تكلمنا في المقالات الخمس السابقة عن الحلول التي يراها الكاتب ممكنة بين الإخوان والعسكر في مصر، واليوم نختم هذه الدراسة بآخر هذه النماذج الممكنة.

ثانيًا: النماذج الأحادية

  • نموذج الثورة الخضراء.
  • نموذج مبعض الطبيب.

 النموذج الثالث: نموذج الثورة الخضراء

في عام 1979 قامت الثورة الإيرانية الإسلامية الأولى في القرن العشرين، وربما منذ عدة قرون، وكانت ملهمة لكثير من الحركات الإسلامية الديناميكية، لاسيما في مصر والعالم العربي، واكبت هذه الثورة صحوةٌ إسلاميةٌ عظيمةٌ، انتشرت بين ربوع الشباب في الوطن العربي، وكانت لها تاثيراتٌ هائلةٌ على فكر الحركة الإسلامية نظريًّا وعمليًّا، وتمنى الإسلاميون أن لو انتقلت هذه الثورة إلى بلادهم باستنساخ ظروفها ونتائجها، وهو ما لم يحدث، لكن الحُلم ربما لم يُنسَ بالكلية في الضمير الإسلامي، لسببين:

الأول: خَفَّفَ من حِدَّة هذا الدافع، التقدمُ العريض والمستمر للإسلام الحركي بمنحنىً متسارع بين أوساط المجتمع، لاحقه تقدم للوضع السياسي، غرس الأمل في تكوين الإسلاميين لحلم الدولة الإسلامية من خلال الطريق الديمقراطي الرسمي بعيدًا عن نموذج «الثورة» وما تحمله من مخاطر.

الثاني: لا يمكن إغفال الفواعل الدولية التي لا ترغب باستنساخ هذا النموذج الإيراني في دولة سنية ذات موقع جيوسياسي متميز وحساس مثل مصر، فهم يدركون القوة الناعمة (Soft Power)، بل والقوة الذكية التي تتمتع بها مصر بين العالم الإسلامي([1]).

مرت الأيام وجاءت الرياح بما تشتهي السفر لا كما قال ذلك الشاعر، وفرح أفراد الشعب – ظهر بعدًا أن ليس كلهم جميعا – وفي القلب منهم الإسلاميون، وبدأ ينمو الأملُ في حصد ثمار شجر التضحية التي روَوْها بدمائهم وقضَوْا أغلى سنوات عمرهم خلف القضبان من أجل حرية وطن، ثم ما لبث الحلم أن تبخر سالبًا معه أرواح الآلاف، وأغلى أوقات عمر الآلاف أيضًا، وأفقد معه الكثيرين رائحة تراب الوطن، إذ وثب العسكر ثانية على الحكم بعد أول انقلاب مدني على الحكم العسكري منذ قيامه في الخمسينيات من القرن الماضي، فالحقيقة أن المدنيين هم الذين انقلبوا على حكم العسكر في بلادهم وانتزعوه منهم عامًا كاملًا، ثم تدخل العسكر لاستعادته!

إن هذه الظاهرة التي تصفُ صورة انقلاباتٍ عسكرية تضعُ نهايةً لتحولاتٍ سياسية بدا أنها أثبتت صحة عبارة كارل ماركس الشهيرة «التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة»، فقد فرضت نفسها، وأثبتت صحتها من خلال التجربة المصرية بين الإسلاميين والعسكر؛ فالإصدار الأول للتجربة «المأساة» كانت انقلاب 1799 الذي أنهى به نابليون بونابرت إحدى مراحل الثورة الفرنسية، العجيب في الأمر أن هذا الانقلابٌ حظِي بدعمٍ من شرائح عريضة من المجتمع الفرنسي عامة، وساكني العاصمة «باريس» خاصة! أما »المهزلة«، فكانت تكرار السيناريو نفسه تقريبًا ومن خلال أحد أشخاص العائلة نفسها، «لويس« ابن أخي نابليون بونابرت الذي أعاد ما فعله عمه؛ إذ  قام بانقلابٍ ضدَّ البرلمان في العام 1851م، وكان مدعومًا أيضًا من قطاعاتٍ من الشعبِ الفرنسي!([2]) الأمر الذي تكرر إلى حد كبير الشبه في الحالة المصرية ليس من أحد أفراد العائلة بالمفهوم الاجتماعي، إنما هو منها بالمفهوم السياسي، أي: «المؤسسة» نفسها.

وهناك عاملان ربما يدفعان في هذا الاتجاه:

عامل نفسي

إن الشباب بات مصدومًا، فإن تجربتهم كانت صادقة مخلصة اجتهدت أن تشارك في تقدم وطن واستحضاره على قائمة الدول المحترمة التي غاب عنها زمنًا، وفي ووضعه على سُلم الحضارة الإنسانية في مكان متقدم، ولم يحظوا بالفرصة كاملة، ولا بالحد الأدنى من الظروف الطبيعية التي يفترض أن يتم فيها الحكم على تجربتهم، وشعروا بالظلم، لماذا لم نأخذ حقنا وفرصتنا، وهل يكون ثمن عزلنا هذا التعامل الدموي البشع، الذي طالنا بالتحريق والتقتيل والاعتقال بل الاغتصاب؟

وهذا التحول المؤلم من قطاع كبير من الشعب المصري الذي مثل سقطة أخلاقية إنسانية حضارية، أو بتعبير ألفريد ستيبان لحظة «بيروميرية»([3]) فَقَدَ فيها قطاعٌ لا بأس به من الشعب المصري إنسانيته واستحل فيه دماء الصديق والقريب والأخ بل الابن، وإنسانيتهم!

إن شعور الانتقام لا يمكن أن تغفل عنه، وأنت تلاحظ ما يكتبه الشباب أو يعبرون عنه لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن التواصل المباشر: الفردي أو الجماعي.

عامل الواقع والتجربة

إن التجربة الأليمة التي مر بها الشعب المصري، والمساق الذي أقحم فيه الإسلاميون، فرض حالة من الرفض لكل المبررات التي قد تساق للتهدئة من العاملى النفسي الواخز، وانهارت هذه المبررات أمام الفاعل العقلي في الشخصية المصرية الإسلامية، فأي مبرر يمكن للسياسيين أن يقدموه للشباب لكي يعيدوهم إلى النموذج والإطار الديمقراطي؟

وكيف يستطيع السياسيون والحكماء إقناع الإسلاميين بأن الإطار الديمقراطي هو الحل الوحيد والأمثل للوصل إلى السلطة التي نزعت قسرًا؟

من الذي أثبتت التجربة أنه كان صادقًا مع شعبه ونفسه في اختياره للنموذج الديمقراطي للحكم وصولًا وتطبيقًا، الإسلاميون أم غيرهم؟

أليس هؤلاء العلمانيون الذين زايدوا على الإسلاميين بإيمانهم بالمبادئ الإنسانية والديمقراطية هم الذين باركوا الزحف المقدس على جثث النساء والشباب والشيوخ من إخواننا وجيراننا، في شوارع الوطن وميادينه التي جمعت بيننا قبل ذلك؟ واحتسوا في سهرة حمراء كؤوسًا امتلأت بدمائنا، وهم الذين صدعونا بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية؟.

أحسب أن أسئلة مثل هذه وأخواتها تموج بها نفوس الإسلاميين وعقولهم، تنتظر جوابًا لها، ومخرجًا من أزمتها، والمتابع للمواقع الإليكترونية التي تسمح للشباب بالتعبير عن آرائهم، ومواقع وسائل الاتصال الاجتماعية يلاحظ ـ دون عناء – ظاهرة الميل للانتقام من العلمانية كفكرة، ومن العسكر كأداة.

لماذا لا تقوم ثورة إسلامية تكتسح كل هذه النفايات السياسية والحضارية، وتغرس قيم الإسلام ومبادئه الإنسانية والحضارية، التي أثبتت التجربة «العملية» والواقع المجرب أن الإسلاميين كانوا أصدق وأخلص للفكرة الديمقراطية، ولمبدأ الحرية والديمقراطية من دعاتها العلمانيين؟

لكن السؤال هنا: هل يمكن أن تقوم في مصر ثورة «إسلامية»؟

أظن أن الجواب هو: «لا»

والسبب في ذلك من وجهة نظري يرجع إلى أمور ثلاثة:

أولها: عامل إسلامي:

إن الإسلاميين أخذوا فرصة ما، لم يستطيعوا أن يحافظوا عليها من غدر عدو تاريخي لهم، خبروه وخبرهم، فكيف استطاع أن يخدعهم، ويقصيهم عن سدة الحكم الذي عاشوا سنيين يعدون له، ويحلمون به؟

ويرى بعض الإسلاميين من داخل تحالف دعم الشرعية وخارجه أن الإخوان المسلمين أضاعوا فرصة تاريخية، وأن نظرية المؤامرة ليست كافية، بل ليست حجة يبرر بها الإخوان ضياع الفرصة من أيديهم، لاسيما وأن إسلاميين آخرين حذروا الرئيس «محمد مرسي» من خطر تحرك الجيش، وكان الشعور العام داخل الإخوان أن لا خطر سيجيء من الجيش، إذن الظهير الإسلامي ليس كله مع هذه الفكرة الآن.

كما أن الثوار يتحركون في الميدان منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وقد استنهكت قواهم البشرية والمادية، وزادت الأعباء المالية لمن فقد عمله، أو يعول أحدًا من أسرته غيبه القتل أو السجن أو المطاردة.

ثانيهما: عامل متلازمة الشخصية المصرية

ولا أحسب أن الشعب المصري غير المسيس وحتى المتعاطف مع الإسلاميين – لا سيما في صعيد مصر- مؤهل للإسهام في هذه الثورة الخضراء، وبنظرة استقرائية تحليلية يتضح أن ثمة متلازمة ثلاثية العوامل تتحكم بحركة الشخصية المصرية، يمكن تفكيكها إلى: عامل الدين، وعامل الاقتصاد وعامل الخوف، من أهم العوامل المؤثرة في تشكيل شخصية المصرية وتكوين ملامحها، وإن كان لعامل الدين أثر كبير فإني لا أرجح أن يرفع مستوى الفعل المصري لمستوى «ثورة»، لاسيما وأن الأمر لا يتعلق بأصل الدين، وإنما طبيعته وتصوره الذي يغيب على الكثيرين – لأسباب متعددة – أنه جزء لا يتجزأ من أصل الدين وحقيقته.

ويعد عامل الاقتصاد – لقمة العيش – الذي كان جزءًا من شعارات ثورة يناير الهادرة (عيش ـ حرية – عدالة اجتماعية) أبلغ وأعمق أثرًا في نفوس قطاع عريض من المصريين –لأسباب عديدة أيضًا.

وثمة سبب آخر هو البطش القمعي الممنهج والقتل خارج القانون الذي مارسه النظام منذ فض رابعة الذي سبب انكماش المد الثوري الذي ربما كان سيسهم في تعزيز هذه الفرضية؛ إذا استمر في زخمه.

وإذا تجاوزنا رفض كثير من الإسلاميين لفكرة الثورة الإسلامية، فهل يستطيع التيار الإسلامي منفردًا القيام بهذه الثورة؟ هل الامتداد الإسلامي العددي والقدرة التنظيمية والملاءة المالية والعوامل النفسية، تسمح بأن تقوم هذه الثورة الإسلامية السلمية؟

ثالثها: عامل داخلي

يتمثل في التفات الجماعة إلى الداخل الإخواني، ومحاولة رأب الصدع الذي أصاب التنظيم، والتناحر الذي أدى إلى وجود متحدثَيْن إعلاميَّيْن اثنين، وموقعين رسميين لأول مرة في تاريخ الحركة! وهو الأمر الذي لم يعد خافيًا، فمن سيقود هذا التحرك؟

إن الفكرة ليست مستبعدة وهي تملأ نفوس الكثيرين لكن لا إمكانية حقيقية لتحقيقها والنجاح فيها، لكن يمكن توجيهها إلى طريق آخر أشبه بنموذج جبهة الإنقاذ السوداني 1989، ويمكن أن نسميه نموذج «الكمأة The Truffle»([4]) وهو دقيق وخطر، حيث يلجأ الإسلاميون إلى نفس العصا التي استخدمها العسكر معهم لاستخدامها ضد العسكر أنفسهم، وأعني بالتحديد تعاون الإسلاميين مع مجموعة من الضباط المؤمنين بالديمقراطية والوطنية بديلا عن الديكتاتورية والتبعية أو العمالة مع الغرب وإسرائيل لاستعادة المسار الديمقراطي، كما آمن بذلك مجموعة من ضباط الأحرار قبل ذلك، وتم إقصاؤهم من مجلس قيادة الثورة، فقد أشار يوسف صديق في مذكراته إلى رغبة بعض الضباط الأحرار في استئناف الحياة المدنية الدستورية والديمقراطية، واستعادة البرلمان، وبالرغم مما تمتعت به هذه الفئة الصغيرة العدد من قوة، إذ كانوا يسيطرون على سلاحي المدرعات (الفرسان) والمدفعية، إلا أنه تم إقصاؤهم من أغلبية مجلس قيادة الثورة ([5]).

يذكر في هذا السياق ما ذكرته الصحف المصرية من أن هناك أربعة محاولات للانقلاب العسكري الداخلي على السيسي منذ 30 يونيو (حزيران) 2013، أشهرها ما وصف بأنه محاولة 26 ضابطًا في القوات المسلحة يمثلون أسلحة مختلفة، يعاونهم اثنان من المدنيين هما الدكتور «حلمي الجزار» أمين حزب الحرية والعدالة بالجيزة، والدكتور «محمد عبد الرحمن المرسي» عضو مكتب الإرشاد، وبالرغم من حرية المدنيين الإخوانيَّيْن الاثنين،  إلا أني لم أعلم عنهما، أو أحدهما أي إنكار لهذا الادعاء!

هذا يكون عند الحد الأدنى من القبول، وهو حد مفيدٌ للإسلاميين بلا تردد، والحد الأقصى أن يتوافق هوى هذه المجموعة من الضباط مع الهوى الإسلامي، وتكون القيادة إسلامية تؤمن بهذه الفكرة وتعمل لها، ويمثل الإخوان رافعة لهم كما حدث في 1952 لكن هذه المرة بنكهة إسلامية، ثم تأتي مرحلة «التمكين» التي يحكم بها النظام الإسلامي «العسكري» قبضته على سائر مكونات المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة، والتخلل داخل طبقات المجتمع لن يكون صعبًا فهو مهمة الجماعة الأولى.

النموذج الرابع: نموذج مبضع الطبيب

تأسست الجمهورية العسكرية الأولى أعقاب ما عُرف بثورة يوليو (تموز) 1952، ومن المفارقات أنها كانت أيضًا على أكتاف الإخوان المسلمين، وكانوا رافعة لها، وتم التخلص منهم لاحقًا، ثم تفرغت العسكر للسيطرة وتمديد النفوذ داخل المؤسسات المدنية للدولة، ورسخت أركان الجمهورية الأولى للعسكر، فهل تكون هذه اللحظة التاريخية التي قامت فها أعظم ثورة شعبية مصرية نادت بالحرية والديمقراطية والتخلص من دولة العسكر، هي ذاتها التي يعقبها قيام دولة عسكرية ثانية وبداية جديدة لنفوذ جديد؟

إن الفواعل الدولية ترغب بذلك بقوة في ظل إعادة ترتيب المنطقة العربية عقب موجة ثورات الربيع العربي، يبدو هذا الخيار مطروحًا ومؤيدًا من إسرائيل وبعض المراكز في أمريكا، لاسيما مع رغبة بلدان النفوذ العربي: السعودية، والإمارات، في وجود نظام عسكري في مصر نافذٍ ومسيطرٍ، يمكن أن تتحالف معه ولا يسبب قلقًا لأنظمتها، ولكن ربما لا يساعدها في إنجاح هذا الخيار الأداءُ المتردي – الذي لا يخفى على أحد – في النواحي السياسية، ولاسيما الاقتصادية، للنظام العسكري وتحديدًا لقائده: عبد الفتاح السيسي على المستوى الداخلي والعربي، إذ بات الرجل مهزومًا، وقلقًا متوترًا، وفاقدًا لكثير من الدعم الشعبي ـ المصطنع كثيرٌ منه – الذي أعقب عزله للرئيس محمد مرسي، وهذا التردي الكبير في الأوضاع الداخلية يجعل نجاح هذا النموذج محل شك.

كما لا يساعدها بعض الضغوط الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والمراكز البحثية والدراسات، التي تؤكد أن هذا يعد خرقًا وتجاوزًا لما تنادي به هذه الدول من الديمقراطية والحرية والمساواة، إذ كيف بها تنادي بهذا، وهي تدعم نظامًا استئصاليًّا دمويًّا؟ كما يعدُّ خطأ استراتيجيًّا يهدد العلاقة مع هذه الشعوب التي تسهم هذه الأطراف في كبتها وذبحها بتأييد المنقلبين ودعمهم.

وضع الإخوان في هذا الطرح

في ظل هذا النموذج الذي يتبنى ممارسات استئصالية إقصائية، ماذا سيكون وضع الإخوان وردود أفعالهم؟

أمام هذا الطرح وفي ظل هذه الظروف المحيطة، والعوامل المقلقة في الداخل الإخواني، وفي ظل تحميل الإخوان جزءًا من أسباب هذه الأزمة، قد ينتج طرحان، أحدهما:

يتمثل في انغلاق الإخوان على نفسها والانشغال بالشأن الداخلي وترتيبه بعد هذه الهزة العنيفة وحرب البيانات الداخلية والنزاع على الشرعية داخل التنظيم العتيق، والانسحاب من المواجهة ـ وليس الشأن العام- والاستمرار في رفض النظام من خلال القنوات المتاحة، فترةً من الوقت تسمح باستعادة العافية للبدن المنهوك جرَّاء مقاومةٍ ـ داخلية وخارجية- محافظة على «التنظيم»، وهذه المحافظة على «التنظيم» تمثل هدفًا مهما جدًا لدى طرف القيادة التاريخية للإخوان المسلمين، حتى وإن ترتب على ذلك أن قلَّ العدد وانفضَّ كثيرٌ من الأنصار؛ لأنَّ ذلك من شأنه أن يحفظ «الكيان»، وإن في الحد الأدنى منه؛ أملاً في استعادة بنائه مرة ثانية على الصورة الأولى التي أسسه عليها الأستاذ «حسن البنا» المؤسس الأول للجماعة، وقد مرت الجماعة بحالة قريبة من هذه الحالة بعد الخروج من المعتقلات في وسط السبعينيات من القرن الماضي، واستطاعت هذه القيادات الموجودة الآن ذاتها المساهمة في انتعاش التنظيم وإعادة بناء الجماعة فيما يعتبر البناء الثاني لها.

والطرح الثاني: إذا استحضرنا العامل النفسي والتربوي لدى القيادات التاريخية الموجودة الآن، واستثنينا الضغط الداخلي الرهيب داخل البيت الإخواني، فقد يأتي طرح التحول إلى «الدعوية» وتجميد الحالة «الشمولية» والتحول إلى شكل جديد من أشكال الجماعة تفصل فيه بين «الدعوي» و «السياسي»، فتنشغل بالدعوي في ظل سيطرة المؤسسة العسكرية على الساحة السياسية المصرية، واعتبار الجماعة كيانًا إرهابيًّا، وفي ظل الملاحقة القضائية والسياسية المستمرة والقاسية لكوادر الجماعة، فضلًا عن قياداتها، وهذا أمر أستبعده؛ لأن قيادات جماعة الإخوان المسلمين، المعروفة بالقيادات التاريخية، وإن كان المحافظة على «ذات» التنظيم يمثل عامل حياة لا يمكن التهاون فيه كما سبق، فهي تؤمن بفكرة الشمولية إيمانًا عميقًا لا يمكن تحت أي ظرف أن تتحول عنه، فيما يعد انحرافًا عن خط الجماعة الأول الذي ارتضوه وبايعوا عليه، وما محاولة محافظتهم على التنظيم إلا لونا من ألوان المحافظة على «الإطار» الذي يحتضن الفكرة، كما أنه «الأداة» التي تطبقها في أرض الواقع، هذا ويبدو أنه في ظل نجاح النموذج الرابع المطروح فإن الطرح الأول السابق هو الأقرب من حيث الإمكان والواقع.

الخلاصة

يرى الباحث أن هذه النماذج الأربعة هي المطروحة بقوة في البيئة الراعية للحالة المصرية، يبدو بعضها قريبًا والآخر بعيدًا، تتداخل العوامل النفسية، والأوضاع الإقليمية والعالمية في تقريبها أو إبعادها قليلاً، أو بعيدًا.. وتخرج الورقة بأن نموذج نصف الكوب الممتلئ الذي يطرح ورقة تصالحية ما، هو الأقرب إلى القبول من الطرفين، وأن مخرج الاستفتاء الشعبي على الدخول في التفاوض، يبدو مقبولا إلى حدٍّ بعيد، ومرغوبًا فيه من الفواعل الإقليمية والعالمية في الساحة المصرية.

———————-

 ([1])قدم جوزيف ناي عام 1990 مفهومًا » للقوة الناعمة» في مقالة بعنوان (soft power) وعرفها بأنها “ممارسة القوة بطريقة جذابة مختلفة عن الطرق التقليدية لفرض القوة، وهو قدرة الدولة على جعل غيرها يريد ما تريده بمعنى أن تشكل رغبات الاخرين وتضع الأجندة لهم ; فهي تستطيع أن تصل إلى طموحاتها بجعل الدول الأخرى راغبة في اتباعها وذلك بوسائل مختلفة عن القوة الصلبة القائمة على القوة العسكرية بالأساس وهذا ما يعرف بالقوة التعاونية “co- optive power”   أو القوة الناعمة. “soft power”

وأما مفهوم «القوة الذكية» : فهو محصلة الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا ولكن وفقا لاستراتيجية محددة تجمع بينهم. ويعرف ارنست ويلسون القوة الذكية على أنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف الفاعل بكفاءة وفعالية.

انظر: يمنى سليمان، مفهوم القوة الذكية، المفهوم والأبعاد، صادرة عن المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، ص ص 2-4.

[2] ) حاول ماركس أن يفسَّر الأسباب التي دعت شرائح نافذة تنامي إلى الطبقةِ الوسطى في فرنسا إلى دعم ديكتاتوريةً عسكرية بقيادة لويس-نابليون بونابرت، والصمت عن قمع منافسيهم من الطبقةِ الدنيا الاجتماعية والسياسية وذلك في دراسة كارل ماركس الهامة الصادرة في العام 1852 بعنوان» الثامن عرش من برومير للويس بونابرت«. انظر: كارل ماركس، The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte، شيكاغو: تشارلز كير وشركاه، 1907

[3] ) ألفريد ستيبان، Rethinking Military Politics، ص 10

[4] ) نوع من النبات ينمو تحت سطح الأرض، يشبه فطر عيش الغراب، غني جدًّا بالفوائد الغذائية.

[5] ) يوسف صِدِّيق، أوراق يوسف صديق ، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1999، ص 22.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العسكر

المصادر

عبد الرؤف: أرغمت فاروق على التنازل (6، 225)
حسن البنا، المجموعة الكاملة لرسائل حسن البنا )بيروت. دار القلم 1990) ص ص 268-271.
يمنى سليمان، مفهوم القوة الذكية، المفهوم والأبعاد، صادرة عن المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، ص ص 2-4.
كارل ماركس، The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte، شيكاغو: تشارلز كير وشركاه، 1907
ألفريد ستيبان، Rethinking Military Politics، ص 10
يوسف صِدِّيق ، أوراق يوسف صديق ، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1999، ص 22.
عمر عاشور: من التعاون إلى القمع: العلاقات الإسلامية -العسكرية، في مصر، ص 19
عرض التعليقات
تحميل المزيد