الشيء الوحيد الذي يميز العرب عن باقي شعوب الأرض هو إجادتهم في محاصرة بعضهم البعض!

قرأنا في كتب السير حصار بني هاشم في شعب أبي طالب من قبل أشقائهم العرب، فلم نصدق من هول الحدث والظلم الذي مورس ضد الأبرياء في ذلك الشعب. كما رأينا حصار العرب للعراق الشقيق، والنتيجة كما نرى اليوم، ولا ننسى حصار السودان حتى اللحظة، نفس السيناريو نشاهده في اليمن. تحاصر مليشيات الحوثي مدينة تعز اليمنية! لا لشيء، إلا لأنها رفضت مشروع الإمامة الهمجي. وفوق هذا وذاك نرى أنظمة عربية تحاصر غزة! وأخيرًا، يحاصر العرب قطر العربية المسلمة لا لشيء، إلا لأنها وقفت إلى جانب المظلومين، وتجير من استجار بها، وتؤمن الخائف. لو يستطيع العربي منع الهواء عن شقيقه لمنعه! حتى التعاطف مع قطر أصبح جريمة يعاقب عليها القانون! لكن، علمتنا قطر أن الوقوف في وجه الظلم وعدم الرضوخ له في زمن الانبطاح والنفاق السياسي والأخلاقي هو الطريق الأمثل لتحرير الشعوب من العبودية، والظلم، والقهر، والغبن.

لم ترضخ قطر للضغوط التي مُورست ضدها من قِبل أشقائها في دول الإقليم. حشدت بعض دول الخليج جزر موريشيوس، أول مرة نسمع عنها، والمالديف، وموريتانيا، وجيبوتي، واليمن، ومصر ضد قطر. كما قامت هذه الدول بإغلاق المجال الجوي والبري والبحري! وطردت سفراء قطر. بل وكالوا الاتهامات لقطر بالجملة. اتهموها بالإرهاب، ودعم حركة حماس، والتآمر على دول الإقليم. لم تتوقف التهم عند ذلك الحد، بل ألغوا مشاركتها في عماليات التحالف العربي، وقد رأينا جنود دولة قطر وهم يغادرون مدينة نجران السعودية ودموعهم تنهمر. لم تتأثر قطر بهذه الحملة الظالمة. دعت قطر أشقائها في الخليج العربي إلى الحوار، وقالت إنها لن ترد بالمثل.

استطاعت قطر أنّ تمتص الصدمة، وتجري اتصالات مع الدول العظمى. وفوق هذا وذاك يتحرك حلفاؤها الأتراك ويصوت البرلمان التركي في لحظات، ويقرر إرسال جنود أتراك فورًا إلى دولة قطر. ويخرج الشعب التركي إلى الشوارع ويقول لست وحدك يا قطر! أيضًا، رفض وزير خارجية المانيا معاقبة قطر وطالب دول الخليج بالتهدئة. كما أن روسيا طالبت بحل القضايا العالقة بالحوار.  أمّا بالنسبة للحظر الجوي فقد أتى الرد من قبل الاتحاد الدولي للطيران IATA في أقل من 72 يرفض قرار إغلاق المجال الجوي ويطالب دول الخليج الثلاث برفع الحظر فورًا، وبهذا تكون قد قدمت قطر لحكام العرب درسًا بالغ الأهمية في الدبلوماسية، وهو أنه لا يمكن أن تُحل القضايا العربية العالقة إلا من خلال الدبلوماسية والحوار، وليس من خلال الاستعراض العسكري والتهديدات غير المجدية.

نعرف جيدًا أن قطر تنهج سياسة واضحة وتنحاز لمطالب الشعوب العربية، وسخرت كل طاقاتها من أجل إسعاد المواطن العربي ونصرة المظلوم، ولذلك، من الطبيعي أن تدفع الثمن اليوم. لكن، على دول الخليج الذين قاطعوا قطر أن يعرفوا جيدًا أن قطر  دولة ذات سيادة، وليس من صالحهم الضغط عليها في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها منطقتنا العربية المكلومة. كل الإجراءات التي قامت بها بعض دول الخليج تجاه قطر لا تصب سِوى في صالح العدو الحقيقي للعرب والذي هو إسرائيل وايران. نخاف أن يتحقق مخطط لويس برنارد وتتقسم المنطقة بسبب سياسة بعض مراهقي دول الخليج. على من نسق ونظم للحملة الجائرة على قطر أن يأخذوا الدروس والعبر من موقف المندوب البريطاني في مصر مكماهون حين كان يشجع الشريف حسين بن علي على مهاجمة الأتراك، وبمجرد تدمير الخلافة العثمانية، تقاسم الحلفاء المنطقة، ووجهوا له طعنة غادرة وما اتفاقية سايكس بيكو منا ببعيد. نأمل أن لا ينزلق الأشقاء في الخليج في نفس المستنقع الذي سقط فيه الشريف حسين، بعدها لن تقوم لهم قائمة وستضيع دول الخليج وتتقسم، ولن ينصرهم من يشجعهم اليوم على الإقدام على خطوات كهذه، وسيجدون أنفسهم في خانة العزلة، إذا لم يتداركوا الوضع الحالي قبل فوات الأوان. نأمل أن تنفرج الأزمة الخليجية اليوم قبل الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد