثر ذلك على العلاقات المصرية ودول عربية كان لها الدور الفاعل والمساعدة والمساندة والإمداد في تنفيذ الانقلاب، ليست على وفاق مع الروس وغير مرحبة بهذا التقارب، ويتضح ذلك من محاولاتها خنق روسيا اقتصاديًّا بالتلاعب في أسعار النفط العالمي، وإصرارها على الإبقاء إن لم يكن تسريع معدلات الهبوط في أسعاره عالميًّا، متحملة هي نفسها خسائر مالية فادحة لهدف وحيد هو خنق الدب الروسي وإيران، ولكنها أدوات السياسة التي لا تعترف سوى بالمكاسب السياسية.

كما لم يكن العقل الجمعي العربي حاضرًا في هذه الزيارة، وهو الذي يتألم للدور غير الأخلاقي الذي تمارسه الدبلوماسية الروسية في الأزمة السورية، ووقوفها المادي والمعنوي للإبقاء على روح نظام بشار وآلته الحارقة التي تمارس كل أنواع الإبادة ضد شعب أعزل.

في زيارة أمس لعبت الرمزية السياسية دورًا كبيرًا في إظهار بعض مما تهدف إليه تلك الزيارة, وإرسال رسائل لجهات بعينها, والعملية الرمزية تقوم بالإيماء لما مضى من أحداث أو محاولة استرجاع لما خزن بالعقل الجمعي, وهذا ما يوضح بجلاء أصابع هيكل, فليس ممن حول لابس الأوميجا من يجيد اللعب بهذا الفن, فكانت الصور التي ملأت الشوارع, واصطفاف مستأجرين للهتاف, ثم الخيول التي ظهرت في الاستقبال داخل القصر الجمهوري.

وجاء اختيار برج القاهرة ليكون مكانًا للعشاء, وما فيه من رمزية دلالية على تعكر صفو العلاقات المصرية مع أطراف لاعبة أساسية في المعادلات السياسية, وردًّا على استقبالها لوفد مما يسمى المجلس الثوري المصري في الأيام الأخيرة, حيث يشار لبرج القاهرة على أنه مول من سقطة مخابراتية أمريكية، وتذهب بعض الروايات اليسارية بأنها أموال دولة عربية – تدعي بعض التحليلات أن صاحب الأوميجا ليس على وفاق معها الآن- كانت قد دفعتها لاغتيال عبد الناصر ففشلت المهمة، أيًّا كانت الأموال ففي كلتا الحالتين رمزية للدلالة ورسالة موجهه.

لقد استخدم بوتين كذلك الرمزية في زيارته واختياره لهديته لصاحب الأوميجا, فاختار البندقية الكلاشنكوف الروسي, فهل هذا يعني أن تسليحًا روسيًّا للجيش المصري سيبدأ؟

ربما كان ذلك مستبعدًا فالخزانة المصرية محملة بأعباء كثيرة ولا تستطيع العسكرية المصرية الخروج من الربقة الأمريكية أو التنازل عن عقود التسليح معهم, فضلاً المليارات السبع الأخيرة المدفوعة في صفقة الطائرات الفرنسية المثيرة للجدل, كل ذلك يجعل رمزية الفعل لا تتناسب مع ذلك المعنى, ربما أراد بوتين أن يرسل رسالة مفادها أنه قادم للمساندة والمؤازرة كما يفعل مع بشار, وهي رسالة يرد بها النظام المصري على زيارة الوفد الثوري الأخيرة وتنقلاته الدبلوماسية وبعض مما يراه البعض من نجاحات على الأرض حققها الحراك في الشارع المصري.

لا يستطيع واحد قراءة هذه الدلالات بعيدًا عن سياق البيئة الإقليمية والدولية والواقع المصري الذي جرت فيه وأديرت هذه السياسة, فالمنطقة الإقليمية تنتظر مجهولاً يدبر, ربما كان من مفرداته إعادة لصياغة (سيكس بيكو) جديد, وكذا هناك قوى فاعلة على أرض الدبلوماسية الإقليمية ظهرت في طفرة سياسية مضطردة نتيجة غياب الدور المصري الفاعل، يسعى النظام المصري لتحجيم دورهم باستدعاء الدب الروسي لما في ذلك من تهديد لجيران أعلن النظام المصري سعيه للحفاظ على أمنهم حتى ولو على حساب أبناء الدم العربي والدين المسلم.

إن ما وصفه منظر الحقب “هيكل” في كتابه الانفجار 67 من اعتماد أمن مصر على ركيزتي النيل والبعد العربي في آسيا، لم يكن أي منهما حاضرًا في هذه الزيارة ولا فيما صدر من إيماءات رمزية، وقابل الأيام يحمل الكثير للشرق الأوسط فأيادي اللاعبين ما زالت تعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد