كانت المصالحة القطرية مع قيادة الانقلاب العسكري في مصر والتي حدثت –وبظروف غامضة – برعاية سعودية خاصة، وما تبعها من غلق قناة الجزيرة مباشر مصر كخطوة لاحقة على تلك المصالحة، كانت قد أعطت إشارة قوية إلى ذلك التحول اللافت الذي بدا يرسم ملامح الدور القطري في المنطقة، بيد أن هذه الحادثة ليست إلا نقطة تحول بارزة في مسار التراجع الذي بدا يعتري ذلك الدور في تعاطيه مع التفاعلات الدينامية على مستوى الإقليم، لا سيما بعد تنحي الأمير حمد بن خليفة آل ثاني عن الإمارة لابنه تميم قبيل انقلاب درامي شهده مسار التوازنات الإقليمية التي تشكلت في المنطقة بعد اندلاع الثورات العربية، وإزاء هذه الإشارة اللافتة فإنه ينطلق سؤال فيما إذا كان الدور القطري يشهد تراجعات تكتيكية أو أن ذلك الدور يتعرض إلى تحول إستراتيجي كبير؟

 

فقطر تلك الدولة ذات المليون مواطن المطلة على شواطئ الخليج العربي، كانت علامة فارقة بوجودها في حسابات التوازنات الإستراتيجية الحساسة في واحدة من أكثر أقاليم العالم تعقيدًا واضطرابًا وتداخلًا مع حسابات كل القوى العالمية الرامية إلى التربع على قمة الهرمية الدولية وهو الشرق الأوسط، كما أن قطر مثلت الإشارة الرائدة والوحيدة الباعثة على الدهشة، تلاشي مفاهيم الموقع والسكان والقوة العسكرية في قياس قوة الدولة ومدى فاعلية القوة الناعمة في الإقليم الذي لم يعهد في تفاعلاته معيارًا غير القوة الصلبة والتحولات الدينامية القاسية.

 

فبعد أن أطاح الأمير حمد بن خليفة آل ثاني بأبيه في العام 1995، شرع بشق طريق قطر ليجد لها موطئ قدم راسخة وقوية في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، الذي كانت توازناته حكرًا على القوى الإقليمية الكبرى فيه، ابتدأ ذلك بشروعه بتأسيس قناة الجزيرة الفضائية في 1996 بميزانية ضخمة وصلت بدايات تأسيسها إلى 137 مليون دولار، وبأهداف طموحة لبناء صرح إعلامي ينافس الإمبراطوريات الإعلامية الـعالمية، فلوحات دعايتها القائلة (العالم يتابع الـCNN والـCNN تتابع الجزيرة) ليس إلا دليلا على ذلك، ومع الحرية التي تركت للسياسة التحريرية لتلك القناة فقط استطاعت أن تحقق نجاحًا باهرًا في الإعلام العربي، سلط الضوء على تلك الإمارة الراسية على شواطئ الخليج.

 

ووظفت قطر إمكاناتها الاقتصادية الضخمة القائمة على تنويع اقتصادها وجذب الاستثمارت إليها، وكذلك عدم اعتماد اقتصادها على النفط حصرًا، بل طورت إمكاناتها من الغاز الطبيعي اذ غدت قطر ثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم وتمتلك 14% من احتياطات الغاز فيه، ولقد ساعد ذلك في سعيها إلى انشاء علامة عالمية لها، وهو ما ساعد كثيرًا في دعم دورها الناشئ في الشرق الأوسط.

 

كم ساعد ذلك لتكون الدوحة عاصمة قطر مركزًا جاذبًا عبر سخائها في استضافة المؤتمرات العلمية والفنية، فقد استضافت مباحثات منظمة التجارة العالمية في 2001 التي سميت جولة الدوحة، ولعل أبرز ما منحها موقعها الاقتصادي المتميز هو نشاطها الفاعل في ميدان الرياضة؛ فقد جذبت الدوحة استضافة جولة الألعاب العربية والآسيوية وفازت باستضافة كأس العالم في العام 2022، ولقد حولت هذه النشاطات الدوحة لأن تكون عاصمة عالمية حقًا.

 

ولقد وظفت قطر زخم جميع العوامل السابقة لبناء دبلوماسيتها الذكية في الشرق الأوسط والتي تمثل مفتاحًا وركيزة لبناء دورها الفاعل في المنطقة، فلقد أقامت قطر علاقات عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية جاذبة بذلك سمعة أمنية نهائية في المنطقة المضطربة، إذ تؤوي قطر قاعدة العديد الجوية التي تحوي مقر القيادة المركزية الأمريكية التي أدرات من خلالها حربي أفغانستان والعراق، كما تؤوي الدوحة قاعدة السيلية التي تعد أكبر موقع للتخزين اللوجستي المسبق للقوات الأمريكية خارج أراضيها، ومع أن هذه العلاقة منحتها ثقلا دافعًا إلا أنه يمكن القول أن الدبلوماسية القطرية قامت على ركيزتين أساسيتين منحتاها القوة.

 

الأولى متمثلة باتباع قطر سياسة (المشي على الحبل الحاد) وإقامتها علاقات مع أطراف متضادة في المنطقة، فبالرغم من كونها تؤوي مقر القيادة المركزية الأمريكية إلا أنها اليوم تؤوي مكتبًا لحركة طالبان الأفغانية التي تقاتل القوات الأمريكية في أفغانستان، واستضافة مؤتمر القمة الإسلامية قبيل الحرب على العراق 2003، وبالرغم من كونها كانت تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل وكان للأخيرة مكتب تمثيل تجاري فيها (أغلقته الدوحة في العام 2000 بعد أحداث الانتفاضة الثانية) إلا أنها كانت تقيم علاقات قوية مع حركة حماس وحزب الله اللبناني، ولم يمنعها كونها عضوًا في مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تقيم علاقات ممتازة مع إيران التي تمتلك معها حقلا مشتركًا من الغاز الطبيعي.

 

هذه السياسة جعلتها مركز قوة يمكنها امتلاك خيوط مع الأطراف المتصارعة التي تظهرها بمظهر الصديق للكل، أما الركيزة الثانية في دبلوماسيتها فقد تمثلت بأن أظهرت الدوحة نفسها بمظهر الوسيط في النزاعات المعقدة التي تمتد من الصحراء الغربية ومرورًا بليبيا ودارفور وفلسطين وأريتريا وأثيوبيا ولبنان واليمن، هذه السياسة أعطت للدبوماسية القطرية مركز قوة يجعلها شريكًا مرحبًا به في حل الأزمات المعقدة والتي تأخذ طابعًا دوليًا.

 

بيد أن الدور القطري وجد أمامه الفرصة السانحة لتدشين موطئ قدم راسخة في معادلات التوازن في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، كان ذلك باندلاع الثورات العربية وتداعي أنظمة كانت توصف تقليديا بأنها اللاعب الأقوى في ذلك النظام، فمستعينة بسياسة (مساندة الشعوب في نيل حريتها) دعمت قطر خلع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، وتصاعد ذلك الدور بشكل ملفت بعد اندلاع الاحتجاجات في ليبيا وإقدام القذافي على إعلان حرب مكتملة الأركان على الجزء الثائر من شعبه.

 

إذ قادت قطر حراكًا مكثفًا وصل إلى حد طرد ليبيا من الجامعة العربية في سابقة لم تحدث منذ 1979، ومشاركة طيرانها في الحظر الجوي الدولي فوق ليبيا ودعمت تسليح المعارضة الليبية حتى الإطاحة بالقذافي، ومع اندلاع الصراع في سوريا تشكلت على مدى العامين التاليين للصراع صيغ توازنية واضحة أعادت سياسة المحاور إلى المنطقة.

 

كانت قطر هذه المرة إحدى ركائز الصيغ التوازنية المتشكلة، والتي تشكلت أعمدتها بوقوف كل من تركيا مصر والسعودية وقطر وبدعم أمريكي أوروبي مع المعارضة المسلحة في مواجهة نظام الأسد الذي اصطف معه في المواجهة إيران وحكومة المالكي في العراق ولبنان في إطار دولي أوسع، قادته كل من روسيا والصين، ولقد كانت قطر عنصرًا فاعلًا في هذه التوازنات عبر دعمها للمعارضة هناك وقيادة حراك دبولماسي إقليمي ودولي لعزل الأسد، وقد رعت توحيد قوى المعارضة المشتتة بكيان واحد متمثل بالائتلاف الوطني السوري، وبذلك كانت قطر تدشن لنفسها دورًا رئيسيًا في المنطقة يصعب تجاهله.

 

لكن الدور القطري الصاعد إقليميا، والذي كان نتيجة لحراك سنوات كان قد تعرض إلى ما يشبه (الارتطام بالحائط) تمثل ذلك بمجموعة الأحداث التي أدت إلى تداعي التحالف الفاعل المواجه لنظام الأسد وإيران بالدرجة الرئيسة، فبعد تنازل الأمير حمد آل ثاني عن الحكم لابنه تميم حدث انسحاب قطري ملفت من الساحة، تبعه الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي وتعرض تركيا لتحديات مهددة، تمثلت بأحداث تقسيم، بالتزامن مع تصاعد حراك البيروقراطية التركية المعروفة بالدولة العميقة والتحدي الحقيقي الذي هدد حزب أردوغان من قبل حليفه السابق فتح الله كولن، وتغيير السعودية لبوصلة اهتماماتها الخارجية، وبالتزامن كان على الجانب الآخر يتنفس حلف إيران الصعداء بعد التقارب الأمريكي الإيراني في مفاوضات الملف النووي الإيراني، والمكالمة التي وصفت بالتاريخية بين الرئيسين روحاني وأوباما، سيما بعد تراجع الولايات المتحدة عن تهديدها بتوجيه ضربة عسكرية لنظام بشار بعد تنازل الأخير عن ترسانته الكيماوية، كل ذلك كان يؤشر لتداعي الحلف السعودي التركي القطري بشكل مدهش.

 

بيد أن الأمر لم يتعلق بتداعي صيغة توازنية معينة، بل كان الدور القطري في عهد تميم بن حمد آل ثاني يعود القهقرى وينحسر، فحليفتها تركيا وجدت نفسها في عزلة في المنطقة، واندفعت السعودية والإمارات – التي ملأت فراغ قطر – سيرًا باندفاعة شديدة لمواجهة كل ركائز الدور القطري، فقد دعمتا بقوة قائد الانقلاب العسكري في مصر، وتشير معلومات إلى تورط الإمارات في عمليات عسكرية ضد ثوار بنغازي دعمًا للانقلابي خليفة حفتر، وفضح تورطها في أحداث داخلية تركية ضد أردوغان، في الوقت الذي بدت السعودية والإمارات تقود دول مجلس التعاون الخليحي لممارسة الضغوط على قطر لتغير من أهداف وتوجهات سياستها الخارجية في المنطقة التي تبدو إلى حد كبير استثناءً من توجهات دول مجلس التعاون.

 

كل ذلك كان يجري وقطر تخفف من دورها وتفاعلاتها مع الأحداث تفاديًا للضغوط الممارسة نحوها وخشية من مخرجات اللعبة، بيد أن تلك الضغوط وصلت ذروتها بسحب سفراء كل من السعودية والامارات والبحرين من قطر، ومع تمدد تنظيم الدولة (داعش) وتشكيل تحالف دولي لمواجهته، وجدت قطر نفسها للتقارب للاستجابة لتلك الضغوط خشية عزلها تمامًا عن المنطقة، وفي ذلك شهد الدور القطري انحسارًا كبيرًا أدى في النهاية إلى تحول ذلك الدور تجاه مصر مع احتمالية تغييره في المنطقة عمومًا.

 

كل هذه المعطيات التي تشير إلى أن الدور القطري يملك تأثيرًا في مسار الأحداث لكنه لا يملك أوراقًا يواجه بها ضغوط حلفائه في المنطقة، وهو ما أدى لأن يشهد ذلك الدور انحسارًا ضيقًا كانحسار النهر الذي يحمل احتمالية كبيرة لتعرضه لتحول إستراتيجي مهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد