هل سمعتم عن رجل يحب عجوزًا شمطاء قد ترهّلت وتقوست على شكل جنين؟! أم هل سمعتم عن امرأة تحب رجلًا قد هدّه الزمن فاحدودب ظهره وانثنت ركبتاه؟!

لقد صدَّقت البشرية قصص الحب والهيام المختلقة وظنّت أن كثيرًا منها يدخل في حرم الحب المتسامي عن النزوات والرغبات البشرية، ولو افترضنا أن ليلى العامرية لم تكن جميلة الملامح في عين قيس أكان سيتعلق بها كل هذا التعلق؟!وليس قيس وحده من لا يحب ليلى، فعنترة أيضا لم يكن يحب عبلة! وغيرهم وغيرهم الكثير، ستتعجبون كثيرًا من هذا الأمر وترون أن الموضوع غير قابل للنقاش، وتقولون كيف لقِبلة الحب أن يُمسّ منها بعد أن طاف بها العشّاق وتبركوا من تربتها الطاهرة؟! ولكن مهلا وعلى رسلكم، فإن من كان بينكم يُسَمُّون أنفسهم عشَّاقا لم يكونوا إلا معجبين يزول إعجابهم بتغير معالم الحبيب.

لقد كان الداعي الحقيقي لهيام قيس وتولّعه بليلى هو ما كان باديًا من تغزّله بمفاتنها، ومن تلك الصور أنه عندما شاهد ظبية تشبه ليلى تذكَّرها وتغزَّل قائلًا: «فعيناك عيناها وجيدك جيدها … ولكنَّ عظم الساق منك دقيقُ»، وغير بعيد عن ابن الملوح يسير الفلحاء –اسم لعنترة مأخوذ من الفلح أي شق في شفته السفلى- على خطى الإعجاب ويتغزل بعبلة قائلا: «فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسم» وهل لو كان ثغر عبلة قبيحًا مظلمًا سيعرّض عنترة شفته الأخرى لضربات السيوف؟!

كما أن جريرًا أيضا تغزّل في محبوبته فقال: «لقد كتمت الهوى حتّى تهيّمنـي لا أستطيعُ لهـذا الحُـبِّ كتمانـا»  ثم أفصح عن دوافع حبه لها فقال فيها «إنّ العيون التي في طرفها حَـوَرٌ قتلننـا ثـم لـم يُحييـن قتلانـا يصرعن ذا اللّب حتّى لا حراك به وهُنَّ أضعـف خلـق الله أركانـا» وهل لو كانت محبوبته قبيحة العينين، سيلتفت لها أو يهديها عذب الكلام؟

وإن سلّمنا أن الحب متعلق بالجسد، فإن اندثار ملامحه وتغيرها يعني موت الحب، بخلاف إن كان الحب نابعًا من تلاقي الأرواح على بساط المحبة النقي من شوائب الرغبات البشرية، فإنه سيظل حيًّا رغم الفناء وعوامل التعرية، لأن من يموت هو الجسد بينما تنتقل الروح لعالم آخر تسبح فيه وتلتقي فيه بأحبتها.

وفيما أعتقد أن الحب الحقيقي هو الحب البيولوجي كحب الآباء لأبنائهم أو حب أفراد الأسرة لبعضهم البعض، فمثل هذا الحب قد تحرر من نطاق النظر وتفحص تفاصيل الجسد والولوج في الشهوات والرغبات إلى التغلغل في أعماق الروح وقبول الجسد والعقل على علّاته، وهذا لا يعني بالضرورة استحالة غيره من أنواع الحب.

إن المتأمل في كثير من علاقات الحب المزيفة يجد أنها تختفى وتتلاشى تدريجيًا مع تقدم العمر واختفاء النضارة، ولذلك تمثل المراحل الأولى من الحب المزيف ذروتها ونشاطها لتخبو بعد ذلك وتصل لحال يستوي فيها وجود الحبيب وعدمه.

وقد أعجبني كثيرًا تفسير للشاعر نزار قباني عن الحب حين قال في مرثية يرثي فيها جمال عبد الناصر : «أحبك لا تفسير عندي لصبوتي … أفسر ماذا والهوى لا يفسر» فالحب هو شعور يسكن الروح ويختبي في كوامنها، كما إنه لا يوصف ولا يستحدث من العيون الناعسة والأنف الدقيق والخصر النحيل.

ومن هنا ينبغي أن نربأ بالحب عن الرغبات الجسدية الفانية، فما قد نظنه عند الكثيرين حبًا صادقا لا يعدو كونه إعجابًا في جلباب المحبة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد