«تحالف ثم تصادم».. هذا هو ملخص العلاقة التاريخية بين أكبر كتلتين صلبتين في المجتمع المصري وحقيقتها؛ الإخوان المسلمين والعسكر، هذه العلاقة التي امتدت لما يزيد عن ستين عامًا، يرتفع فيها منحنى التعاون ثم يتهاوى، إلى أن وصل الأمر يوم الأربعاء 14 أغسطس 2013 إلى منتهاه حيث قتل العسكر ما يزيد عن أربعة آلاف من أنصار الرئيس الشرعي المنتخب -بحسب تقديرات الإخوان-، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الخشن بين الطرفين.

فخلال ستين عامًا تقريبًا تذبذبت العلاقة بين الطرفين، إلا أن العامل الأكثر استمرارًا في هذه العلاقة هو الحذر وتجنب الصدام، وإن استقر في ضمير الطرفين أن التحالف الدائم بينهما –أو ربما الاندماج على نحو ما- وانتقال العلاقة من خيار الصدام أو في الحد الأدنى: التعايش، أمر صعيب المنال إن لم يكن مستحيلًا، ويؤكد ذلك ما رصدته من مراحل ترسم العلاقة بين الطرفين بعد الخروج من السجون في وسط سبعينيات القرن الماضي، وهي العلاقة التي يحكمها الضابط السابق ذكره «تحالف ثم تصادم» وتكاد لا تخرج عنه.

وفي ظل تدهور ملحوظ وكارثيٍّ سياسيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا في الداخل المصري، وتراجع لشخصية مصر الاعتبارية إفريقيًّا وعربيًّا وعالميًّا، بات البحث عن مخرج من الأزمة التي تخنق البلاد أمرًا ملحًّا، لا يمكن تأخيره أو التهاون معه لأن الوقت ليس في صالح الوطن.

وقد يبدو أن الطرف المسيطر على الحكم –العسكر- هو المعني بهذا الحديث، لكن أيضًا الإخوان معنيون بهذا الكلام تمامًا وبالمقدار نفسِه، فالمصلحة الوطنية كانت جزءًا لا يتجزأ من عوامل اتِّخاذ القرار داخل الجماعة فضلًا عن تكوين عقلها الجمعي ومنهجها الفكري على مرِّ تاريخها، فمصلحة الوطن العليا إذن يجب أخذها في الاعتبار عند كل تحرك بل ينبغي وضعها في أول سُلَّم الأولويات، وأن نخاطب الضمير الوطني لدي الطرفين، وأن يَعِيَ الجميع أن لا عيش في ظل هذا الوضع المتردي والسقوط المروع لعوامل قيام الدولة المصرية واستمرارها.

وهنا يأتي التساؤل المحوري: كيف يمكن الخروج من هذه المعادلة الصعبة -الصفرية- بأبعادها السياسية والاقتصادية، وقبل ذلك وبعده بأبعادها الأخلاقية التي قسَّمت البلاد فعلًا إلى شعبين، ووصلت بنا إلى هذا التمييز الممنهج أو ما يسمى باللحظات «البيروميرية»([1]) في فرنسا، والحالة المكارثية في أمريكا، وكيف نتجاوز هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ البلاد دون الوقوع في الخيارات السيئة من حربٍ أهلية، أو سقوطٍ للدولة المصرية؟

يطرح هذا المقال بعض النماذج الممكنة وأخرى مطروحة بقوة على مائدة هذا الحقل الأكاديمي، لحل هذه المعادلة بين الإسلاميين والعسكر، والانتقال إلى علاقة تحالفية مستدامة، ومن المهم لفت انتباه القارئ الكريم إلى أنني أقوم هنا بتحليل، وتوقع لما يمكن أن يكون نموذجًا للحل، لا  أنني أتبنى أحد هذه الحلول وأدعو إليها، وهذه النماذج تتمثل في:

أولًا: النماذج التعاونية

  • نموذج عمود الخيمة (العالم والأمير).
  • نموذج نصف الكوب الممتلئ.

ثانيًا: النماذج الأحادية

  • نموذج الثورة الخضراء.
  • نموذج الجمهورية العسكرية الثانية.

ونناقش هنا العوامل المؤهلة لقبول كل نموذج من النماذج السابقة، وعوامل نجاحه لدى كل طرف من الطرفين الرئيسين في معادلة الصراع في البيئة المصرية، وكذلك عوامل رفضها. كما نتطرق إلى النظر في العوامل الداخلية؛ الفصائلية والتراتبية لدى كل طرف، وكيف يعالج العقل الجمعي القيادي والقاعدي لدى كلٍّ في قبول هذه النماذج أو رفضها.

والمدقق في الحالة المصرية بعد مرور ثلاث سنوات من عمر الانقلاب العسكري يدرك بوضوح أن لا حل يمكن فيه تجاوز هاتين القوتين المتصارعتين، فالإخوان يتمتعون بما يمكن أن نصفه بالقوة الناعمة، ويتمتع العسكر بالقوة الصلبة، والإخوان ليست لديهم القوة الصلبة التي يمكن أن يهزموا بها العسكر بشكل حاسم، كما أن تجربتهم في الحكم جعلت كثيرين من الشعب المصري غير المسيسين، فضلا عن قطاع لا بأس به من الإسلاميين، يفقد جزءًا كبيرًا من ثقته في قدرة الإخوان على إدارة دولة في وضع مصر الجيوسياسي، بعد تجربة حكمهم السابقة.

وأما العسكر فبرغم تمتعهم بالقوة المسلحة –الثقيلة- الوحيدة بالبلاد، وبسيطرته على قوة الشرطة، وبنفوذ اقتصادي وشعبي أيضًا، فإنه لم يستطع أن يحسم الأمر بعد مرور هذه السنوات الثلاث، لأسباب عديدة، منها أن قطاعًا كبيرًا من الشعب المصري حقًا  قد تجاوز حد الخوف الرهيب الذي كان يسيطر عليه، وحد اللامبالاة الذي صنعه شعوره بالعجز عن التغيير في ظل غياب أدواته السلمية المشروعة وظهير قوي يقف به أمام قوات الأمن الغاشمة، و كذلك غياب الظهير الدستوري والقانوني الحقيقي الذي يمكن الاحتماء به لا منه، وتتحمل مسؤوليته مؤسسة قضاءٍ عادلٍ مستقلٍ، ولعل شخصية السيسي نفسها أحد أهم أسباب فشل العسكر في تحقيق انتصار حاسم على قوة مدنية شعبية غير مسلحة كالإخوان المسلمين.

فما ثم إذن إلا الخروج من المأزق بأحد خيارين: أن يعطي الإخوان البيعة للعسكر فيحكم من خلاها ويكونوا ظهيرًا شعبيًّا مؤيدًا لهم، أو يتم تراجع الطرفين خطوات للوراء ويرضى كل منهما بجزء من طموحاته في سبيل ألا تضيع كلها، هذا باعتبار أن الخيارين الآخرين أقل قربًا من موافقة الفواعل المتشابكة في الأزمة داخليًّا وخارجيًّا.

 

…………………

[1] تعبير اقتبسه ألفريد ستيبان عن كارل ماركس  في دراسة له بعنوان» الثامن عرش من برومير للويس بونابرت«، وسيأتي لاحقًا،  ألفريد ستيبان، Rethinking Military Politics، ص 10

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد