تقوم قطر بدور قيادي لنفسها في الدبلوماسية الدولية – لا سيما في ضوء الأحداث الأخيرة في أفغانستان – من خلال سياستها الخارجية القائمة على الوساطة. ويحدث هذا بعد – وعلى الرغم من – ثلاث سنوات من الأزمة السياسية والدبلوماسية بين الرباعية (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) وبين قطر.

وتبدو دبلوماسية الدوحة في وضع أفضل – ومؤثرة – اليوم أكثر مما كانت عليه قبل اندلاع صدع مجلس التعاون الخليجي في عام 2017. ويكشف هذا كيف ظلت السياسة الخارجية القطرية على حالها على الرغم من الضغوط؛ مما أدى إلى إقامة تحالفات وإستراتيجيات مستقلة.

ومنذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركزت قطر على الوساطة لتأكيد مكانتها الدولية. ولهذا السبب، فإن جهود الدوحة الدبلوماسية الأخيرة في أفغانستان ليست مفاجئة.
ومع ذلك، وبخلاف الماضي (على سبيل المثال، الوساطة القطرية في اليمن، ولبنان، والسودان)، تقف دبلوماسية قطر في أفغانستان الآن عند مفترق طرق لعبة جيوسياسية أوسع تشمل معظم اللاعبين الإقليميين والدوليين: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وإيران، وتركيا، وباكستان، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وذلك للاستشهاد بالأكثر تأثيرًا بين هذه الجهات.

وتُبنى هذه النافذة الدبلوماسية على السياسة الخارجية المستقلة التي استمرت قطر في ممارستها على الرغم من الأزمة التي قسمت مجلس التعاون الخليجي – وهو خلاف سياسي أعيد تشكيله رسميًا في يناير (كانون الثاني) 2021 مع «إعلان العلا».

وفيما يتعلق بأفغانستان، تستفيد الدوحة في الواقع – على الأقل حتى الآن – من خيارها المحفوف بالمخاطر عام 2013، عندما سمحت لطالبان بفتح مكتب سياسي للدخول في محادثات مع الولايات المتحدة التي تستضيف، منذ عام 2018، زعيم طالبان الملا عبد الغني بردار. وكانت الدوحة في وقت لاحق مكانًا للمحادثات الأفغانية والمفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، والتي أسفرت عن توقيع «اتفاقيات الدوحة» في عام 2020.

لذلك فليس من قبيل المصادفة أن قطر كانت الدولة العربية الوحيدة التي دُعيت، في 30 أغسطس (آب) 2021، إلى الاجتماع الافتراضي الذي نظمته الولايات المتحدة لمناقشة مقاربة منسقة بعد الانسحاب الأمريكي من كابول. وقد نجحت قطر حتى الآن في تقديم نفسها على أنها الميسر الرئيس – وربما الوسيط – بين مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة ذات المصالح في أفغانستان.

كما تعززت نافذة قطر الدبلوماسية في أفغانستان من خلال القدرات اللوجستية والعلاقات الأمنية ووسائل الإعلام. وكانت القاعدة الجوية الأميركية في العديد ومطار الدوحة بالغة الأهمية أثناء الانسحاب العسكري الأمريكي ورحلات الإجلاء المدنية من العاصمة. وإلى جانب تركيا، ترسل قطر مساعدة فنية مدنية لإعادة فتح مطار كابول الدولي.

وفضلا عن ذلك فإن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وهولندا تعمل على نقل بعثاتها الدبلوماسية الأفغانية إلى الدوحة. وفي غضون ذلك، تلعب قناة الجزيرة ومقرها قطر دورًا بارزًا في تغطية الصور والتصريحات الأولى لطالبان في كابول. ومن حيث النفوذ الإستراتيجي، تعد قطر اليوم أفضل دولة ضمن دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بأفغانستان.

وتمكنت الدولة الخليجية الصغيرة من موازنة العلاقات مع طالبان والولايات المتحدة في نفس الوقت، لتصبح وسيطًا موثوقًا به بين الأطراف المتصارعة.
وليس من المستغرب أن تكون الرحلة الأولى التي وصلت إلى مطار كابول منذ انسحاب الولايات المتحدة من قطر.

ولعبت الدولة الخليجية الصغيرة دورًا كبيرًا في جهودها لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص من أفغانستان. والآن، تطلب الولايات المتحدة والدول الأوروبية من الدوحة المساعدة في تشكيل الخطوة التالية لأفغانستان حيث كانت وسيطًا منذ فترة طويلة بين الغرب وطالبان. ومن ثم اختار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين قطر في أول رحلة له منذ استيلاء طالبان على السلطة، حيث يسعى إلى تشكيل جبهة موحدة مع الحلفاء الذين اهتزتهم الفوضى.

وكان دور قطر غير متوقع إلى حد ما. وكان من المفترض أن تكون الدولة التي يزيد عدد سكانها قليلًا عن 300 ألف نسمة نقطة عبور لبضعة آلاف فقط من الأشخاص الذين يتم نقلهم جوًا من أفغانستان خلال فترة زمنية تمتد لعدة أشهر.

وبعد استيلاء طالبان السريع المفاجئ على كابول في 15 أغسطس، تطلعت الولايات المتحدة إلى قطر للمساعدة في تحمل عمليات إجلاء عشرات الآلاف في جسر جوي فوضوي وعاجل.

وفى النهاية كانت قطر، التي تستضيف اكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الاوسط، بوابة رئيسة لنحو 55 الف شخص تم نقلهم جوا من افغانستان، وهو ما يقرب من نصف الاجمالى الذى اجلت القوات التى تقودها الولايات المتحدة بعد انتصار طالبان السريع وسط انسحاب أمريكى.

كما تمكن المسؤولون القطريون من إجلاء فريق روبوتات يضم جميع الفتيات وأكثر من 250 طالبًا وموظفا بالإضافة إلى صحافيين يعملون في وسائل الإعلام الدولية. وفي حين تصر إدارة بايدن على إنكار الفشل المأساوي لعملية الإخلاء، وتنامي عدم الثقة بين حلفاء الناتو بشأن القيادة العالمية للولايات المتحدة، حازت قطر على إشادة قيادتها من واشنطن العاصمة.

ولكن الاعتراف الدولي والشهرة التي حصلت عليها قطر لا يأتي بين عشية وضحاها. ويقول الدكتور أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في كلية كينغز كوليدج في لندن، إن طالبان أصبحت على مر السنين تعترف بقطر كوسيط محايد وموثوق به، مما يوفر للدوحة شبه احتكار للوصول إلى المجموعة.

وأقامت الدوحة على مدى العقد الماضي علاقات متوازنة مع القيادة السياسية لطالبان حيث استضافت مسؤولي طالبان في المنفى ومكتبهم السياسي. وبصفتها حليفًا للولايات المتحدة، أصبحت قطر وسيطًا موثوقًا به، حيث بدأت مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية المنهارة وطالبان.

وتوسطت الدوحة في صفقة تبادل الرهائن منذ سبع سنوات بين الولايات المتحدة وطالبان، مما أتاح الإفراج عن الأمريكي بوي بيرجدال. ويحاول المسؤولون القطريون، بينما يحثون طالبان على تشكيل حكومة شاملة و«معتدلة»، إقناع الولايات المتحدة والشركاء الغربيين بالتعاون مع الحكام الجدد لأفغانستان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد