تعتبر مهنة التدريس والتعليم من أقدم وأشرف المهن التي عرفها البشر منذ قديم الزمان، وهي من المهن التي يؤديها الإنسان عامة والمعلم خاصة، ولا شك أنَّ المعلمين المتميزين الذين يدرسون لطلابهم بصورة تشجع على الإبداع والابتكار يتركون آثارًا واضحة على المجتمع كله، وليس على أفراد منه فحسب، كما هو الحال مع أصحاب المهن الأخرى، كالأطباء والمهندسين والمحامين والحرفيين وغيرهم، فالمدرس عندما يدرس في الصف لا يدرس لطالب واحد فقط، وإنما يدرس لعشرات الطلاب بل وللمئات خلال اليوم الدراسي الواحد، والفرق واضح جدًا بين مهنة التدريس وغيرها من المهن الأخرى، فعلى سبيل المثال نجد الطبيب الذي يخص بعلاجه فردًا واحدًا من أفراد المجتمع، بل ويعالج الجزء المعتل من بدنه أو جسده، ولا يترك أثرا علميا على مريضه، كما يفعل المعلم الذي يؤثر تأثيرا كبيرا على عقول طلابه وشخصياتهم، فمن خلال تدريسه وتعليمه الفعال لهم تنمو أفكارهم وتزيد خبراتهم ويصبحون أكثر بصيرة بحقائق الحياة.

وتعد عملية التدريس والتعليم الأساس والأسبق بين المهن الأخرى، فالطبيب والمهندس والمحامي والمحاسب والصيدلي وغيرهم لا بد وأن يمروا تحت يد معلمين؛ لأنهم من نتائج عمله وجهده في مراحل التعليم المختلفة. أضف إلى ما سبق أن المعلم يحاول دائما من خلال مهنة التدريس أن يجدد ويبتكر في عمله؛ كي ينير عقول الطلاب، ويهذب طباعهم، ويصقل خبراتهم ومهاراتهم، وكي يوضح الغامض لديهم، وكي يربط بين الماضي والحاضر، ويخلق في نفوس الأجيال الناشئة الأمل واليقين، ويؤهلهم بصورة جادة وحقيقية لبناء المجتمع الناجح القائم على فهم الحياة ومتطلباتها.

ويعد التدريس المعاصر بالإضافة لكونه علمًا تطبيقيًا انتقائيًا متطورًا هو عملية تربوية هادفة وشاملة، تأخذ في الاعتبار كافة العوامل المكونة لعمليتي التعليم والتعلم، ويتعاون خلالها كل من المعلم والطلاب والإدارة المدرسية والمشرفين والإداريين، والأسرة والمجتمع بأسره؛ لتحقيق ما يسمى بالأهداف التربوية والأهداف التعليمية المنشودة.

إن العصر الذى نعيشه يحتاج إلى إنسان بمواصفات معينة، إنسان قادر على تكييف ظروفه وحاجاته مع المتغيرات السريعة التي تحدث في بيئته ومجتمعه حتى يستطيع أن يكون قادرًا على تقديم الجديد والفريد في مجال عمله، وبالتالي فإن عالم اليوم يتطلب مستوى عاليًا من التفكير الإبداعي للأفراد ليكونوا قادرين على فهم وتطوير هذا العالم. فنحن اليوم في حاجة ماسة إلى علماء مبدعين يستطيعون إنتاج المعرفة وابتكار تطبيقات لها، وبالتالي فإنه يجب إعادة النظر في استراتيجيات التدريس الحالية، ويجب التحول من الطرق التقليدية التي تركز على الحفظ والتكرار للمعلومات إلى الطرق التي تركز على الاهتمام بقوى التفكير والتعبير الذاتي والابتكار والإبداع، والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: ما المقصود بالتفكير الإبداعي؟
إن التفكير الإبداعي هو ذلك النوع من التفكير الذي يهدف دائمًا إلى التطوير والتجديد والابتكار، وذلك من خلال إنتاج حلول جديدة غير موجودة من قبل لمشكلة معينة، فهو نمط من أنماط التفكير يتميز بالطلاقة والمرونة والأصالة.

وللتفكير الإبداعي عناصر متعددة ومنها: الطلاقة الفكرية، وهي تعني القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من الأفكار الإبداعية وذلك بالنسبة لموضوع معين في وحدة زمنية ثابتة وهي تشير إلى غزارة الأفكار ووفرتها وتنوعها مقارنة بغيرها. وكذلك المرونة في التفكير، وهي تعني القدرة على تغيير الحالة الذهنية بتغيير الموقف وهى عكس التقلب العقلي الذى يتجه الفرد بمقتضاه إلى تبني أنماط فكرية محدودة يواجه بها مواقف الحياة مهما تنوعت واختلفت، وأيضا الأصالة في التفكير، وهي تعني تجنب التقليد والاقتباس غير الأمين وعدم تكرار أفعال المحيطين ويمكن الحكم على الفكرة بالأصالة في ضوء عدم خضوعها للأفكار الشائعة، وذلك مع الحرص على الإثراء والتجديد وإظهار الطابع الشخصي المميز.

وللطلاب المبدعين العديد من السمات مثل: حب الاستطلاع، والحكمة، والتأليف، والخيال، والمرونة، والحيوية، والفراسة، والتميز والتفرد في كثير من الأحيان، ويجب على معلمي النشء مراعاة ذلك والبحث عن هؤلاء وتنمية قدراتهم الإبداعية بشتى الطرق والأساليب. فهناك دور كبير جدًا للمعلمين والمعلمات في تنمية الابتكار والإبداع لدى الطلاب، فيجب عليهم طرح أنشطة تثير أذهانهم وتحفزهم نحو التعلم، وكذلك يجب عليهم تشجيع التداعي الحر للأفكار، ومساعدة الطلاب على العمل في مجموعات صغيرة، وذلك بهدف تعزيز التفاعل الاجتماعي،وتنمية الروح والمهارات القيادية، وكذلك من الضروري العمل على تحفيز الطلاب على النجاح والابتكار من خلال طرح الأسئلة المفتوحة، وأيضًا عليهم تشجيع الطلاب على الاستقلالية من خلال العمل والاعتماد على النفس في تنفيذ بعض المهام المطلوبة وتشجيعهم على تقييم أعمالهم بأنفسهم والاعتراف بأخطائهم في شجاعة وثبات.

وهناك بعض العوامل التي قد تعوق تنمية وتعزيز التفكير الإبداعي لدى الطلاب، ومنها: التكرار والاعتياد والخوف وتبني الأحكام المسبقة والجمود والكسل ونقص الدافعية والتقصير في أداء المهام والأعمال المختلفة وغيرها. وعلى المعلم المبدع أن يجد من استراتيجيات التدريس الحديثة ما يواجه به تلك المعوقات ويتغلب عليها بصورة سليمة وعلمية. والأمر لا يتوقف عند المعلم فحسب؛ فهناك دور مهم جدًا لمديري وقادة المدارس في تنمية الإبداع والابتكار لدى الطلاب، فعلى مدير المدرسة أن يشعر معلميه بأنه يقدر الابتكار والإبداع في التدريس، وعليه أن يشجع معلميه على التجريب دون خوف أو وجل، ويهيئ لهم الفرص لتجربة الأفكار الجديدة مع تقبل احتمال الفشل والإخفاق. وعليه كذلك توفير كافة الوسائل والأدوات التي تجعل مناخ عمليتي التعليم والتعلم ممزوجًا بالإبداع والابتكار؛ فالعمل الإبداعي داخل المدرسة يتطلب مناخًا يتميز بتقبل الذات والآخرين والتعاون بين جميع منتسبيها والاستفادة من أفكار الجميع واحترام وتقدير خبراتهم وآرائهم وتحفيزهم بصورة مستدامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد