أحب أن أتحدث عما يحدث في العالم حولنا، وما فيه من ظلم وجور قد يدفع البعض أحيانًا إلى الإلحاد والشك في وجود الله عز وجل، الذي قد يبدو للبعض أنه لا يتدخل في الأحداث؛ لينقذ المظلومين من جور الطغاة، ولكي ندخل هذا العالم الإلهي المعقد العسير الفهم، سأطرح مثالًا علميًّا هناك في عالم الذرة حيث توجد عوامل أخرى عصية على فهمنا التقليدي للعالم الذي حولنا، ومن هذا العالم نشأ علم quantum mechanics.

ومن هذا تم صناعة الـ transistor الذي هو أساس كل الصناعات التكنولوجية حولنا تقريبًا، المهم أنه في مرحلة ما عرف العلماء ظاهرة غريبة عن هذه الجزيئات الكمية الصغيرة، وهي أنه في بعض الأحيان يمكن لإلكترون مثلًا أن يكون موجودًا في شيء اسمه quantum well اعتبره تلًا، وهناك أحد رمى كرة قدم، وهي تتحرك، تحاول أن تصل لقمته، تهبط من الناحية الأخرى، لو أن الشخص رمى الكرة ليس بالقوة الكافية هل تظن أن الكرة تعبر التل؟ بالتأكيد لا؛ لأن هذا قانون ـ بالرغم من أنوفنا ـ وجب علينا أن نحترمه.

نعود مرة أخرى لمثال الإلكترون والـ quantum wellالغريب هنا أن الـ kinetic energy للإلكترون حتى لو أقل من الـ quantum potential well هناك احتمال أن الإلكترون يعبر الناحية الأخرى، بدون أن يمتلك طاقة كفاية.

تخيل ساعتها العلماء، وهم يندبون كيف أن الله لا يتدخل حتى يمنع الإلكترون من أن يعبر الناحية الأخرى، وأن يكون الاستنتاج فيما عدا هذا أنه لا إله للكون، وإلا كان حفظ القوانين التي اعتدنا عليها.

الغريب أن العلماء لم يفعلوا هذا؛ بل اعترفوا بالقوانين الجديدة وحاولوا تطويعها واستخدامها، وكانت طفرة نعيش حتى الآن نتائجها، كل هذا لأنهم فهموا قوانين ربنا وعملوا على أساسها، ولو ظلوا يندبون حظهم طول العمر ما كانوا تحركوا خطوة واحدة من مكانهم.

هل تظن لو أن هؤلاء العلماء كان فيهم اتقى ناس في العالم ساعتها، ومكثوا يصلون ليلًا ونهارًا حتى يغير الله هذه القوانين الغريبة الطارئة، هل كان ربنا سيستجيب لهم؟ لا عقل ولا منطق يقول هذا، لأن ربنا وضع قوانين قد تكون ثابتة، أو حتى تتطور مع الزمن الله أعلم بهذا، ولكن بالتأكيد لن يتم إلغاء قانون ما بطريقة استثنائية، إلا بحكمة بالغة، وحتى لو تم إلغاؤه فيتم ذلك في مكان محدد، وزمان محدد، وإلا انهار العالم.

الطريف في الأمر أن الشمس نفسها تعتمد على موضوع الـ tunnelingحتى يحدث الاندماج النووي بين الـ protonsويتكون الـ deuterium، بالرغم من أن الـ electric force تمنعهم من أن يقتربوا من بعض؛ لأنهم يحملون نفس الشحنة الموجبة.

هل تظن لو أن الله عطل القانون؛ لأجل خاطر هؤلاء العلماء، ولأنهم مكثوا يصلون وهم لا يدرون أن هذا القانون كيف لو انهار كفيل أن يهدم الشمس، وبالتالي الأرض لن يصل إليها حرارة، وبالتالي تتجمد وكل من عليها سيموتون.

نعم، فكر البشر ساعتها لن يرى غير مصلحة وقتية، ولن يرى الصورة كاملة، وما خفي كان أعظم.

ما فعله هؤلاء العلماء حينئذ أنهم استوعبوا حقيقة العلم والسنن الكونية، وبنوا كل هذا التقدم على أساسها، والغريب أنهم فهموا هذا بدون ما أحد يرشدهم إليه، يكفي أنه يحدث أمامهم لكي يدركوا الحقيقة، ولأنه ليس هناك كتاب سماوي سينزل لمستوى يشرح حينما تجد الإلكترون يسلك سلوكًا معينا اعتبر هذا قانون، وليس خطأ، هم فهموا هذا من تكرار التجربة.

الأغرب أن ربنا، بالرغم من أنه لم يذكر العلم في القرآن، إلا على سبيل الإشارة فحسب، بدون تفاصيل، إلا أنه سبحانه وتعالى عندما جاء ذكر الحياة البشرية ذكر قوانينها، وذكر ما يصلحها وما يفسدها، إلا أننا تقريبًا نأخذ الأمر على سبيل القصص، لا على أنها معادلات غاية في الاتزان، تحمل في طياتها سنن الله وإرادته في تسيير أمور خلقه.

موضوع الخير والشر، وتدخل ربنا سبحانه وتعالى لتغيير مجريات الأحداث أمر شديد التعقيد؛ لأنه يقف دومًا متأرجحًا بين القدرة الإلهية باعتبار لا حواجز أمامها للتدخل، وبين قوانين تبدو لي على الأقل صارمة جدًّا.

يعنى لو عدنا للمثل السابق ستجد ان ربنا متدخل بالفعل فيما حدث وفاعل يفوق فعله كل الأطراف، بل قانونه الذى ذكره فى القرآن يسري على الجميع، نتخيل أن الله يكتب قانونًا، ويغير معادلته لأجل خاطر إنسان أرسل له كتابًا كاملًا، ولم يتركه ليكتشف هذا القانون بنفسه كالعلم البشري، بل ذكره مفصلًا.

فربنا ترك مجالًا للشر، هذا صحيح، ولكن ستجد آيات كثيرة، إذا لم تكن فئة تدفع هذا الشر ستتهدم بيع وصوامع ومساجد، ستجد آيات تسرد أنه لو كان الاهتمام بالحياة، وكل حلال فى الدنيا أكبر من دفع الظلم، فربنا قالها صريحة (فتربصوا حتى يأتى الله بأمره)، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، (إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص)، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، (أفكلما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)، كل هذه قوانين، ولكننا لسنا قادرين أن نفهمها حتى الآن فلنعتبرها معادلة ونحل الحياة على أساسها.

هل معنى هذا أنه ليس هناك معجزات من الممكن أن تحدث؟ بالتأكيد لا، والمعجزة من الممكن أن تكون فى أن مثال الألكترون أن احتمالية عبور الألكترون أو ما يسمى بـ tunneling probability أصلًا صغير جدًا، وليست صفرًا، وستظهر هذه المعجزة حينما تعمل مجود بحثى، وتعملthick barrier حينها ستحدث المعجزة والـ probability ستقل جدًا لدرجة أنها ستكون غير مؤثرة، أعنى حتى المعجزة التى كنت تريدها بالدعاء والجلوس بدون عمل سيحدث تأثيرًا مساويًا تقريبًا لها، ولكن هذه المرة باتباع سنن ربنا، ومثلما الدعاء سنة من الممكن أن تغير القوانين أيضًا سنة.

لو أننا نريد للأمور فعلًا أن تتغير يجب أن نغير مفهومنا عن الله عز وجل، ونرجع مرة أخرى للقرآن، ونتعامل مع الله أنه إله، لا كـأننا نتعامل مع بشر يقول شيئًا، ويعدل عنه، بل نتعامل على أنه إله، إرادته سابقة لكل شيء، مثلما فى الأحاديث القدسية أو الآيات القرآنية التى يظهر فيها أمر هذه الإرادة السارية، حينما يتحدث عنها الله بلفظ (كتب ربكم على نفسه الرحمة)، (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)، ساعتها سنعرف أن ربنا يريد منا أن نكون فاعلين بأن نستغل قوانينه، لا أن نطلب منه أن يلغيها؛ لأننا أبناء الله وأحباءه، كما ذكر عن الأقوام السابقة.

ولكن نعود مرة أخرى، أين الخير والشر من رحمة الله التى تفوق كل القوانين، سأقول لك ما الذى جعلك متأكدًا، إن كل ما تراه أمامك حقيقة بالمعنى المفهوم ليس مجرد ابتلاء لك برؤيتك لهذا الظلم، فتنكره أو تؤيده، لكن فى الحقيقة من يتعرض للظلم، ربما لا يشعر بكل ما تراه أمامك، ألم تر أن قلبك هذا الذى يرتجف لطفلة تحت القصف هناك قلب آخر رآها، ولم ير ذلك الألم، بل سدد طلقته فى سويداء قلبها، هل أنت متأكد ان الله لم يقبض روحها قبل أن تستقر الطلقة فلم تشعر بألمها، ولم يجن ذلك المجرم إلا تلازم جريمته مع خروج روحها.

هناك قلب رأى الألم شر، وهناك قلب تلذذ بهذا الألم، فما تراه فى الحقيقة هو حال قلبك أنت، وليست الحقيقة المطلقة، دعك من هذه الفلسفة ومعنى الحياة وما وراءها؛ لأننى مقتنع أن كل واحد منا سيعرفه بمجرد أن يموت، ساعتها متأكد أننا سنفهم أشياء كتيرة جدًا لم نفهمها فى هذه الحياة الدنيا.

فلنمض الآن فى الحياة نحاول أن نفهم قوانينها حتى نستطيع أن نعيش فيها بدون ظلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد