صرّحت السّيدة سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة التّونسيّة علنًا بما كان يهمس به سرًّا وأكّدت يقينًا ما كان تخمينا: البلاد التّونسيّة ما تزال محتلّة وتحت بنود الحماية الفرنسيّة فكيف تمكّن مروّجو وهم الاستقلال من الضّحك على ذقون البسطاء وكيف تمكّن الاستعمار من تغيير جلده والمرور إلى مرحلة الاستحمار؟

أعلنت السّيدة سهام بن سدرين يوم 6 مارس (آذار) 2018 أنّها توصّلت إلى وثائق أرشيفية ثمينة تثبت أنّ لفرنسا الحقّ الحصري في التصرّف في ثروات تونس، اتّفاقيات أبرمت عام 1955 تتعلّق باستغلال فرنسا لكل خبايا الأرض من نفط وملح وماء وفسفاط وغيرها من الاتّفاقات دون إلغاء هذه الاتّفاقيات التي مازالت سارية المفعول، وبشكل استعماري.

وبالعودة إلى وثيقة الاستقلال الدّاخلي الّتي وقّعت في 3 يوليو (حزيران) 1955، والّتي تضمّنت 90 صفحة، وكان فحواها منح بعض الصّلوحيات المحدودة للحكومة التّونسية مع احتفاظ فرنسا بالتحكمّ في الثّروات النفطية والاستخراجية وهي لم تلغ اتّفاقية الحماية الموقّعة في 1881 وحتّى وثيقة الاستقلال التام الموقّعة في 20 مارس 1956 (صفحة واحدة) فهي لم تقطع نهائيًا مع الاتّفاقيّات السّابقة بما يجعلها ساريّة المفعول والهدف من ذلك هو الحفاظ على مصالح فرنسا أوّلًا وأخيرًا وجعل تونس بلدًا تابعًا وسوقًا استهلاكية وعاجزًا على النّهوض تنمويًّا واقتصاديًّا.

عيد النّصر.. أيّ نصر؟

 ويذكر أنّ  الزّعيم بورقيبة عاد إلى تونس في 1 يونيو 1955 بعد منفاه الافتراضي في فرنسا (لمدّة ثلاثة سنوات وخمسة أشهر)  بعد أن أجرى صفقة مع القوى الاستعمارية، حسب ما يقول معاصروه حينما كان الكفاح المسلّح صدّ المستعمر في أوجه، فاستقبل استقبال الفاتحين والأبطال في مشهد مهيب وكرنفال عجيب أعدّ له مسبّقًا، هي مسرحيّة تمّ إخراجها في فرنسا حيث أجهد المجاهد الأكبر نفسه في التدرّب على امتطاء الحصان كفارس مغوار خبر  الصّعاب! ولعلّنا نتذكّر أنّ الزّعيم صالح بن يوسف كان أعلنها بأنّ ما تمّ هو خيانة عندما خطب في جامع الزيتونة، وقال وبالحرف الواحد: الحبيب بورقيبة خائن، وأنّه قام بصفقة مع الغرب الاستعماري، وأن ما يسمّيه بالاستقلال الداخلي لم يكن سوى خطوة إلى الوراء، كما أضاف بجملة واحدة: بورقيبة عميل للغرب وعدوّ للعروبة والإسلام%.

وكان لا بدّ لبورقيبة كزعيم أوحد صنع على أعينهم أن يتخلّص منه ومن عديد القيادات الوطنيّة الّتي أخلصت للوطن وغرّدت خارج السّرب ولم تسبّح بحمده.

يعتبر الحبيب بورقيبة مثالًا للحاكم العربي النرجسي المصاب بجنون العظمة، والّذي اختزل الدّولة والوطن والتّاريخ في شخصه.. مركزيّة ذاتية متضخّمة وجدت فيها المركزيّة الغربيّة المهيمنة أفضل خادم لتنفيذ مشروعها التوسّعي باسم التّحديث والتحضير في نظرة دونية لمجتمعات ما وراء البحار المتخلّفة وإنكار لخصوصياتها، بل تصادم وقطيعة مع سيرورتها التّاريخية وإنكار لمعطى المكان والزّمان.

بورقيبة الّذي قاد نضالاته وهو يرتديالبيجاما أو في فترات استراحة واستجمام في احدى المنافي الفرنسية من فئة الخمسة نجوم حين يقتضي الظّرف تلميعه، هذا الحداثي العصابي الصّدامي حقّق للمستعمر ما لم يقدر عليه مباشرة خلال 75 سنة من الحماية!

هو من حرّر تونس وأخرج المستعمر وأسّس الدّولة المدنية الحديثة، حرّر المراة ونشر التّعليم وألحق تونس بركب الحضارة والتقدّم، يقول المتحمّسون لما يسمّونه بالفكر البورقيبي أو المدرسة البورقيبية مع أنّ تلاميذ هذه المدرسة لم يحرّكوا ساكنًا حين انقلب عليه الجنرال بن علي ووضعه تحت الحجر الصحّي وحبسه طيلة 13 سنة، ويضيفون عبارتهم الشّهيرة بأنّه من قضى على القمّل، ويبدو أنّه نزعه من رؤوسهم ليستقرّ في عقولهم.

ماذا أنتج المشروع البورقيبي؟ أو مشروع التّحديث القسري، أو الاستيطان الثّقافي النّيو كولونيالي.. دولة تابعة لا تملك حقّ تقرير مصيرها أو التحكّم في ثرواتها.. مجتمع مفكّك منهار قيميا، يشهد أكبر نسب الطّلاق والانتحار واستهلاك الخمور وتصدير قوارب الموت وحتّى الدّواعش.. تهميش  وتفاوت مناطقي وجهوي وحكم بعقلية المخزن والغنيمة، مشروع أنتج فشلًا، والغريب أن يصرّ البعض على أن يكرّر نفس الفشل وينفخون في العجل مجدّدا عسى يسمعون له خوارًا!

وقد يكون من الإجحاف ربط كلّ هذا الفشل ببورقيبة الّذي لم يكن سوى الصّنم الأكبر الّذي نحته المستعمر الأجنبي ونفخ فيه، وهو حتّى وإن غيّب مع انقلاب بن علي أو مات سيبقى صنمًا يحتاجه ويلجأ إليه كلّما برزت بوادر صحوة أو محاولة استنهاض أو تحرّر من استعمار غيّر جلده وتحوّل إلى استحمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد