يقول الإمام القره داغي: نظرت إلى سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ومواقف وآراء الخلفاء الراشدين، فوجدتها تقوم على هذا الميزان، وبالمقابل فقد فزعت من الاختلافات الكثيرة والكبيرة بين الجماعات والحركات الإسلامية، وطلبة العلم من المدارس المختلفة حتى بلغت إلى مرحلة تكفير بعضها لبعض، ومع ذلك يستدل الجميع بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية في فراق شديد بلغ النخاع ليس من الاختلاف المشروع، بل هو من الفراق المذموم الذي يجعل الأمة مختلفين في الدين نفسه، وإنما المشروع هو الاختلاف الفقهي الذي يؤدي إلى إثراء الفقه به، وإلى تحريك الواقع الفقهي، وإلى إيجاد أكثر من حل وبالتالي تظهر منه مرونة الشريعة وسعتها.

لكن الخلاف اليوم خرج عن هذا الإطار تمامًا، بل وصل إلى مرحلة الافتراق والخراب والشقاق والتفسيق والتكفير، وإلى الاستهانة بالآخرين والاستخفاف بهم، بل قتلهم والتآمر مع الأعداء ضد مَنْ يدعو إلى تطبيق الشريعة، فأين الخلل إذًا؟

بعد التعمق في أسباب هذه الشدة في الخلاف، والقسوة في الحكم وصلت إلى أن أحد أهم أسبابها يعود إلى عدم وجود معيار يتحكم في أحكام هؤلاء، وإلى خلط كبير بين أبواب العقيدة والعبادات «الشعائر» بأبواب العادات والسياسات ونحوها، وهذا ما نسميه بفقه الميزان.

فقد كانت مبادئ الأصول، وقواعد الفقه، ومقاصد الشريعة معيارًا لصحة الاجتهاد، أو عدم صحتها في القرون السابقة، ولذلك أولى لها العلماء السابقون عناية منقطعة النظير، وجعلوها شرطًا لصحة الاجتهاد، أما اليوم فقد يجتهد البعض ويتصدى للإفتاء وهو لا يعرف شيئًا يذكر عن أصول الفقه وقواعد الفقه ومقاصد الشريعة وفقه المآلات وفقه التنزيل.

فقد جاءت موجة عارمة – منذ بداية القرن العشرين – بالعودة المباشرة إلى الكتاب والسنة، فهذا أمر طيب، ولكن الخلل الذي صحب هذه الدعوة هو نبذ جهود معظم الفقهاء والأصوليين والمفسرين وشراح الحديث، بل اتهام بعضهم بالبدعة والضلالة، وحرق بعض أهم الكتب، مثل فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي بحجة أن صاحبيهما من الأشاعرة.

فهذا المنهج الخاطئ أدّى إلى أن يعتمد بعض أصحابه على بعض الآيات أو الأحاديث دون فكرة الجمع، ولا الاعتماد على مبادئ علم الأصول ولا فقه الميزان فجعلوا (الْقُرْآنَ عِضِينَ). وصار الكتاب يختلس منهم ويتفلت علمهم من الميزان.

ثم يستغل هذا المنهج للإضرار بالدين من خلال تكفير المخالف الذي يؤدي إلى القتل والتفجير، وإلاّ فكيف يُفسّر إقدام جماعة جهيمان العتيبي – الذي كوّن في السعودية: الجماعة السلفية المحتسبة – ونالت رضا كبار مشايخها على قتل الآمنين من الحجاج والمعتمرين داخل الحرم المكي، والعزم على قتل ملك السعودية ومن يحضر معه بحجة كفر هؤلاء الحكام وإقامة دولة الإسلام!

كذلك ما فعلته القاعدة وبوكوحرام ونحوهما، وبخاصة (داعش) من الجرائم التي ينْدى لها الجبين في حق المسلمين وغيرهم– وبخاصة أهل السنة في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها – وبحق الإسلام من تشويه صورته القائمة على الرحمة.

كل هؤلاء وأولاء يستشهدون بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريعة جهلًا، أو زورًا وبهتانًا، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم من اختلاس العلم من الناس، ورفع العلم الحقيقي، وحينئذ يضل المسلمون مع وجود القرآن الكريم.

حتى تفلتوا من الميزان مثل: قتلهم الرجل بحد الردة وهو ينطق بالشهادتين وقيامهم بحد الرجم دون تفعيل ميزان درء الحدود بالشبهة وقيامهم بمخالفة الآية بإشهاد الكفار والأعداء على عملية الرجم.

إذًا فمعالجة هذا المنهج الخاطئ الخطير لن يتحقق إلاّ بمنهج أصيل مأخوذ من القرآن الكريم نفسه ومسترشد بفهم السلف الصالح وهو (فقه الميزان).

لقد استطاع إمامنا الفاضل تأسيس مبادئ فقه الميزان التي آمل من الأمة تأصيل هذا المنهج، ودعم هذا الميزان كي يكون أكاديمية علمية تمنح طلاب المعرفة التوازن والفقه والإيمان والتنمية والسلم الأهلي.

في مشاهد التاريخ لم يكن الدين في منأى عن التنمية، فهما صنوان. وعندما تفردت السلطة بالتنمية ومنعت الدين أن يكون شريكًا، بل حولته إلى أجير أو موظف فقدت التنمية روحها.

فثمة علاقة توأمية بين الدين والتنمية وكل إقصاء للدين ينتقم الراهن لفقد شقيقه الدين، فالحياة ديانة بغض النظر عن مكنونها وصورتها وتبدو آثار الانتقام على شكل فتنة ومعيشة قلقة، فتصاب السلطة بمرض الطغيان، والنخبة بألم الفساد، والعامة بضيق المعيشة وضنكها.

إن إقصاء الدين من التنمية ظلم.

والتوظيف الخطأ للدين ظلم وفتنة، لأن الفتنة ليست في التوظيف الخاطئ وحسب، وإنما أيضًا في فهم التوظيف بشكل خاطئ.

إن للفهم آليات كما أن للتوظيف أيضًا آليات.

بمعنى أننا لا نستطيع فهم الشيء، إلا إذا وظفناه وتعاطينا معه.

إذا لم نوظفه ونتعاط معه فستتسع فجوة سوء الفهم، ما يعمق من حفرة القلق والخوف من الدين خوف يرجع إلى بيئة غير دينية، بيئة الغرب التي فصلت الدين عن التنمية. إن عدم الفهم لهذا الفصل بين الدين والتنمية، هو الذي أساء لفهم التوظيف والشراكة.

إن الدين يختزن بداخله تنمية لا تُمنح إلا لمن يأتيها دينيًا، يفهمها دينيًا ويوظف هذا الفهم إنمائيًا.

إن الدين يمارس في العبادة، ولكن فهمه يمارس في التنمية.

فالله أكبر مصطلح إدراي تعني أنه لا مواطن صغير في مجتمع يحتكم إلى القانون، ومن هنا صدر إمامنا القره داغي «الدين» كرقم أول في المعادلة الحضارية ويتقدمها وليس معنى ذلك أن يلغي العناصر الثلاثة: الإنسان والأرض والوقت، أو يقصيها ويحاصرها، بل أن يمدها بمقومات ورشد.

يقول د. علي القره داغي:

صفات المصلحين في القرآن الكريم تتجلى بما يأتي:

النيّة الصادقة والإخلاص الكامل، والتوكل على الله تعالى.

الإشفاق على القوم، وحبّ الخير لهم، وكره الشر لهم.

الإرادة الحازمة، والاستعداد التام، والأمل الكبير، واليقين الصادق بالنجاح في عملية الإصلاح.

التدرج والصبر وعدم الاستعجال وعدم اليأس والقنوط، وتحمّل المصلح لنتائج الدعوة إلى الإصلاح.

القدوة الصالحة، ولذلك عرًّف الله تعالى (الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) (الفاتحة/5) بقوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) (الفاتحة/6).

المراقبة، والمتابعة الدائمة، والاستمرارية أو ما يسمى بالاستقامة.

العلم بالإصلاح وطرقه، وبتأريخ المصلحين من الأنبياء والمرسلين والمصلحين، وبالتجارب الناجحة والفاشلة، ليستفاد منها «فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ بها».

ينبثق مما سبق ضرورة وجود خطة إستراتيجية عامة ومرحلية تتوافر فيها الشروط والضوابط والآليات المطلوبة للنجاح ومعالجة التحديات التي تعترض طريق الإصلاح[2].

ليس مقصود إمامنا د. علي من توظيف الدين في التنمية، أن يختزل الدين في:

المنظومة الأخلاقية: «الصدق، والوفاء، والرفق، والشفقة، والإنصاف».

القيم: «الصحة، والثروة، والسعادة، والحرية، والعدالة».

الفضائل: «الحكمة، والشجاعة، وضبط النفس».

إنما عنى فيلسوفنا الفقيه بتوظيف الدين وفق نظرية الإصلاح الشامل التي تشرح النظام المعرفي الكامل، للدين ولا تختزله فتخل به وتخذله وهذا يتضمن المبادئ الأخلاقية والواجبات والقيم والفضائل، أي صلة الدين وعلاقته النظرية، وكيف يعمل في الممارسة التطبيقية والعملية.

يقول د. علي: المراد بالإصلاح الديني هو إصلاح ما يتعلق بالجانب التعبدي، والعلاقة بين الإنسان وربّه من حيث العقيدة، وأداء الشعائر التعبدية، في حين أن الإصلاح في الإسلام، أو الإصلاح الإسلامي يشمل ما سبق، وكل ما يتعلق بشؤون الدنيا والدين، ولذلك عند الحديث عن مقاصد الشريعة يذكر مقصد الدين قسمًا من أقسامها الخمسة أو الستة مع أن الشريعة تغطي كل هذه المقاصد.

إن عملية الإصلاح للفرد والمجتمع والدولة ليس عملًا سهلًا، بل يعدّ من أصعب الأمور – إن لم يكن أصعبها على الإطلاق – فهو يحتاج إلى العقيدة المؤثرة، إلى البرنامج، والخطة، والفكر المستنير، والتضحيات، والأشخاص المؤمنين المستعدين للبذل والموارد المالية، والاستمرار والاستقامة وعدم اليأس والقنوط.

إن توظيف الدين في التنمية يسهل عملية فك ارتهان الدين للمتسلط ويسهم في بعث روح إنسان حضاري يستكمل تألق الروح مع تملك القرار كل ذلك على مبدأ فقه الميزان القائم لأن العدالة شكل من أشكال الدين، وتوظيف الدين في التنمية هو نفسه توظيف العدالة في التنمية.

كل إصلاح لا يحقق رعاية لمصالح الناس سوف يسهم في تدمير المجتمع والدولة ويضر بالدين أيضًا.

هدف شيخنا من جعل الدين معلمًا للتنمية كي ينتظم الدين في رؤية إصلاحية شاملة ويتعايش مع العناصر الثلاثة ويتراحم معها، فيوظف في التنمية بوصفه منظومة كلية تحقق مقاصد الدين والتنمية بشكل مستديم، تمامًا كما يوظف الإنسان والأرض والوقت.

إن العملية التنموية في مجملها مقاصد ووسائل ومحددات.

فالمقاصد تتعلق بالحياة الطيبة التي يطمع مجتمع ما أن يحققها لأفراده، أيًا كانت مكوناتها ومستواها، وقد أثبت القرآن القرآن الكريم للكافرين طيباتهم في هذه الدنيا: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا).

والوسائل: هي جملة الترتيبات المجتمعية، والعمليات الفردية والجمعية، التي يرى المجتمع أنها ما يلزم اتخاذه للسير قدمًا تحقيق تلك الحياة.

والقيود: هي تلك العوائق التي تقف في طريق المسير نحو الهدف، والتي لا بد من أخذها في الاعتبار، فمنها ما يمكن إزاحته أو تجاوزه، لا سيما تلك التي من صنع البشر، ومنها ما يصبح محددًا للمسيرة التنموية متى تحققت شروطها.

نعتقد أن فكر الإمام المصلح علي القره داغي:

يتضمن توظيف الدين في التنمية دعوة لإغلاق منافذ تبريرات العنف والفوضى والثورة بحجة إقصاء الدين من الحياة المادية، في الوقت الذي «لا تخلو الرعية من ناسك أحمق، يظن أنه يغضب للدين، فيحمله حمقه وجهله على الخروج من واجب الطاعة، فيكون أمره في الرعية أنفذ من أمر الملك في الجند».

الدين ليس هو الحل الوحيد لتحصيل التنمية، بل هو مشارك وجزء من الحل، وإذا كنا نقصد بالدين الإسلام، فإن الإسلام ليس هو الحل وحده، بل هو الحق والخير والقيم الإصلاحية الشاملة التي تمدك بالمفاهيم وتترك لك حرية الابتكار والوسائل.

يقول الإمام القره داغي: نحن المسلمين أمةً وقادةً وحركاتٍ إسلامية وعلماءَ ومفكرين في أشد الحاجة إلى مراجعات شاملة في مختلف المجالات، وذلك لأن الفشل يحيط بنا في كل جانب، وحتى الجانب الأخلاقي والسلوكي لدى الأكثرية ليس على المستوى الذي يريده الإسلام.

نعم هناك صحوة فكرية ودعوية وشعائرية إلى حدّ طيب لكنها لم تتحول إلى سلوكيات وبرامج عملية تحقق الإصلاح الشامل والتغيير نحو الحسن – ناهيك عن الأحسن – فالأمة لا زالت تعيش حالة غريبة من التفرّق والتمزّق والتشظي، وتقسيم المقسّم، وتجزئة المجزأ، وضرب بعضهم ببعض باسم القوميات، أو الأيدولوجيات الفكرية، أو الصراعات الطائفية والمذهبية، وأخيرًا ضرب الحركات الإسلامية بعضهم ببعض كما حدث من ضرب الإخوان المسلمين ببعض السلفية والصوفية في عدة دول، وتكفير أو تبديع الأشاعرة والماتردية، ونحو ذلك.

كما أن الأمة لا زالت في معظمها تعيش حالة شديدة من التخلف والجهل والأمية والفقر والبطالة، على الرغم من وجود ثراء عظيم في ثرواتها ومعادنها وبترولها وغازها، فلا زالت عالّة على غيرها في الصناعات والتقنيات والاتصالات والمواصلات، وغير ذلك.

ومن جانب آخر فإن الدول التي تحكم باسم الإسلام لم تستطع أن تقدم أنموذجًا يحتذى به في الحكم الرشيد، وكرامة الإنسان، وتحقيق السعادة والتقدم لشعوبها، كما أن الحركات الإسلامية لم تحقق أهدافها لأي سبب كان، بل هناك فشل في معظم الحالات.

كل ذلك يستدعي عكوف العلماء والمفكرين ليقوموا بمراجعات شاملة لمعرفة: أين الخلل فقد وبّخ الله تعالى هؤلاء الذين تصيبهم المصائب في كل عام مرة أو مرتين ومع ذلك لا يعودون إلى الله تعالى وإلى منهجه القويم في العلاج، كما أنهم لا يستفيدون من التأريخ وسننه ولا من العقل وتجاربه فقال
تعالى: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ. (التوبة/621)، وهذه المراجعات لن تحقق أهدافها إلا إذا كانت قائمة على التقويم العادل والنقد الذاتي المنصف البعيد عن التقديس، والتبخيس.

لكن الذين يكتبون عن تأريخنا وتراثنا وحضارتنا يتجه بعضهم إلى التبخيس لكل الجهود العظيمة المخلصة التي بذلها الأولون من الجهود الفكرية، والعلمية، والحضارية، والفقهية، والحديثية، ومن الفتوحات وبناء الحضارات والعمران ونحوها.

هذه نظرة سوداوية وبنظارة سوداء ترى حتى البياض سوادًا، وتبخيس للحقوق، وجلد للذات، وتزييف للتاريخ، وعدم وفاء لمن بذلوا أرواحهم وعقولهم وجهودهم في خدمة الأمة على مرّ التأريخ، فهؤلاء يُشْبهون مفتشي القاذورات حيث لا يرون سواها لكتاباتهم وتقاريرهم إلى المسؤولين.

وبالمقابل نرى بعضًا آخرين ينظرون إلى تأريخنا وتراثنا وفقهنا نظرة وردية جميلة لا تنطق إلاّ بالمدح والثناء، ولا يرى إلا تقديس هؤلاء، وما أنتجوه، وما فعلوه، وما قدموه، فينسون أنهم بشر معرضون للخطأ والتقصير والصواب، وان لهم طبائعهم البشرية، وأهواءهم، ولذلك يمكن أن تصدر منهم الأخطاء والخطايا، وان الأشخاص – ما عدا الأنبياء – ليسوا معصومين، وبالتالي فيجب أن يكون الميزان قائمًا على وزنهم بالحق، لا وزن الحق بهم.

والأمة بين الفريقين تضيع فلا تستطيع أن تنطلق في ظل الظلام الدامس، ولا في ظل الشمس الحارقة المبهرة، ولذلك يجب أن ينطلق الإصلاح من التقويم العادل، والنظرة المعتدلة المتوسطة المتوازنة بين التقديس والتبخيس، وأن لا تقوم على فكر «الإمّعة»، بل يجب أن تكون عادلة وجريئة وصادقة، بحيث تقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وأن تبين مواطن الضعف والخلل وأماكن العجز والتقصير.

فالإصلاح هو علاج للمرض والفساد، فإذا لم يشخص المرض فلن يجدي العلاج نفعًا [4].

يحصل توظيف الدين في التنمية بالعلاقة المتلازمة بين التعليم والدين، فلا تنمية من غير تعليم يتراحم مع الدين، حيث إن هذين الحقلين «يقدمان ذاتيهما كمرشدين من أجل تأسيس قيمنا وشارحين لأهمية حياتنا».

يجب على البحث في حقلي العلم والدين أن يوقظ الوعي بالعالم الذي نحيا فيه: كيف يعمل وكيف ينسجم الإنسان مع مجتمع الحياة الأوسع، والدور الذي يؤديه الإنسان في رواية الكون الكبرى، والعاقبة التاريخية للتطورات التي شكلت منظارنا المادي والثقافي. وإلى جانب الوعي بالماضي والحاضر ينبغي على التعلم والدين أن يقودا المستقبل.

لا يمكن توظيف الدين في التنمية أو مشاركتها إلا بوجود حرية مكفولة من قبل دولة المؤسسات.

فإذا كانت النخبة توظف المعرفة، والسلطة توظف الشيء، فلم لا توظف العامة الدين؟

إن توظيف الدين في التنمية هو أن تكون لهذه المشاركة قابلية إنمائية من السلطة والنخبة، حتى تنصف العامة ولا تحرمها من عوائد التنمية.

إن التنمية هي تحويل المجتمع، هي تحسين حياة الفقراء، هي إتاحة فرصة النجاح أمام كل فرد، وهي الحصول على الخدمات الصحية والتربوية.

إن هذه التنمية لن تتحقق إذا كان بضعة أشخاص فقط يملون على البلد سياسته.

يقول الإمام علي القره داغي: أفضل تكييف له في نظري هو أنه عقد إداري عام قائم على الوكالة عن الأمة بأجر، فالأمة – أو الشعب – هم الطرف الأول – الموكل – وبالتالي فهم أصحاب القرار، ولكن دلت النصوص الشرعية على حقوق الطرفين، والتزاماتهما، ويجوز أن ينظم ما ورد فيها من نصوص وما تقتصيه المصالح والمقاصد الشرعية من الاستفادة من الحكم والتجارب الناجحة وفقًا لدستور مكتوب يتم اعتماده من قبل الأمة أو الشعب، وحينئذ يصبح ملزمًا للطرفين. ويجب أن تُتخذ القررات بصورة ديمقراطية.

وهذا يعني أن تُتخذ ليس فقط بتدخل نشيط من جانب فئة واسعة من الاقتصاديين والمسؤولين والخبراء في البلدان النامية، ولكن أيضًا بمشاركة أوسع بكثير، تتعدى الخبراء والسياسيين.

يحصل توظيف الدين في التنمية في ظل وجود التركيب بين «السلطة والشعب والنخبة» باعتبار أن الأطراف الثلاثة متساوية، ليس في المراتب طبعًا، ولكن متساوية في التراتب.

هذا فعل يحققه الدين الإنمائي، وهو أن يساوي بين أشياء غير متساوية في الامتلاك: الشيء والدين والمعرفة، بحيث يجعلها متساوية في التوظيف والمشاركة.

مما لا شك فيه أن الاختلالات التي فجرتها ثورات التحرر المعاصر من الأنظمة المتطرفة أوجدت مناخًا سمح بظهور إساءات حقيقية لصورة الإسلام الكونية، ولرجالاته ولذلك ينبغي تسليط الضوء على اللامعين الحذقة من أهل الفكر والفقه.

وفي الختام

تعلمت من د. القره داغي في مجال العلاقات

القرآن الكريم يؤكد على عشرة مبادئ مشتركة بين جميع البشر، لذلك فالأصل العام هو الأخوة الإنسانية التي تقتضي الحقوق المتقابلة بعدل وإحسان، والأصل هو السلم والتعايش.

إن الأرض ليست لقوم دون قوم، أو لأصحاب دين دون غيرهم، بل ليس للإنسان وحده، بل هي لجميع المخلوقات (وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ) (الرحمن/1).

فالجميع شركاء في الأرض، وعلى الجميع حفظها وحمايتها من الإفساد.

الإرهاب خلل في الفكر يغذيه الظلم بجميع أنواعه، وتقويه الدكتاتورية والاستبداد، والفقر والبطالة.. والإرهاب لا دين له، وأنه ضد الدين الحقيقي.

الإصلاح الشامل والتقدم والحضارة تتحقق بما يأتي:

إصلاح النظام التعليمي ليكون شاملًا ومبدعًا.

إصلاح النظام السياسي ليكون قائمًا على العدل والشورى، والحرية والفصل بين السلطات.

إصلاح النظام الديني بالتجديد والاجتهاد في كل ما هو محل للاجتهاد وهو الأكثر، حتى يجمع بين الأصالة – الثوابت، وهي في حدود الثلث – والمعاصرة وهو الأكثر.

إصلاح النظام الاجتماعي ليقوم على العدالة الاجتماعية وينتفي الظلم الاجتماعي والفقر والبطالة… إلخ.

فهم الإسلام الحقيقي لن يتحقق إلا بما يأتي:

فهم دلالات القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وما يتعلق بها حسب علم أصول الفقه، والمنظومة المقاصدية.

فقه الميزان، كما فصله فقه الميزان.

منهاج الشريعة (لِكُلّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةً وَمِنۡهَاجًاۚ) (المائدة/84).

الحكمة وهي الفطرة السليمة والعقل المستقيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر