الهبوط إلى الأعالي

تخيل أن ما يجري حولك في هذا العالم وما تشهده من أحداث حالية بكل تفاصيلها في الواقع ما هي إلا انعكاسات وصور حدثت في ماض سحيق، أو ستحدث في ماض آخر وربما حدثت أيضًا في مستقبل غابر، تخيل أن وجودك ما هو إلا حركة مضطربة تحدث بين بُعدي الزمان والمكان وإنك ميت وحي في نفس الوقت وإن ذاكرتك الحقيقية مسحت عند ولادتك وإنك لست أنت ولا أفكارك أبدًا؟

قد يبدو كلامي هذا تهريجًا وخرافة مخدرة هدفها إبعاد الإنسان عن منطقه وواقعه العملي، لكن في الحقيقة إن هذا هو الذي يحصل في اللامرئي والبعيد كل البعد عن إدراكنا ووعينا المحدود.

لعل الكلام عن المخيلة البشرية شائك ومعقد ولعلني في مقالي هذا سأنتصر لمخيلة الشعراء والفلاسفة انتصارًا ساحقًا قد يرتقي بمصاف الإنسان لمرحلة الكمال.

تعتبر مخيلة الإنسان أعظم إنجاز عرفه البشر في تاريخ كوكب الأرض، هذه المخيلة التي أخرجت الإنسان من أعماق الكهوف إلى السفر والتنقل بين الكواكب والمجرات البعيدة، لكن العلم كان وما يزال يعتبر خيال الشعراء والفلاسفة في حديثهم عن عوالم أخرى وعن مخاطبة الأرواح وتوقف الزمن في هذا الكون محض هراء لا يخضع للعلم الذي كان يهتم بتفسير الظواهر تفسيرًا مؤطرًا يخضع لمركزية العقل ومحوره.

أينشتاين ونسبية الزمن

أحدثت ميكانيكيا الكم ونسبية أينشتاين في بداية القرن العشرين ثورة فكرية كبرى على يد مؤسسيها ألبرت أينشتاين وماكس بلانك.

كانت الفيزياء الكلاسيكية إلى عهد ما قبل أينشتاين ووفقًا لنظريات نيوتن أن الزمان يسير بشكل سهمي ومستقيم وهو أشبه ببحر متجانس تسبح فيه جميع الأجرام والكواكب في الفضاء الخارجي.

جاء أينشتاين ليربط الزمان بالحركة فلا يوجد زمن مطلق وإنما نسبي فكلما ازدادت سرعة الجسم تباطأ زمنه وتعاظمت كتلته، فالكتلة هي ما يحويه الجسم من مادة وجزيئات إذ يضيف لنا أينشتاين أن الكتلة أيضًا تتأثر بالسرعة حتى إذا بلغ الجسم سرعة الضوء (وذلك مستحيل عمليًا) توقف الزمن وأصبحت كتلته لا نهائية فهو بذلك يحتاج إلى قوة دفع لا متناهية كي يستمر، لكن توقف الزمن هنا يمكن أن نسميه بالخلود أو الأبدية.

تعتبر تجربة مفارقة التوأم من التجارب التي تبين لنا مفهوم تباطؤ الزمن مع ازدياد سرعة الجسم.

(فلو افترضنا أن خالد ومحمد توأمان يبلغان من العمر 20 عامًا وقرر محمد السفر في مركبة فضائية إلى كوكب يبعد عنا 20 سنة ضوئية بسرعة الضوء أو تقترب من سرعة الضوء بنسبة 90% إن ما يبلغه من السنين ذهابًا وإيابًا 40 سنة فخالد على الأرض سيكون عمره 60 عامًا لكن محمد ووفقًا لنظرية أينشتاين النسبية كلما اقترب الجسم من سرعة الضوء تباطأ زمنه فإنه لن يمضي عليه إلا عدة سنوات ولنفرض 5 سنوات ليجد توأمه خالد وقد أصبح بعمر جده).

وكذلك يمكن تطبيق مفارقة التوأم بين الأب والابن أو العكس فيمكن للأب لو سافر بمركبة تقترب من سرعة الضوء إلى الفضاء الخارجي لمدة 30 سنة ضوئية وعاد إلى الأرض لن يمضي عليه سوى عدة سنوات وسيشاهد ابنه أكبر منه وفقًا لمعادلة أينشتاين.

فالأبعاد في الفضاء متساوية فلا وجود للماضي والحاضر والمستقبل، لكن هناك مراقب داخلي وخارجي يتباطأ فيه الزمن أو يتسارع وفقًا لسرعة الجسم واقترابه من سرعة الضوء.

فيزياء الكم وتجربة الشق المزدوج

كان ماكس بلانك قد قسم الطاقة إلى وحدات صغيرة كما الذرة وسمى هذه الوحدات بالكم، وهي أصغر وحدة طاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات وقد جاءت ميكانيكا الكم بتسمية مزدوجة للإلكترون هو «الموجة –الجسيم» (أي الإلكترون هو موجة وجسيم في آن واحد) بعد أن كان لمئات السنوات يصنف كجسيم.

تعتبر تجربة الشق المزدوج للإلكترون أو ما يعرف بشقي «يونج» من التجارب الساحرة التي ألهمت العقل البشري في الولوج إلى متاهات فيزياء الكم وتشعباتها الغامضة.

ويمكننا هنا أن نذكرها باختصار مبسط عند إطلاق الإلكترونات من جهاز متخصص على حاجز فيه شق طولي وخلفه لوحة، تتصرف هذه الإلكترونات كأنها جسيمات لها خصائص مادية كما هو معروف ومتفق عليه علميًا، وعندما نطلق الإلكترونات على حاجز فيه شقين طوليين تتفاعل الإلكترونات مع بعضها كما تتفاعل موجات الضوء أو الماء مع بعضها مكونة اضطرابات موجية.

جرب العلماء أن يطلقوا الإلكترونات منفردة إلكترونًا إلكترونًا من الخطين الطوليين فكانت تخرج من الشق ولها خصائصها الجسيمية، لكن ما أن تتراكم على لوحة التجربة خلف الشق حتى تغير صفاتها إلى الحيود وتأخذ صفات الموجة.

جرب العلماء أن يضعوا راصدًا يرصد الإلكترونات فكانت تخرج من الشقين المزدوجين بصفات الموجة وتتراكم على اللوحة على هيئة جسيمات تأخذ حجم وطول الشق، وجربوا أن يخفوا الراصد ويضعوه في مكان ما خلف لوحة التجربة فكانت النتيجة نفسها.

أي باختصار أن الإلكترون غيّر من خصائصه بالرجوع إلى ماضيه عندما عرف أن راصدًا يترقبه وكذلك كان الحال عندما رصد العلماء حركة دوران إلكترونين أحدهما عكس عقارب الساعة والآخر باتجاه عقارب الساعة فقاموا بشطر إلكترون يدور باتجاه عقارب الساعة إلى شطرين ووجدوا أن كل شطر يدور باتجاه مختلف عن الآخر، وقاموا بمباعدة زمانية ومكانية بين شطري الإلكترون ووجدوا النتيجة نفسها أي أن أحدهما كان يؤثر في الآخر ويرسل له إشارات خفية حتى لو كانت المسافة تبعد بمسافة تساوي حجم الكون.

يمكننا الاستنتاج وبصورة شبه يقينية أن المادة تحمل نقائض متعددة ومتشابهة في نفس الوقت وإن الاحتمالات في هذا الكون لا متناهية وأحيانًا تناقضاتها لا يمكن أن يستوعبها العقل البشري بإدراكه المحدود، لكن رصدنا للأشياء يؤثر فيها فنرى احتمالًا واحدًا من عدد لا متناهٍ من النتائج والاحتمالات.

وهذا انتصار ساحق أيضًا للمادية الديالكتيكية وما تحمله من خبايا لحركة التاريخ والمجتمع والعالم والمجرة التي يعيش فيها الجنس البشري.

قادت هذه النتائج العلمية الباهرة العلماء إلى نظرية الأكوان المتعددة، أي أن في كل كون هناك نسخة تشبهك وتؤثر فيك وفي وعيك ومساراتك في الحياة لكن نحن نرصد حالة واحدة واحتمال واحد هو الكون الذي تعيش أنت فيه ويمكن لوعيك أن يؤثر في الأشياء وحركتها من حولك وبالتالي يمكن أن يؤثر بطريقة خفية وجذرية في واقعك المعاش وهذا ما قد نسميه أحيانًا الصدفة التي تقلب حياتك كلها رأسًا على عقب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

سهم الزمن
شارك 30
علوم
منذ 3 أسابيع
s