في ظل حالة الصراع التي تمر بها مصر على مستوى الدولة والمؤسسات والمجتمع، وفي ظل حاجتنا الحقيقية إلى استعادة الدولة المصرية التي انحرفت عن مسارها التاريخي والوطني والقومي، وبدلًا من الإفادة من تطور آليات إدارة الصراع بما يؤدي إلى زواله أو تخفيف حدته، زاد انحرافها لا سيما في الآونة الأخيرة، بات البحث عن مخرج لأزمتنا أمرًا مصيريًّا لا يمكن التهاون فيه، أو التغافل عن عامل الزمن الذي يزيد كل يوم من شيخوخة الدولة، وهشاشة بنيانها السياسي والمجتمعي الأمر الذي يدق ناقوس الخطر، فعلى الجميع الانتباه.

إن تكوين دولة عصرية ذات مقوماتٍ حقيقة، ورؤى طموحةٍ، ومؤسساتٍ فاعلة، وأخلاقياتٍ سامية، لا يتم إلا في مناخٍ من السلم المجتمعي والتضافر السياسي، والتدافع الفكري، وبدون توفير هذا المناخ وهذه البيئة المناسبة فإن آمال الشعب المصري في حياة كريمة ودولة حضارية متقدمة، بل دولة مستقرة، ستتلاشى، ويتحمل النصيب الأكبر الآن قوى الصراع  وأطرافه.

إننا بحاجة ماسة من الأطراف الداخلية وهما الكتلتان الصلبتان المتنازعتان: العسكر والإخوان،  والفواعل الدولية الإقليمية والدولية، إلى: «سلوك عقلاني يهدف إلى تفادي الصراع مع طرف معين أو أطراف محددة، بغية إحلال السلام والوئام والانسجام مع الجهات التي قد تكون سببًا من أسباب التوتر والقلق، وإقناع الآخرين بأن النزاع والحروب يؤديان إلى الكثير من الخسائر المادية والبشرية»(1) وهو ما طرحه المفكرون والباحثون تحت عنوان «حرب اللاعنف»،  ولما كان العسكر هم أصحاب القوة الصلبة التي تتمثل في السلاح والتنظيم والعسكري الرسمي، فإن سقف المطالبة معهم سيرتفع، إذ إنهم يضمون إلى ذلك النفوذ والسلطة، فإننا بحاجة إلى «ممارسة حضارية تفرض على الجهة التي تعتمدها في حلِّ مشكلاتها وصرعاتها مع الآخرين انتهاج أساليب إنسانية سلمية، تعتمد على التهدئة والمهادنة والتنازل عن بعض الحقوق في سبيل التوصل إلى حل النزاعات التي تحقق طموحات ومصالح الأطراف المتخاصمة دون اللجوء إلى العنف كخيار لحل المشكلات والأزمات»(2)

والأمر لا يقف عند حدِّ الأزمة السياسية والفكرية، بل إن الأزمة الأخلاقية التي يمر بها المجتمع المصري غير مسبوقة، تعيد إلى أذهاننا فترة الأربعينيات في أمريكا والحالة المكارثية التي سادت البلاد آنذاك نتيجة الصراع الأمريكي الروسي، فأصبح الشك محور الحياة ومرشدها، وأصاب جسد الإعلام مرض التخوين والعمالة للروس، وانعكس ذلك على سلوك المواطنين ، وأزعم أن الحالة التي وصل إليها المجتمع مصر تفوق هذه الحالة بكل المقاييس، إنها حالة «صيفيًّة»، يحرق فيها لهيب الشمس جلود المعارضين، إننا في حالة تطهير سياسي، وحالة تطهير أيدلوجي، نشأ عنها تمزق أخلاقي وانحدار قيمي لا أعلم كيف ستتم معالجته وكم سيستغرق من الوقت.

وكل هذا يضغط على الطرفين للبحث عن بدائل لحسم الصراع بشكل أو بآخر حسمًا تعاونيًّا أو حسمًا أحاديًا تصادميًا، وماجت الساحة السياسية في الفترة السابقة –ولا تزال- بمحاولات التوصل إلى حلول للخروج من الأزمة،  وهو ما دفع الباحث للمساهمة بالبحث كمشاركة إيجابية في حل هموم الوطن، وتحليل النماذج المقترحة، والتفكير في نماذج قد تكون جديدة، وتقييمها .

وليس أمام هذه الكتل المتصارعة إلا طرق من الطرق التالية، كما تشير الدراسات والأدبيات التي تناولت أمثال هذا الصراع:

*التحول: وفيه تنسلخ إحدى القوتين عن أفكارها ولو جزئيًا لتستطيع التأقلم مع الوضع الضاغط، وتتراجع للخلف للحفاظ على البقاء، وهو ما يمثله هنا النموذج الأول: العالم والأمير أو عمود الخيمة.

*التسوية: وفيه تكاد تتكافأ القوتان الأمر الذي يدفع إلى تقديم تنازلات والاكتفاء بالمقدار الذي تحقق من أهداف، ويمثله نموذج نصف الكوب الممتلئ.

*الإجبار اللاعنيف: حيث ينتصر أحد الأطراف ويحقق أغلب أهدافه ويجبر الثاني على القبول بالوضع القائم، ويمثله هنا النموذج الرابع: مبضع الطبيب.

*التفكك أو الانهيار: يقوم أحد الطرفين المتصارعين بالإجهاز على قوة الطرف الثاني، بقوة تؤدي إلى تفككه وانسحاقه، وربما إعادة تشكيله على هوى المنتصر، ويمثله هنا النموذج الثالث: الثورة الخضراء.

أي أننا في محاولة للإجابة عن التساؤل: ما نماذج الحلول الممكنة التي يمكن أن تحقق تسوية مستدامة بين جماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية المصرية، للمحافظة على كيان الدولة المصرية واستقرارها السياسي والمجتمعي؟، كما أننا نجد أنفسنا أمام  تساؤلات أخرى من قبيل:

هل يمكن أن يشكل الإخوان المسلمون رافعة دينية واجتماعية وسياسية للمؤسسة العسكرية؟.

ما احتمالات قيام ثورة خضراء -إسلامية- في مصر؟

هل يقبل مؤيدو الشرعية بعامل عقلاني وحل برجماتي يمثله تسوية ما، تكون سبيلًا إلى حضورهم في الحياة السياسية والمجتمعية مرة أخرى، وما حدود هذه التسوية؟

هل يحقق العسكر الانتصار والاستئصال بمبضع الطبيب، ويدشنون الجمهورية العسكرية الثانية؟

 

ونهدف هنا إلى تحليلِ العلاقات بين قيادة الجيش والإسلاميين، وتعرُّف العوامل والمساقات التي تسهم في اتخاذ كل طرف لقراراته وتتحكم فيها، وتحليل البيئة السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية للتوصل من خلالها إلى معرفة النماذج الممكنة لحل الازمة، وتقييمها.

كما نحاول تقديم نماذج الحلول المتاحة للأزمة المصرية، وأشكال تسوية الخلاف التاريخي بين الإخوان والعسكر، تسوية مستدامة، في نماذج مقبولة، تعود بالدولة المصرية إلى استقرارها السياسي والمجتمعي.

كما نحاول فهم الحراك الداخلي-الفكري والتنظيمي-  الفصائلي والتراتبي داخل كل طرف من أطراف الصراع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1)  Russell B., Peace and Non-Violence in the west London, 1982, 2nd Ed., P. 51
(2) Gene Sharp, Creative conflict in Politics, (Extending Horizons Books, Porter Sargent Publishers Inc.,1973
عرض التعليقات
تحميل المزيد