عامر العروقي 66
عامر العروقيعامر العروقي 66

921

خياران لا ثالث لهما أمام دولة بحجم قطر. الأول إما الانطواء تحت جناح دولة إقليمية كبرى، والثاني الدخول في تحالفات مع قوى دولية عظمى، هذه الخيارات التي تقف أمام الدول الصغيرة التي تحلم بأن يكون لها رؤية استراتيجية وتحقق أملها المنشود، لكن بحكم الواقع تحافظ على نفسها وتأخذ أحد الخيارين المذكورين سلفًا.

قطر كسرت كل القواعد المفروضة عليها بحكم الجيوسياسية ووقوعها بين قوتين إقليميتين متناقضتين – السعودية * إيران – وتغلبت على مساحتها البالغة 11.521 كم² وإدارة علاقاتها بكل توازن وحافظت على أمنها واستقلال قراراتها السياسية، بل وانتزعت اعترافًا دوليًا وإقليميًا بدورها، في بداية الأمر انطوت تحت جناح السعودية كقوة إقليمية، ودخلت في تحالفات مع قوى عظمى مثلما فعلت مع اتفاقيات دفاع مع الولايات المتحدة 1992 واحتضانها للقاعدة الأمريكية في العديد عام 2002 فيما بعد، لكي تتمكن من الحفاظ على بقائها في ظل النظام الدولي المبني على فكرة أساسية مفادها أن الدول الصغرى لا وجود لها وغير مهمة وهامشية تسبح في فلك القوى الكبرى من جيرانها بحكم الجيوسياسية البنيوية المفروضة عليها.

وبعدما رأت قطر نفسها واقعة بين كلتا الدولتين المتسارعتين للهيمنة على المنطقة، أرادت أن يكون لها دور ريادي وأن لا تكون تبعًا لأحد، «بسبب الموقع الجيوسياسي الحرج لقطر طورت ما يشبه بقانون البقاء لسياستها الخارجية، فعندما تتعرض للضغط من إيران تلتحق بالسعودية وعندما تكون السعودية مصدر الضغط توازنها قطر بالتقارب مع إيران، أما عندما تكون الفرصة مواتية نتيجة انكفاء السعودية وإيران فتتخلى قطر عن استراتيجيتها وتتبع سلوكًا هجوميًا مكاسبه متعاظمة وهو ما فعلته خلال فترة الربيع العربي 2011-2013».

وهنا يمكن القول إن قطر تجاوزت حدودها كدولة صغيرة واتبعت سلوك الهجوم بدلًا من الدفاع، وهو ما قد يكلف الدولة ذات الحجم المشابه لقطر خسارة فادحة لكن الطرق التي اتبعتها قطر في هجومها تكلل جلها في انتزاع الاعتراف الدولي بدوره رغم انكفائها مؤخرًا لكن أحدث فارقًا في المنطقة، في ظل النظريات المتعارف عليها نجاح بحد ذاته، وطالما توفرت العوامل المادية والفكرية النخبوية والإدارة الحكيمة – القدرة والرغبة – فذلك سيكون سهلًا للتغلب على المساحة المفروضة وتعويضها بالعلاقات الخارجية والسياسة الاستقلالية.

فحرب الخليج الثانية كانت بمثابة إعلان استقلال السياسة الخارجية القطرية المتمثلة بغزوة العراق لدولة الكويت حيث أظهرت هشاشة الحماية السعودية للدولة الصغيرة في الخليج وأعطت سابقة جديدة لدول المنطقة بأن دولة عربية تحتل دولة عربية أخرى مما زاد مخاوف قطر بسبب الصراع الحدودي عام 1992 بينها وبين السعودية لأن السعودية تعتبر قطر منطقة من الأحساء السعودية مما يؤثر على بقاء قطر الدولة وليس الحكام.

ومنذ ذلك الحين استطاعت أن تتخلص من هيمنة السعودية والحفاظ على سياسة متوازنة معها في ظل إطار جامع لبلدان الخليج (مجلس التعاون)، أما بنسبة لإيران فهي بمثابة أزمة أمن قومي لبلدان الخليج رغم اختلافاتهم الداخلية، خصوصًا وأن إيران دومًا ما تحاول تصدير ثورتها ونظامها واتباع الإمامة والمد الشيعي، هذا أيضًا أحد الأسباب المهمة التي دفعت قطر للتخلص من التبعية والبحث عن سياسة مستقلة لضمان أمنها واستقلالها، ولقد مثل استقلال قطر المالي باعتمادها على الغاز المسال أهم ركيزة لاستقلال قرارها السياسي، واتباعها استراتيجيتها الناعمة في الهجوم والدفاع مثل الإعلام والثقافة والفكر والمساعدات المالية والمؤسسات الخيرية والدعم اللوجستي لبعض الأحزاب وشركات الاستثمار العالمية، وكان رأس الحربة في هذه الوسائل هو الإعلام المتمثل (قناة الجزيرة)، وأيضًا نجاح قطر في الدخول وسيطًا في المصالحة الفلسطينية بين حماس وفتح.

على المقابل كانت هناك علاقات تجمعها مع إسرائيل كواقع في المنطقة، كما تدخل وسيطًا بين الرئيس اليمني عبد الله صالح آنذاك والحوثيين في الحروب الست، وتوسطت في حرب السودان من دارفور إلى صراع وانفصال الجنوب، وتدخل وسيطًا في حل أزمة الطائرة لوكربي المتهم بها الزعيم الليبي معمر القذافي، وفتحت مكتب تمثيل لطالبان في قطر لتسهيل التواصل بين الولايات المتحدة، هذه السياسة تخلت عنها قطر إبان ظاهرة العربي وظهور ما يسمى محور الاعتدال بقيادة السعودية ومحور المقاومة بقيادة إيران.

قطر في هذه الوضعية الحرجة فضلت دعم المد الثوري للشعوب المطالبة بالتغيير والعدالة الاجتماعية فدعمت التيارات الإسلامية الأكثر تنظيمًا ساعدها في ذلك ضعف الأحزاب التقليدية الأخرى، مدت يد العون للثوار في سوريا ضد نظام الأسد وتدخلت عسكريًا في ليبيا ضد نظام القذافي، وأيدت نظام حكم محمد مرسي في مصر، وتدخلت بمحدودية ضمن قوات التحالف العربي في اليمن، لكن سرعان ما اضمحلت مساعي قطر في التغير بسبب التدخلات الإيرانية والسعودية وتخلي الإدارة الأمريكية – أوباما – عن تبني رؤية واضحة.

وما زاد الأمر سوءًا مجيء ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة حيث زف بشريات حصار قطر في يونيو/ يوليو (حزيران/ تموز) الماضيين، مما مكَّن قطر من النأي عن الصراعات التي بدأت تطفو إلى السطح وسارعت للبحث عن قوى إقليمية أخرى تتنافس مع إيران في المنطقة تكون قبلتها سواحل قطر المطلة على الحدود الإيرانية بعد محاصرة السعودية لها، كانت تركيا هي الدولة الأكثر ملاءمة لوضع انسحاب السعودية من السياسة الخارجية القطرية وبعد فقدان مصر تبلور لدى تركيا وقطر فكرة الحليف الجديد ألا و هو السودان المعزول منذ سنوات عن العالم العربي، خلاصة القول إن قطر استطاعت أن تحفر لها مكانًا بين الأمم والقوى الدولية في اتباعها استراتيجيات ناعمة تغلبت من خلالها على ضيق مساحتها.

الفكرة مستوحاة من دراسة للدكتور مروان قبلان بعنوان «سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك