تكلمنا في المقالين السابقين عن العلاقة التاريخية بين أكبر كتلتين صلبتين في المجتمع المصري وحقيقتها؛ الإخوان المسلمين والعسكر، وعن بعض الطرق التي قررتها الدراسات والأدبيات في العلوم السياسية للخروج من هذه الأزمات العنيفة، واليوم نكمل إن شاء الله طرح بعض نماذج وبدائل الخروج من الأزمة.

 

أولًا: النماذج التعاونية

  • نموذج عمود الخيمة (العالم والأمير).
  • نموذج نصف الكوب الممتلئ.

 

أولًا: نموذج عمود الخيمة (العالم والأمير)

أستحضر هنا حادثًا تاريخيًّا وقع عام (1745م) حين التقى الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب، الأميرَ محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، وتمخض عن هذا اللقاء التاريخي «ميثاقُ الدرعية» وتأسيسُ دولةٍ سعودية تحميها دعوةٌ إسلاميةٌ، فهل يمكن أن يصبح الإخوان المسلمون رافعة اجتماعية ودينية وسياسية لدولة عسكرية؟

بمعنى آخر: هل يمكن أن تتغلب البرجماتية على فكر قيادة جماعة الإخوان المسلمين وقواعدها وتدفعهم إلى مراجعة العلاقة بينهم والعسكر، في إطار المصلحة المتبادلة، بأنْ يحصُل كلُّ طرف على ما يريده من الآخر، فتنسج الجماعة على نَوْل الدعوات الإسلامية التي كانت سندًا ورافعة لفئة أخرى حملت على كراسي العرش، ألا يمكن أن يُطوِّر الإخوان تفكيرهم ورؤيتهم ويستنسخوا الحالة السعودية وأمرها ليس منا ببعيد؟

وفي هذا الإطار ينبغي الإشارة إلى أن بناء التحالف يتطلب توافر عدد من الشروط الكفيلة بضمان استمراره ومنها:

فَهْمُ قدرات أطراف التحالف المزمع تكوينه، وفهم ثقافة كل طرف وإستراتيجيته، وتحديد رؤية كل طرف وتوصيلها للأطراف الأخرى بشكل واضح لبناء الرؤية المشتركة، ووضع تصور للتوقعات أو النتائج الممكن تحقيقها من وراء تكوين التحالف، وأن يكون لدى كل طرف ميزة تنافسية، وأن تكون مساهمات كل طرف متوازنة.

كما يتطلب أن يتفق الطرفان على الإستراتيجية المزمع اتباعها، وأن يكون احتمال تحول أحد الأطراف إلى منافس قوي في المستقبل احتمالًا ضعيفًا، وأن يكون من المفضل التعاون مع الطرف الآخر بدلًا من منافسته، وأن يكون هناك توافق بين الطرفين على مستوى الإدارة العليا لكل منهما، ودراسة نقاط الاختلاف والتشابه بين ثقافة الأطراف وهذا لتجنب المخاطر.

هذا بالإضافة إلى دراسة المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية الخاصة بكل طرف، وفهم نقاط الضعف الحقيقية للأطراف وفهم نقاط القوة، وترسيخ الحوار والتفاهم والمساواة باعتبارها أسسًا للتعامل لتحقيق التوازن بين الشركاء، وبناء ثقافة للتعاون والقيم المشتركة، وبناء تنظيم قوي يتناسب مع أطراف التحالف وغاياته.([1]) (عصام عبد الشافي: بناء التحالفات بين الجماعات السياسية، خبرات وسيناريوهات، 25 ديسمبر 2014، المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، ص 50).

لكن السؤال الأهم فيما أحسب: هل يقبل العسكرُ بهذا النموذج ويسمح لهذا التحالف بمساحة من الواقع السياسي والتاريخي؟

إن الأمر بالنسبة للمؤسسة العسكرية يبدو صعبًا من حيث الواقع واللحظة السياسية والتاريخية، في ظل التطورات والتصورات التي تَحْكم وتَتَحكَّم في الشرق الأوسط، وما يقع في دول محورية كالعراق التي خرجت خارج تاريخها العريق، وسوريا التي باتت شبه دولة، والسعودية التي يهددها الهلال الشيعي الإيراني المتقاطع مع مصالح الغرب.

وإن كان هذا النموذج صعبًا على المؤسسة العسكرية وأقلَّ فائدة، فإنه أصعب فيما أرى من نظيره داخل الإخوان المسلمين، وليس بأكثر فائدة لهم، فليس سهلًا أن يستنسخ الإخوان دور علماء الدولة العباسية وفقهائها، أو الدعوة الوهابية مع الدولة السعودية، ولا أحسب أن هذا النموذج يمكن أن يلقى قبولًا بين شباب الجماعة بشكل خاص.

قد يُذكِّرُنا أحدُهم بأنه من الممكن في لحظات إدارة الصراع وتشابك العوامل المؤثرة أن نستحضر من المستودع الفكري، والرصيد التراثي، ما يكون عاملًا لإحياء فكرة ما، وسَوْقُ عبارةٍ تراثية للإمام الشهيد حسن البنا يوضح فيها غاية جماعة الإخوان المسلمين ووسائلها يُسهم في ذلك، كقوله في رسالة المؤتمر الخامس: «إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها، وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العُرف العام وتربية أنصار الدعوة علي هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها».([2])

لكن الناظر إلى الحراك الذي حدث داخل الإخوان المسلمين خلال السنوات الخمس السابقة يدرك أنه ليس بالأمر الهين مطلقًا الذي يقبل بذلك، ويمكن للمتابع رصدَ ثلاث موجات له، تنبئ عن فعاليته وديناميته.

الموجة الأولى

تشكلت مع الدعوات إلى الاحتجاج المزمعة يوم 25 يناير 2011 ضد تجاوزات الشرطة آنذاك، وحرَّكت هذه الموجة كمياتٍ كبيرةً من المياه الساكنة داخل التنظيم، وتمثل أكبر ارتفاع لها حينما حملت قيادات الإخوان المتحفظة على الدخول في احتجاج مفتوح النهاية لا أفق له، وتجاوز كلمة الإمام حسن البنا، مؤسس الجماعةِ، في المؤتمر العام الخامس للجماعة في فبراير1939، التي قال فيها: «وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها»([3])، الأمر الذي شكل نقلة نوعية وقافزة وحاسمة للثورة المصرية وصلت إلى قِمَّتها ظُهْر الجمعة 28 يناير، وهو يوم الثورة الشعبية الحقيقي، وهذا زاد بلا شك من حنق الدولة العميقة على الإخوان المسلمين.

أما الموجة الثانية

كانت أقلَّ كمًّا وأكثرَ دينامية وتميزًا عن سابقتها، وقادها الشباب أيضًا الذين أدركوا مبكرًا أن المفتاح في أيدي العسكر، وأن حجة البيت أو عقد ملكيته لا تزال مع العسكر وأنه زَوَّر اسم المالك لصالحه بديلًا عن الشعب المصري، ومن ثم لزم تصحيح الوضع واستعادة الملكية، وهذا يعني أن الثورة يجب أن تتحرك نحو المكان الصحيح وهو وزارة الدفاع المصرية وليس قصر الرئاسة.

وكانت هذه الموجة من الخطورة بمكان، ولم تستطع قيادات الجماعة التجاوب معها إذ رأت أن اللحظة التاريخية تقتضي تسكين الأمور وتهدئتها مع العسكر فلا تزال أطياف الخمسينيات والستينيات تلوح في أذهان الكثيرين، فضلًا عن أن الربيع العربي وتجاوب الكثير من الدول معه كان إيجابيًّا بالقدر الذي تصور معه الجميع استحالة عودة عقارب الساعة إلى الوراء، وهو التعبير الذي أضحى أكثر استعمالًا وقتذاك، وانخدع الجميع بهذه المسلمة، فآثروا حينئذ التحالف مع العسكر عن الصدام معه والتجاوب مع أيقونة المرحلة «يسقط يسقط حكم العسكر».

الموجة الثالثة

هي الأكثر سيولة واتساعًا وقوةً واندفاعًا، ووقعت بعد مجزرة رابعة العدوية 14 أغسطس 2013، وهذه الموجة هددت كيان الجماعة كلها، واهتز لها عمود خيمة الجماعة اهتزازًا عنيفًا بل ربما حدثت فيه شروخ يصعب دواؤها عاجلًا، إن خيمة الإخوان التنظيمية قائمة على عمود الثقة، والأيقونة الأشهر في هذا الصدد هي «الإخوة اللي فوق يعرفوا أكثر»، فتطمئن النفس وتهدأ المشاعر الثائرة، ولمَّا وقع ما وقع يومي 3/7- 4/8/2013، تبين للقواعد أن لو كانوا عالجوا هذه المسَلَّمة ما وقعوا في هذا الموقف الأليم! ولا تزال هذه الموجة الأخيرة ذات تأثير بالغٍ على تنظيم الإخوان.

ولا يتصور الباحث بعد كل هذا الحراك والنقد الذاتي الداخلي – الذي صار لاذعًا – بين طبقات الإخوان التنظيمية أو النظام التراتبي أن يكون القبول بالقيام بهذا الدور – دور الرافعة للعسكر – مقبولًا؟

الظاهر أن الطرح يبدو مرفوضًا إلا أن أحدهم قد يجادل في الرأي مذكِّرًا بأن عاملًا آخر قد يزيح هذا الرفض جانبًا أو يضعف من تأثيره ويكتسب منه مساحة من أرضه يضيفها للقابلين، إنه عامل «المعاناة» فلا يمكن أن تكون آلام عشرات الألوف من المعتقلين والمطاردين والمهجرين، وقبل ذلك كله آهات الثكالى من أمهات الشهداء وذويهم، أمرًا سهلًا يمكن التغافل عنه أو تجاوزه، فهل يدفع هذا العامل الذي امتد ثلاث سنوات طوالًا، فأنهك واستنهك، الممانعين داخل الإخوان –لا سيما الشباب – للقبول بهذا الدور؟

أرى الكتلة الصلبة والحرجة في ذات الوقت داخل الإخوان لن تقبل بأن تلعب هذا الدور مطلقًا وأن الشباب الثائر لا يزال ثائرًا، وأن الجراح التي أثخنته لم تزده إلا إيمانًا وتحمسًا، لقد حولت هذه المحنة والمعاناة قطاعًا عريضًا جدًا داخل الحركة الإسلامية كلها – وفي القلب منها الإخوان المسلمون – إلى قيادات ثورية نوعية، صلبة قوية، متحركة متوقدة، وأفرغت الصندوق الأسود للنخبة المصرية؛ فاستمعت منه ما لم يكن لها أن تسمع لولا الانقلاب، ورأت عينها أعلامًا ورموزًا هي الأشهر سقطت سقوطًا حرًّا لمَّا خلا ما حولها من هواء مصنوع ضخته لهم الآلة الإعلامية، والمخرج الفني للمسرحية السياسية المصرية كان مليئًا بأحلام الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

وقد يعترض أحدهم ويقول: برغم هذه الكتلة الحرجة الرافضة فلا يزال الخيار قائمًا، والنموذج مطروحًا، فإن الإخوان إذا اعتمدوا هذا الخيار لا شك أن الدعوة ستجد أرضًا ومناخًا طيبًا، وبالأحرى فإن «التنظيم» سيبقى.

لكن في حقيقة الأمر وواقعه، فإن دعوة الإخوان ستخرج من مبادئها وأسس دعوتها، والتساؤل عن موقع «الشمولية» – زمانًا ومكانًا وأشخاصًا – سيطرح نفسه بقوة وسيتطلب مرونة وسيولة فكرية وآرائية.

وإذا تجاوزنا الحالة الإخوانية – بتَعقُّداتها – وانتقلنا إلى الطرف الثاني وهو العسكر، فإننا نعيد التساؤل الأهم: هل يمكن للعسكر أن يقبل بهذا التحالف؟

إن أهم الخطوط الحمراء لدى العسكر في مصر تتمثل في:

  • الحفاظ على العلاقة التحالفية المستدامة مع الولايات المتحدة.
  • الموقف من إسرائيل.

وإذا تجاوز التحالف هاتين النقطتين فسيحقق النجاح، ولكن كيف؟

إن فكر الإخوان بوصفها كيانًا «إسلاميًّا» قائمٌ أيضًا على ركيزتي:

  • الشمولية.
  • والديناميكية.

وليس ثمة مشكلة حقيقةً مع الديناميكية فيما أحسب، فهناك جماعات ديناميكية تعاملت مع الأنظمة الحاكمة وتعايشت معها، كما أن المجتمع سيصبح ملكًا لفكر الإخوان ومسرحًا يتحرك فيه ويتمدد، لكنَّ المشكلة في الخصيصة الثانية وهي «الشمولية» التي تستوجب أن تكون السياسة والحُكم جزءًا لا يتجزأ من المفهوم الصحيح للإسلام، أو قل: من مفهوم الإسلام الصحيح، فكيف تتعامل الشمولية مع هذه المعضلة إذ يستوجب ذلك خضوع البلاد لهيمنة العسكر، ومن ثم للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وكيف يصنع الإخوان مع تراث فكري تاريخي ضخم ومتراكم متشبع بهذه الفكرة؟

ولئنْ نظرت شرقًا أو غربًا فلن يعييك أن تجد جوابًا أو حلًا لهذه المعضلة، وكذلك مع التعمق بل الاطلاع على بعض الدراسات والأدبيات هنا أو هناك، بل إن دراسات الحالة الواقعية ستنبئك وتوجد لك حلًا ممكنًا لهذه المعضلة، وهنا أسوق نموذجين يقعان تحت ما يمكن أن أسميه نظرية «الصندوق الزجاجي Glass Box Theory»، ويشرحان كيفية تجاوز تلك المعضلة:

  • تفكيك النموذج الأردني.
  • تفكيك النموذج المغربي

 

وذلك في اللقاء القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] ) عصام عبد الشافي: بناء التحالفات بين الجماعات السياسية، خبرات وسيناريوهات، 25 ديسمبر 2014، المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، ص 50.
[2] ) رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا.
[3] ) حسن البنا، المجموعة الكاملة لرسائل حسن البنا )بيروت: دار القلم 1990) ص ص 268-271.
عرض التعليقات
تحميل المزيد