في ظل التطور المتسارع لعالم التكنولوجيا وتزايد أهميتها ودخولها في كل مناحي ومجالات الحياة، لاسيما في المجال العسكري الأمني، لوحظ أيضًا تطورًا لافتًا للقدرات التكنولوجية والتقنية لدى كتائب القسام، والتي تعد الأكبر عددًا وعدة وتنظيمًا على الساحة الفلسطينية، في مواجهة قدر الإمكان للوحدات الاستخبارية الرقمية الإسرائيلية.

حيث إن أجهزة الأمن الإسرائيلية باتت إحدى أقوى الأجهزة الاستخباراتية في العالم عسكريًا وتكنولوجيًا، وعلى صعيد المعلومات الرقمية، فيما أضيف لهذه الأجهزة جهاز أمني رقمي يسمى (سايبر) الذي يتولى مهمات (الوقاية والهجوم والدفاع) وقاية الأنظمة المعلوماتية الأمنية لدى مؤسسات دولة الكيان العسكرية الأمنية وغيرها، كما يتولى مهمة الدفاع عن الأنظمة المعلوماتية والاتصالية في حال تعرضها لهجوم معادٍ، بالإضافة إلى شن هجمات معلوماتية استخباراتية.

رفاهية سايبر الصهيونية

وتتمتع هذه الوحدة بصلاحيات كبيرة وميزانيات عالية، كما توفر لها قيادة دولة الكيان مستوىً عاليًا من الرفاهية والراحة حتى داخل بيئة العمل في منافسة مع شركة (Googel) على العقول والخبراء في عالم الرقميات والتكنولوجيا، من أجل إعطاء إنجازات ترتقي لمستوى الرفاهية الموفرة لهم، بالإضافة إلى كونها عملية إغراء للخبراء من أجل العمل في هذه الوحدات الاستخبارية، حيث ارتفعت نسبة العاملين في هذه الوحدة من 4٪ منذ تشكيلها قبل 15 سنة إلى 25٪ من مجموع القوى العاملة في (الشاباك) الصهيوني، مع الأخذ بعين الاعتبار التطور الدراماتيكي في الأفراد (عددهم، وأدائهم)، ومستوى القوة ككل وإمكاناتهم.

تحدِ القسام مع فارق الظروف

كل ما سبق من تطور وحدة سايبر الصهيونية وإمكانياتها وموازناتها ورفاهيتها، يعكس مدى قسوة التحدي والجهد الواقع على عاتق المقاومة على بساطتها وتواضع عدتها وشح مواردها، بل انعدامها لوجستيًا في ظل الحصار الخانق المضروب على غزة منذ 12 سنة  من أجل بلوغ شيء من المجال الاستخباري الرقمي لدى دولة الكيان الهالك بإذن الله.

لم تمنع تلك الهوة التكنولوجية الرقمية ما بين المقاومة والاحتلال من امتلاك المقاومة استخبارات تخوض في عالم الاستخبارات الرقمية، وتجاري شيئًا من تكنولوجيا الاحتلال وصولًا إلى تشكيل وحدة سايبر قسامية، بغية تنفيذ ذات المهام من وقاية ودفاع وهجوم إلكتروني رقمي مع فارق الوسائل والأساليب، وكثيرًا ما سمعنا عن هجمات إلكترونية استهدفت أنظمة المعلومات والاتصالات لدى الاحتلال، وكلنا شاهدنا اختراق المقاومة لبث قنوات صهيونية لبث رسائلها وتوجيهاتها وأوامرها وإرشاداتها للجبهة الداخلية الصهيونية خلال حربي 2012 و2014؛ مما سبب انهيارًا كبيرًا للجبهة الداخلية، وتعطيلًا للمطارات والمباريات والكثير من مناحي الحياة، ناهيك عن اختراق هواتف الجنود الإسرائيليين وحواسيب وسيرفر وزارة الحرب الإسرائيلية، بالإضافة إلى اجتياح عالم السوشيال ميديا وإيقاع جنود الاحتلال بأفخاخ الغرام عبر «إنستجرام» وغيرها عبر حسابات وهمية للحصول على معلومات عسكرية تفيد المقاومة وخططها.

وخلال الأعوام الأخيرة بتنا نلمس تطورًا ملحوظًا لدى المقاومة استخباراتيًا وأمنيًا على صعيد إحباطها للعديد من العمليات الفاشلة للاحتلال، وعلى صعيد تفكيكها لملابسات جرائم الاحتلال في عمليات الاغتيال السرية التي تنفذها وحداته الخاصة مستخدمين أجهزة اتصالات متطورة دقيقة صغيرة الحجم من تصوير أو تنصت أو تشويش، بمساعدة عملائه على الأرض وبمشاركة طيران الاستطلاع الحربي، لكنه بفضل الله وبفضل يقظة ومهنية رجال المقاومة يتم حل لغز الصندوق الأسود لهذه العمليات الإسرائيلية الأمنية المعقدة، ومنها تفكيك لغز اغتيال الشهيد مازن فقها، وعملية استهداف موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله، وغيرها مما نجحت المقاومة في إحباطها.

المقاومة بالمرصاد ترقبهم وحد السيف يمزقهم

ظن قادة الاحتلال الإسرائيلي أنهم بتفوقهم الباهر وتطورهم الاستخباراتي التكنولوجي الرقمي  الصارخ أنهم سينجحون في اختراق أنظمة المعلومات والاتصالات الآمنة السرية الخاصة بالقسام والسيطرة عليها من خلال تنفيذ قواته الخاصة في جهاز الشاباك الصهيوني لعملية أمنية استخبارية معقدة، باستخدام أحدث أنظمة التجسس في العالم وأكثرها تطورًا ودقة، إلا أن المقاومة كانت له بالمرصاد، فاكتشفت تسلل القوة الخاصة واحبطت مخطط أهدافها الخطيرة واشتبكت معها بشراسة وخاضت بحد السيف معركة اسطورية فقتلت قائد القوات الخاصة، ثم طوقت إحدى مجموعتها لولا تدخل فريق إنقاذ دولي جوي شاركت فيه عناصر إنقاذ مدربة من عدة دول كان مجهز مسبقًا بطائرات حربية قامت باستهداف كمين الكتائب بغارات كثيفة متتالية مستخدمة سياسة الأرض المحروقة؛ لإنقاذ القوة المتسللة المحاصرة بعد أن سقط منها العديد من القتلى والجرحى، ثم قامت الطائرات الحربية بقصف منطقة الاشتباك واستهداف مخلفاتهم والعربات المستخدمة في نقل القوة ومعداتها للتخلص من آثار تدل على القوة أو أفرادها أو أي معلومات تتعلق بها، نظرًا للخطورة العالية لأي معلومة تتعلق بالقوة الاسرائيلية من عدة جوانب.

انتهت الاشتباكات النارية الصاخبة على الارض بهزيمة مدوية لدولة الكيان، وبقي خلف الكواليس الكثير من الأسرار والخفايا ما يعتبر معركة بحد ذاتها، ثم استهدفت الكتائب باص الجنود الإسرائيلي، وقصفت المقاومة مجتمعة في غرفة عمليات مشتركة، المغتصبات الاسرائيلية في البلدات والمدن المحاذية لغزة، فهدمت عدة بنايات صهيونية مخلفةً عددًا من القتلى والجرحى في صفوف المغتصبين، ثم تنتهي الجولة بانتصار للمقاومة أيضًا وهزيمة مدوية للاحتلال مجددًا.

ولم تنتهِ المعركة بعد، بل إنها تبدأ للتو، لكن هذه المرة بوجه آخر، إنها معركة عالم التكنولوجيا، أو إن شئت فسمها معركة السايبر، وهنا نرجع إلى الخلف قليلًا، حيث الكواليس التي استمرت ما بعد انتهاء الاشتباكات بين المقاومة والقوات الخاصة، تحديدًا عند الأجهزة التجسسية التكنولوجية التي كانت بحوزة القوة الإسرائيلية التي استهدفتها طائراتهم المقاتلة؛ إخفاءً وحرقًا لآثار الجريمة وحفاظا على معلوماتهم المتعلقة بأفراد القوة وأهدافها – فاطمأنوا لأنهم تخلصوا من الأدلة – لكن الكلمة هنا هي كلمة كتائب القسام التي عودتنا دومًا على مفاجآتها للعدو والصديق، فتخرج بصور شخصية لعناصر الخلية الاستخبارية التي كانت تساعد القوة الخاصة المتسللة إلى غزة، وتنشرها إلى العلن، مشركة الجمهور في مساعدتها بأية معلومات حول المطلوبين المختفين.

جن جنون قادة دولة الاحتلال، وبدت حيرتهم حول كيفية وصول المقاومة الفلسطينية إلى كل هذه المعلومات والصور، رغم قصفهم وتخلصهم من الدلائل، وسارعت لحظر تداول صور الخلية الاستخبارية السرية من الإنترنت وكافة وسائل الإعلام والصحف العبرية، نظرًا لخطورة هذه الصور على العمليات والمهام الاستخبارية الإسرائيلية السرية، ليس في فلسطين فقط، وإنما في الشرق الأوسط والعالم، فيما لا تزال صحف عربية ومحللون إسرائيليون يتساءلون بدهشة واستغراب عن كيفية تمكن المقاومة من الوصول لهذه الصور، صارخين بفشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في حماية افرادهم ومعلوماتهم، ومعترفين بعجز قادة حكومتهم أمام عقلية المقاومة الفلسطينية المتنامية.

ويأتي إعلان الكتائب بأنها تمكنت من العثور على العديد من من مخلفات القوة الخاصة واغتنامها لسلاح قائد هذه القوة بعد قتله، وأنها عثرت على بعض أجزاء الأجهزة الإلكترونية التي تم قصفها، في إطار تحديها لاستخبارات الاحتلال وعقليته وتقنياته وغروره أيضًا، وقد تكون استطاعت بالفعل من إعادة تجميع شيئ من هذه الأجهزة بغية الوصول لأي طرف خيط أو معلومات تتعلق بعناصر العدو وأهدافه، الأمر الذي زاد ثقة وفخر الشعب الفلسطيني لمقاومته التي تسجل الانتصارات تلو الانتصارات.

وتبقى حقيقة أن مقاومة تحصد نجاحات وانتصارات، رغم قسوة المؤامرة عليها ومحاربتها، حتمًا لديها المزيد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات