(بعض الآيات في القرآن الكريم غير صالحة لكل زمان ومكان) هذه التدوينة التي نشرتها في صفحتي على (فيسبوك) أحدثت ضجة كبيرة بين أصدقائي ومعارفي، وكثير منهم اتهموني بالزندقة، وكانت معظم تعليقاتهم تنتقد بحده مضمون التدوينة، ومعظم الردود تدل على أن أصحابها يتحدثون بعواطفهم وكانت بعض الردود تفتقد للعلمية والمنطق وتفتقد للحجة والبرهان العقلي والنقلي… في هذا المقال سأحاول ما أمكن دفاع عن رأي بطريقة علمية تتوافق مع المنطق والعقل (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )… إن هذا الكتاب (القرآن الكريم) يهدي إلى الطريق، ولكنه لا يمكن من نفسه إلا الذين يقبلون عليه بأذهان مفتوحة.

نبدأ على بركة الله بالإشكالات الآتية:

الناسخ والمنسوخ: قال تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، يقول المفكر محمود محمد طه في كتابه (الرسالة الثانية من الإسلام): (إننا عشنا دجلا كبيرا في قضية الناسخ والمنسوخ)، وهذا المفكر قال إن الزمن هو الذي ينسخ  أي أن ظرف الزمن هو المتحكم في نسخ الاحكام والآية المنسوخة تتطور بموازاة تطور الإنسان، فمثلا الامر الذي يتعلق بالرجال والنساء في القرآن المدني لا توجد مساواة بين الرجال والنساء: (الرجال قوامون علي النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، إلى قوله: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن)، القرآن المكي كان منسوخًا بالقرآن المدني (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) لهن من الحقوق مثل ما عليهن من واجبات هذه الآية تعطي النساء فرصة المساواة بالرجال… وأيضًا آيات تحريم الخمر تم نسخ حكمها حيث يقول تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) وقد نسختها آية: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه)… من هنا يمكن أن نقول ان الايات التي نسخت لا تصلح لتشريع في المستقبل، بل تبقى وظيفتها تعبدية فقط، أي أنها غير صالحة لكل زمان ومكان.

ظرف الزمان والمكان والبنية الثقافية والفكرية للمجتمع: قال عز وجل (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، الأحكام الشريعة المستنبطة من القرآن الكريم تحكم بظرف الزمان والمكان، بحيث لا يمكن في زماننا هذا تطبيق العديد من شرائع التي تم تطبيقها في العصر النبوي أو عصر صحابة أو تابعين؛ لأنها تتناقض مع واقعنا ومع البنية الفكرية والثقافية لإنسان هذا العصر فمثلًا الكثير من الأمور ليست أصلا في الإسلام، ولا يمكن تطبيقها في القرن الواحد والعشرين نذكر بعضها: ( هنا سأحاول أن أقدم أدلة تعطل الآيات التي جاءت بهذه التشريعات).

· تعدد زوجات: يقول تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )، ويقول أيضًا: ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)، من هذه الايات يتبين لنا أن تعدد ليس أصلًا في الإسلام، بل هو نتاج ظروف مجتمعية كان يعيشها مجتمع الجزيرة العربية، وكانت المرأة في هذا المجتمع لا اعتبار لها، وكان الرجل الوحيد يتزوج العشرات من النساء ويستغلهن أبشع استغلال حتى جاء الإسلام وأطرها وجعل لهم الحق في تعدد بشرط ألا يتجاوز أربع نساء لكل رجل قادر على مصاريفهم وله القدرة على المساواة بينهم، لكن الأصل هو أن الرجل كله للمرأة كلها.

· الجهاد: يقول عز وجل (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، من هذه الآية نستنتج أن الجهاد ليس أصلًا في الإسلام، لكن الأصل هو الدعوة إلى الله بطرق سلمية بحيث لا يرغم أحد على الدخول لهذا الدين بالقوة، الإسلام في الأساس قائم على نبذ العنف والقتل بغير حق يقول تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).

· عدم المساواة بين الرجال والنساء: يقول سبحانه (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، المساواة التامة بين الرجل والمرأة هي الأصل في الإسلام لأنه كل انسان يحاسب لوحده يقال في أحد الأمثلة الشعبية المتداولة في المغرب (كل شاة تعلق من كراعها) يعني كل إنسان مسؤول عن أفعاله، سواء كان رجل أو مرأة.

العديد من الأمور ليست أصلًا في الإسلام لا يتسع المجال لذكرها، مثل الرق والطلاق والحجاب وعدم الاختلاط.

في الأخير أختم هذا الجزء بما ختم به المفكر محمود محمد طه كتابه حيث قال: (من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصليها، لتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلًا، وإنما هو يتحدث عن نفسه فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: أما أن يكون الإسلام كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادرًا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع وفي مضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفدت وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم، ومع ذلك فإن المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد