حرب ساخنة في الأفق بين سعيد والمنظومة القديمة

المنتخب الجديد قيس سعيد رئيسًا للجمهورية

أفضى تاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) من هذه السنة إلى تحديد رئيس جديد لتونس، وقد اُنتخب الأستاذ «قيس سعيد» رئيسًا للجمهورية التونسية انتخابا حرًا نزيهًا وشفافًا، بعدما كان في مواجهة مباشرة بينه وبين السيد «نبيل القروي» مؤسس حزب قلب تونس؛ إذ توجت الانتخابات بانتصار ساحق وغير مسبوق للأستاذ «قيس سعيد»بـ2777931 صوتًا، حسبما صرحت به الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وهي هيئة تُعْنَي بتنظيم الانتخابات، وتسهر على تسييرها.

حملة الشعب يريد

«الشعب يريد» كان عنوان حملة «قيس سعيد» الذي تطوع الشباب لخدمتها مجانًا، هذا وقد اختار الشعب بأعداد محترمة الرئيس الأقدر والأجدر، رغم معارضة بعض الشعب؛ بسبب فقدان المنتخب الجديد لبرنامج واضح.

قيس سعيد والمنظومة القديمة

لا شك أن أول خطوة سيقوم بها الرئيس الجديد في الحكم هو التخلص من المنظومة القديمة الفاشلة التي أوقعت البلاد في مستنقع الفساد والخراب وسوء التسيير في إدارة البلاد، هذه المنظومة أقل ما يُقال عنها إنها غير قادرة على مواكبة العصر الذي يتطور في كل جزء من الثانية؛ فتكوينها ضعيف جدًّا، ودون المأمول، والتي عُينت في عصر الجهل والخصاصة، هذه المنظومة تعاني من إفلاس فكري وثقافي؛ خربت المؤسسات العمومية بضعف تكوينها، فهي تحكم وتسيّر الإدارة بمنطق القوة لا قوة المنطق، وأيضًا بمنطق الأقدميةبمعنى لدى هذه الفئة الخبرة لتسيير الإدارة، وهذا غير صحيح؛ فهي السبب الوحيد والأول في تعطل عجلة الاقتصاد والتطور؛ لذلك ينتظر من الرئيس القادم عملًا كبيرًا لاستئصال هذه المنظومة الفاشلة.

قيس سعيد والشباب

راهن «سعيد» على الشباب الذي قام بحملته الانتخابية بالمجان؛ حيث رأى فيه الشباب الشخصية الأقدر على قيادة البلاد، حتى وصل أنصاره إلى التعصب ووصف مرشحهم قيس سعيد بـ«القيصر»؛ إذ كل معارض لهذا الأخير سيتلقى ردًا ونقدًا لاذعًا من أنصاره، وكأنه مبعوث الله في الأرض؛ إذ قاموا بتقديسه كما تقدس الكنيسة المسيحية وآلهة أثينا.

قيس سعيد الشخصية الغامضة

اعترف عدد من الدارسين لعلم الاجتماع بتونس أن شخصية الرئيس الجديد تبدو غامضة، ووصوله لقصر قرطاج تعتبر بالمعجزة؛ لأنه لم يكن معروفًا سياسيًّا، ولم يشارك في أي منصب وزاري من قبل، ولم يكن من الحقيبة السياسية القديمة، بل كان مجرد أستاذًا محاضرًا، فصعوده الصاروخي بحملة انتخابية قادها بعض الشباب تعتبر غامضة وغريبة، خاصة أنه قليل التصريحات، ويكاد نقول إنه غائب إعلاميًّا أيضًا، فقد أصبح «قيس سعيد» مستلهمًا للشباب في تونس، خاصة مع حملة النظافة التي وصفت بحالة وعي، هذه الحملة طافت وجابت كل ولايات الجمهورية التونسية؛ لذلك يمكن القول إن «قيس سعيد» له أثر إيجابي على الشعب، خاصة أنه لم يبع الأوهام له، وانتخبوه رغم غياب برنامجه الانتخابي الواضح، وقد تميز «قيس سعيد» بالشعبوية حتى أنه قال: «لن أسكن قصر قرطاج سأعمل بصفتي موظفًا وأعود إلى منزلي».

إلى أي مدى سيكون قيس سعيد مستقلًا؟

لا يخفى للعديد أن «قيس سعيد» بين مطرقة الاستقلالية وسندان التحالفات، فالمعروف أنه ترشح وانتخب رئيسًا مستقلًا؛ لذلك نتساءل إلى أي مدى استقلالية قيس سعيد؟ فهو موضوع معقد نوعًا ما، بما أنه لا يملك مقاعد نيابية في مجلس نواب الشعب، فقط داعمه الرئيسي والأول بعض الشباب غير المتمرسين في الأمور السياسية؛ لذلك تذهب العديد من السيناريوهات أن أول حلفائه حركة النهضة التي تملك 54 مقعدًا في البرلمان، وهذا ما يرفضه الصنف الداعم من الشعب جملة وتفصيلًا، خاصة أن هذه الحركة لها سياسة الركوب على الأحداث، ودعت مناصريها لدعم «قيس سعيد» وانتخابه؛ ويعود سبب الرفض أن هذا الحزب قويًّا وأكثر الأحزاب تنظيمًا حزبيًّا،ويستطيع طمس «قيس سعيد» والتأثير على قراراته، وتسيير البلاد حسب أهوائه ومصالحه الضيقة.

قيس سعيد بين الواقع وأفكاره الطوباوية

لا شك أن الواقع الذي تعيشه تونس سيكون عائقًا أمام «سعيد» لتنفيذ أفكاره، التي يمكن وصفها بالطوباوية؛ لأن الواقع متردٍ؛ لذلك لا بد من خوض حرب أو حروب إن لزم الأمرـ فالفساد الذي يخرم كل المؤسسات العمومية، والتهرب الضريبي من قِبل رجال الأعمال، والمواطنين، والأحزاب البراغماتية، وتدهور المقدرة الشرائية، والعجز التجاري، وتفاقم نسبة البطالة والفقر، وتغليب المصالح الخاصة على العامة، هذا الأمر ليس بالهيّن فهو يتطلب عملًا وتضامًنا ومساندة حكومية وشعبية جبارة؛ للحد ولو بصفة محترمة من هذا الخرم.

كيف سيكون التشكيل الحكومي القادم؟

طرح هذا السؤال في أغلب المقاهي والبلاتوهات التلفازية التونسية، وكانت الأجوبة متضاربة ومتصاعدة، ويأتي هذا بعد الصراع اللامتناهي بين الأحزاب الفائزة، فالكل يريد حقيبة وزارية يحكمها، والكل له مرشح، والتحالفات غير مفهومة، خاصة مع رفض العديد من الأحزاب التحالف مع حركة النهضة، ويبقى لهذه الأخيرة حل واحد، ألا وهو صعوبة تشكيل أي تحالف؛ خاصة أن حزب قلب تونس، الحزب الحائز على المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية والذي قال رئيسها «نبيل القروي» حرفيًّا في المناظرة الرئاسية الأخيرة: «لن نتحالف مع حركة النهضة»؛ وذلك ما يجعل الموافقة على الحكومة الجديدة مستعصية نوعًا ما؛ لأنها لن تجد 109 صوتًا للتصويت على هذه الحكومة؛ لذلك تذهب العديد من السيناريوهات إلى تدخل الرئيس «قيس سعيد» وهو ما نص عليه القانون الدستوري في الفصل 89 الذي يسمح لرئيس الجمهورية التشاور مع الأحزاب، والائتلافات، والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر والمتمثلة في رئيس الحكومة، التي يخول له اختيار تشكيلته الحكومية في أجل أقصاه شهر.

عموما تبقى الأيام القادمة هي الفيصل في تحديد مَنْ هو رئيس الحكومة؟ ويبقى للشعب التونسي مطالب هامة من الحكومة الجديدة؛ إما تكرمه، أو تهينه، والأكيد أن شعب تونس لن يغفر أبدًا لكل سياسي أو حزب يخطأ في حقه.

حوصلة

يأمل الشعب التونسي من الحكومة القادمة بتغيير حيني، خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أما «قيس سعيد» ورئيس الحكومة القادم سيبقيان في فم المدفع، كما يقال بالدارجة أو العامية التونسية، في كل الأحوال، وهما المسئولان الأوليْن أمام الشعب في تسيير البلاد، فكيف سيكون المشهد السياسي في تونس في الخمس سنوات القادمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد