في ظل استمرار الحجر الصحي الإلزامي في عددٍ غير قليل من الدول حول العالم؛ لعل من المهم أن نسلط الضوء على العزلة من الناحية النفسية والتربوية، إذ تعد العزلة الاجتماعية في الحقيقة أحد الأمراض النفسية؛ وذلك عندما تصيب  الإنسان بالطبع، وبمجرد ظهور بوادر العزلة الاجتماعية لدى الطفل؛ فإن الأهل يلجؤون إلى مختصٍ في علم النفس؛ يستشيرونه في وسائل وطرق العلاج؛ حتى لا يقع ولدهم فريسة لما يسمى الانطواء.

ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه فإن الحالة الطبيعية؛ هي أن يكون على علاقاتٍ طيبةٍ مع من حوله من الأقرباء والجيران، والأصدقاء، وقد أكد الإسلام هذا المعنى؛ فدعا إلى الألفة، والمحبة، والاختلاط؛ كما جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم): «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم» (رواه أحمد في مسنده)، وقال: «المؤمن مألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» (رواه أحمد في مسنده)، وهذا كله يؤكد أن التواصل الإنساني سمة من سمات المسلم.

أما إذا كانت العزلة بقصد الانقطاع فترةً عن شواغل الفكر، وضوضاء الحياة، والعودة إلى الذات، والنظر في النفس والتفكّر في الخلق، فإنها تكون أسلوبًا من أساليب تقويم النفس وتعديل السلوك، ووسيلةً من وسائل صفاء الذهن، وراحة الفكر، وهدوء البال.

ومن هنا فقد أورد النووي في كتابه رياض الصالحين بابًا بعنوان (باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان)، وأورد فيه بعض الأحاديث الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وسلم )؛ التي تبين فضل العزلة، واجتناب الناس، ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: «قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: مؤمن يجاهد بماله ونفسه في سبيل الله قال: ثم من؟ قال: ثم رجلٌ معتزلٌ في شِعب من الشّعاب يعبد ربه»، وتأتي مشروعية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لتؤكد أهمية العزلة وآثارها الإيجابية على نفس الإنسان وحياته وفكره، فقد كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم): «يجاور في العشر الأخير من رمضان» (رواه البخاري ومسلم)؛ أي يعتكف في المسجد ويعتزل أهله.

وعندما نبحث في كتب التراث؛ نجد أن العلماء السابقين قد أولوا موضوع العزلة اهتمامًا واسعًا، وتناولوه بالتفصيل والكتابة، والبحث، وألفوا فيه الكتب، والمصنفات؛ التي بينوا فيها حكم العزلة، وفوائدها وآدابها، وربما يكون أقدم ما صنف في التراث الإسلامي عن العزلة هو كتاب (ابن أبي الدنيا – المتوفى عام 281هـ)؛ والذي جاء بعنوان (العزلة والانفراد)، وبيّن فيه المفاضلة بين المخالطة والعزلة ثم ذكر للعزلة ست فوائد فقال:

“الأولى: الفراغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق.

الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصي؛ التي يتعرض الإنسان لها غالبًا، وهي: الغيبة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّ من ينكر يتعرض لأنواع الضرر، والرياء، ومسارقة الطبع لما يشاهد من أخلاق الناس وأعمالهم؛ فهو داءٌ دفينٌ قلّما يتنبّه له العقلاء فضلاً عن الغافلين.

الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات، وصيانة الدين، والنفس عن الخوض فيها، والتعرّض لأخطارها.

الرابعة: الخلاص من شرّ الناس من الغيبة، وسوء الظن بك والتهمة عليك، والاقتراحات والأطماع الكاذبة؛ التي يعسر الوفاء بها، وربما يسيئون الظن بسبب توهمهم.

الخامسة: أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عنهم.

السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقاء ومقاساة أخلاقهم، فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر، وفي رؤية الثقيل خوف ارتكاب غيبته واستنكار ما هو صنع الله تعالى.

ثم يأتي كتاب (العزلة) للإمام الخطابي (ت: 388هـ)؛ وهو كتاب أدبٍ وحكمةٍ وموعظةٍ؛ ردَّ فيه على من أنكر أهمية العزلة، وذكر الأسباب التي تعين عليها، كما ذكر ما يتعلق بالمخالطة وضرورة اجتناب قرناء السوء، ومن لا خير في صحبته؛ وفي آخر الكتاب عقد فصلًا؛ بيَّن فيه ضرورة لزوم القصد بين الخلطة والعزلة، كما أورد الغزالي (ت: 505هـ) في (إحياء علوم الدين) كتاباً بعنوان (كتاب آداب العزلة).

وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن هناك جوانبًا إيجابيةً للعزلة؛ سواء بالنسبة للحياة العملية، أو بالنسبة للحالة النفسية، ومن إحدى الفوائد المهمة للعزلة؛ هي تحسين الإبداع؛ فقد توصل غريغوري فيست؛ المهتم بعلم النفس الإبداعي في جامعة سانت هوزيه بكاليفورنيا إلى أن من صفات الشخصية التي من الشائع ارتباطها بالإبداع تفضيل البقاء في عزلة؛ لأنها تتيح للمرء التفكر وإمعان النظر الضروريين لتلك العملية الإبداعية.

وقد صدر مؤخراً ما يعزز تلك الأفكار عن عالمة النفس جولي باوكر من جامعة بافالو بالولايات المتحدة؛ والتي تدرس العزلة الاجتماعية، كما أن للعزلة دورًا في التركيز الداخلي والصحة العقلية؛ فمنذ القدم كان الناس على دراية بوجود رابطٍ بين العزلة والتركيز الذهني، وقد فسرت لنا الأبحاث الحديثة السبب في ذلك، فإحدى فوائد العزلة الاجتماعية هي حالة الراحة الدماغية، والتي تسير جنبًا إلى جنب مع ما يصاحب العزلة من هدوء وسكون.

لقد رصدت وسائل التواصل الاجتماعي تجارب ناجحة لأسر وعائلات حوّلت فترة الحجر الصحي؛ التي نعيش بها الآن إلى فرص حقيقية للتعلم والتطور الذاتي والإنتاج، وإعادة النظر في الأساليب التربوية والعلاقات الأسرية.

ولأن هذه التجربة التي نمر بها قد تطول أو تتطور أو تتكرر، فربما نحتاج لمن يرصد تطورها وآثارها من الباحثين؛ ليقدموا نتائج حقيقية في دراساتٍ علميةٍ، وأطروحات أكاديمية توضح الآثار الإيجابية، وكيفية الاستفادة منها، والآثار السلبية وكيفية علاجها.

العزلة مرحلة تاريخية في حياة الإنسان، ربما لم يفكر بها بعضهم من قبل، لكن عندما تُفرض عليه، فمن المهم أن يستفيد منها؛ ليعود إلى الحياة متجددًا في روحه وفكره، وقد جاء في كتاب (العزلة) للخطابي عن وهب بن منبه قال: «إني وجدت في حكمة آل داوود: حق على العالمِ ألا يُشغَل عن أربع ساعاتٍ: ساعةٍ يناجي فيها ربّه، وساعةٍ يحاسب فيها نفسه، وساعةٍ يفضي فيها إلى إخوانه الذين يصدُقونه عيوبَه، وينصحونه في نفسه، وساعةٍ يخلو فيها بين نفسه وبين لذّاتها مما يحلّ ويجمل، فإن هذه الساعة عونٌ لهذه الساعات، واستجمامٌ للقلوب وفضلٌ وبُلغةٌ، وعلى العاقل أن يكون عارفًا بزمانه، ممسكًا للسانه، مقبلًا على شأنه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد