عندما يرقص حاجي قاسم

نقل موقع روسيا اليوم RT خبرًا عن كشف شبكة “بلومبيرغ” الأمريكية أنباء بشأن تقارير استخباراتية دولية تفيد بأن إيران بدأت سحب قوات الحرس الثوري من العملية العسكرية في سوريا وأوضحت بأن قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني أصيب بجراح، وربما قتل خلال معارك في ريف حلب.

لم تكن المرة الأولى التي يذكر فيها اسم الجنرال قاسم أو حاجي قاسم كما يدعى بين مقاتلي الحشد الشعبي في العراق بل كانت صورته هي غلاف مجلة النيوزويك Newsweek في ديسمبر 2014 بعنوان جانبي (قاتل في البداية أمريكا والآن يسحق داعش) وكلمة واحدة بعرض الغلاف (انتقام) .

يتردد اسمه كثيرًا في أخبار متناثرة حول معارك الحشد الشعبي والجيش العراقي ضد داعش في معارك الموصل أو تحرير الشمال من سيطرة تنظيم الدولة أو حول نجاح للمليشيات الموالية للأسد وقوات حزب الله في استعادة مدن من أيدي تنظيم الدولة أيضًا في سوريا.

من طهران شرقًا إلى دمشق غربًا يمتد نفوذ ذلك الرجل الذي يعد ذراع النظام الإيراني ويد خامنئي في المنطقة، وبرغم إعلان إيران تسلم قاسم سليماني حقيبة وزارية فإن هذا الرجل هو عرّاب فرق الموت العراقية مهما اختلفت تسمياتها ومذاهبها وعرّاب أغلب ساسة العراق من الذين يرتبطون بإيران واسمه يكون حاضرًا دائمًا مع كل أزمة سياسية .

يصفه إيلي شلهوب – الباحث في شؤون الشرق الأوسط والمتخصص بملفات إيران والعراق وسوريا‏ – في مقال بعنوان (الجنرال الأسطورة: بعضٌ من حكايات الحاج قاسم سليماني) بأنه أسمر اللون رفيع البنية حادّ الملامح. هادئ الطباع. يعشق البساطة. أيضا يستطرد بأنه براغماتي يجمع المتناقضات دون أن يجرح أحدًا أو يتخلى عن أي من مبادئه. إذا جلست معه تشعر وكأن الناس كلهم جُمعوا في رجل. وكأن دهرًا قد جُمع في ساعة، لما تختزن عيناه من تجارب ومواعظ .

يظهر في اليوتيوب حكيمًا تارة في فيديو متحدثا باللغة العربية يوصي بالوالدين وطاعة الله، ويظهر في فيديو آخر ممسكًا بسلاحه يرقص وسط مجموعة جنود على أنغام عراقية احتفالًا بأول انتصار حقيقي على داعش من قبل قوات الحشد الشعبي.

 

القائد الشبح

أطلق ديكستر فيلكنس في مقالته بالنيويوركر على قاسم سليماني القائد الشبح وذكر أنه ولد في 1955 مدينة “رابور” محافظة “كيرمان” الإيرانية لأب يعمل مزارعًا، وأتمم شهادة الثانوية العامة وعمل في بلدية كرمان للمياه، وكان يقضي وقته بعيدًا عن العمل في صالة رفع الأثقال لبناء جسده الضئيل، وفي رمضان كان يحضر إلى خطب مبشر متجول اسمه حجة كامياب من تلاميذ الخميني تعلم منه مبادئ الثورة الإسلامية.

وعندما قامت الثورة الإسلامية في 1979 وسقط شاه إيران وأعلن آية الله الخميني قائدًا للثورة الإسلامية (الشيعية) انضم قاسم للحرس الثوري في سن الثانية والعشرين، كانت مهمته في حرب إيران مع العراق إمداد الجنود بالمياه، وأرسل مع رفاقه للجبهة في مهمه لمدة 18 يومًا ولكنها امتدت حتى الآن.

كان رفاقه ينتظرون عودته من خلف خطوط العدو كل مرة حاملًا معزة فوق كتفيه كعشاء للجميع وبعد فتره عين كقائد لفيلق (41 ثأر الله)، في التسعينيات عين قائدًا للحرس الثوري في محافظته “كرمان” على الحدود الأفغانية وبرع في عمليات تهريب المخدرات من أفغانستان إلى تركيا عبر الأكراد مما جعله على دراية بالمنطقة جغرافيا وإقامة العلاقات مع العشائر الكردية، في 1998 تم تعيينه قائدًا لفيلق (القدس) خلفًا “لأحمد وحيدي” مدير عملية (إيران – كونترا).

في عام 1999 كان “سليماني” واحدًا من 24 قائدًا للحرس الثوري الذين قاموا بتهديد “خاتمي” لوقف ثورة الطلاب أو تنفيذ انقلاب ضده بقواتهم، استطاع فيلق القدس بقيادة قاسمي تكوين ولاءات عميقة مع عدد من الساسة العراقيين حتى أصبحت موافقة سليماني على عدد كبير من القرارات السياسية العراقية أمرًا حتميًّا فخلف كثير من القرارات والاجتماعات السياسية والعسكرية العراقية التي تتخذ، سليماني يجلس في الغرفة المجاورة.

في 2007 كان مرشحًا بقوة لقيادة الحرس الثوري خلفا لـ “يحيى صفوي” ولكن الصراع قد لاح في الشرق بعد اغتيال “عماد مغنية” القائد العسكري لحزب الله في 2008 والذي أشرف قاسم على فريق التحقيق في عملية اغتياله، وفي 2011 قام مرشد الثورة علي خامنئي بترقية سليماني من لواء إلى فريق في الحرس الثوري، وأطلق خامنئي على سليماني لقب “الشهيد الحي”.

 

وشهد شاهد من أهلها

في لقاء خاص بالتلفزيون “العربي”، تحدث الرئيس الإيراني الأسبق، أبو الحسن بني صدر، عن ظروف تشكيل قوات الحرس الثوري في إيران، إبّان الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979، وأبرز المهمة الرئيسية لهذه القوات، والتي أطلق عليها أيضًا “قوات القدس” و”حرس الباسداران”، فقال “شكلت إيران قوات القدس لغرض التدخل في شؤون الدول الأخرى، فهذه القوات تعمل خارج حدود إيران، هذا وارد في تعريف مهام هذه القوات، وإذا ما راجعتم الصحف في إيران الآن؛ فهي تنشر إشادات بحق قاسم سليماني، ويروجون أنه الرجل الأول في الشرق الأوسط بأكمله، وأن تنظيم داعش يرتجف خوفًا منه”.

تولى سليماني قيادة فيلق القدس في عام 1998 وهو أحد أجنحة الحرس الثوري الإيراني إلا أنه يتبع في رئاسته مكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية مباشرة، يكتنف الغموض فيلق القدس مما أحاطه بهالة من السحر والقوة المناسبتين تمامًا لتحقيق أهدافه، فهو جهاز يجمع في عمله بين العمل العسكري والاستخباراتي السياسي، يعمل الفيلق بشكل أساسي خارج إيران مصدرًا للثورة الإيرانية ومحافظًا على المصالح الإيرانية بأي ثمن أو كلفة. يعمل الفيلق بشكل رئيسي في العراق حيث كون خلايا متشعبة ومتعددة التسميات بعضها وحدات عسكرية صغيرة أغلبها شيعي وبعضها سني تدعمه ماديًّا.

قوات الفيلق جزء رئيسي من وحدات الحرس الثوري الإيراني، وتقدرعدد عناصره بنحو 25 ألف عنصر، ومهمتها الرئيسية هي القيام بواجبات استخباراتية وتأسيس الحركات المسلحة وغير المسلحة ذات الغطاء الديني ودعمها وخاصة في لبنان واليمن والعراق وأفغانستان والبحرين، وكذلك الإشراف على تنفيذ عمليات سرية نوعية، كالاغتيالات وتفجير الأماكن والمقرات والسيارات وغيرها.

 

مستشار بغداد

ينسب لقاسم الدور الأكبر في عمليات تمكين المليشيا الشيعية في العراق من السيطرة على مقدرات الأمور الأمنية، كما أسهم في قيام «جيش المهدي» بزعامة السيد مقتدى الصدر، كان هذا الجيش جماهيريًّا، سمته الرئيسية الفوضى، فضلًا عن تدثر الكثير من الرعاع في عباءته، فكان لا بد من فصائل أكثر احترافية، عرفت في ما بعد بعصائب أهل الحق وحزب الله التي يؤكد العارفون أنها نفذت القدر الأكبر من العمليات ضد الأمريكيين، وخاصة العبوات المزروعة على جوانب الطرق.

في عام 2007 كانت الولاية الثانية لجورج بوش قد قاربت نهايتها. وقتها، أدرك الأمريكيون أن تحالفهم مع الشيعة لن يدوم طويلًا، في ذاك العام أيضًا، حصل اللقاءان الشهيران في بغداد بين سفيري أمريكا وإيران ريان كروكر وحسن كاظمي قمي برعاية وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري. في تلك المحادثات، يروي أن السفير الإيراني كان يغادر الغرفة باستمرار. كان كروكر يعلم، أن قاسم كان في الغرفة الثانية. في لحظة ما من المفاوضات، قال كروكر لقمي: رجاء أبلغه بأني مستعد للاجتماع به مباشرة، هذا يوفر وقتًا عليّ وعليه. ابتسم قمي وتابع مناقشاته مع كروكر من دون أي تعليق.

بقيت الحال مع الأمريكيين بين شد وجذب، إلى أن دخل عام 2011. وقتها، كان على الأمريكي، بحسب المعاهدة الأمنية الموقعة مع العراق (سوفا)، أن يغادر بلاد الرافدين في آخر يوم منه. أدى دورًا محوريًّا في الضغط على الاحتلال لجعل بقائه في العراق كارثة. وفي الوقت نفسه، ضغط على القوى العراقية لضمان ألّا تنزلق إلى موافقة تبقى فيها بضع قواعد عسكرية أمريكية في البلاد. كان العمود الصلب خلف رفض بغداد إعطاء الجنود الأمريكيين أي حصانة إن بقي بعضهم في العراق، فكانت النهاية السعيدة بمغادرة الاحتلال ذليلًا دون قيد أو شرط، بل تحت مظلة أمنية إيرانية لكي يؤمن خلفيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد