عندما تنحدر الدولة وينحط قدرها، تتحول إلى شبه دولة، وشبه الدولة مرحلة تسبق الانحدار الأكبر؛ حيث تتمزق شبه الدولة إلى دويلات أو قطع متشرذمة، وربما تتعارك وتتناحر فيما بينها وتتمزق أكثر وأكثر.

والدول تنحدر عندما تحتلها دولة خارجية أقوى، تمص خيراتها وقد تدمرها تدريجيًا حتى تنحدر إلى شبه دولة، أو تتمزق إلى دويلات هشة لا قيمة لها ولا وزن.

وأحيانًا تتحول الدول إلى دول فاشلة أو شبه دول على يد أبنائها «غير المؤهلين لإدارة الحكم»، وعادة يكونون من العسكر الانقلابين أو جماعة أو «جماعات» عرقية مسلحة، وانظر إلى ما يجري في «الصومال والعراق واليمن وليبيا» على سبيل المثال.

https://youtu.be/kTJPtOYPVp8?t=4

ملامح شبه الدولة:

1- السياسة

لن تجد سياسة حقيقية في شبه الدولة، وشبه الدولة لا تعرف أحزابًا حقيقية ولا انتخابات حقيقية ولا أي منافسة سياسية مثلما يحدث في الدول الحقيقية.

ولا توجد مؤسسات سياسية، إنما «أشكال المؤسسات» أو «أشباه المؤسسات»، وهي عبارة عن «سكرتارية» عند الحاكم، تأتمر بأوامره وتنفذها، وهي أوامر لا تحمل أي تقدم أو رخاء أو ازدهار، ولا تحمل أي تقدم في باب الحريات وحقوق الشعب المغلوب على أمره؛ لأن الحاكم عادة يأتي للحكم منفذًا لأوامر الدول الكبرى التي عينته في وظيفته.

والحاكم ينظر إلى الشعب بمنزلة دنيئة؛ لا تصل إلى الإنسانية ولا حتى الحيوانية، ويقول ذلك الحاكم لزعماء الدول الأخرى «الحقيقية»: «إن شعوبنا لا تستحق أن تصل معايير حقوقها إلى المعايير التي عندكم حيث الحضارة والتقدم والازدهار، ولا حتى لحقوق الحيوانات المعروفة لديكم».

تقسيم الشعب

ولكي يفرض الحاكم سيطرته التامة على شبه الدولة، فإنه يقسم الشعب «أنتم شعب ونحن شعب، لينا رب ولكم رب»!

وينفخ الحاكم من روحه الخبيثة في نار الطائفية بقوة حتى يمزق شعبه، ويطبق نظرية «فرق تسد» بقوة.

اضطهاد وقتل المعارضة

وفي شبه الدول، يتحول الأعداء إلى أصدقاء ويجب حمايتهم، أما المعارضة وأبناء الوطن الحريصون عليه وعلى مصالحه، فيصنفون على أنهم أعداء[1]، ويسجنون ويسحلون ويغتصبون وتنتهك كرامتهم ويقتلوا وينفذ حكم الإعدام فيهم حتى على أَسْرتِهم ووسط أهلهم، وأحيانا يلقون من أعلى البناية في الدور الحادي عشر، ويحكم على بعض الأطفال بالإعدام، وأحكام الإعدام بالجملة وبالتقارير المفبركة وبالشبهة، فشعار شبه الدولة الأثير هو «القتل خارج القانون» و«ولماذا نعتقلك ونحاكمك ونحن نستطيع قتلك على سريرك»!

عقد الاتفاقيات

وفي شبه الدول، يعقد الحاكم الاتفاقيات والصفقات بدون الرجوع للشعب ولا نوابه، ويخالف القوانين والدستور إن كان هناك ثمة دستور وقوانين ونواب للشعب، ولا تأخذنا الدهشة إن وجدنا ذلك الحاكم المشؤوم يفرط في ملكية الأراضي والجزر لصالح الدول الأخرى القوية!

كوميديا سياسية

وفي شبه الدول، قد تجد الأنظمة الحاكمة لها مواقف تتميز بما يسمى «بالكوميديا السوداء»؛ فمثلاً تجد الحاكم في المحافل الدولية لا يلتزم بالبروتوكولات المتبعة، ويظهر للعالم بمظهر الأحمق والأخرق، ويجعل نفسه «أضحوكة للعالم»، وقد يتعرض حراسه للضرب والإهانة بسبب تعديهم للبروتوكولات المتبعة في زيارة الدول الأخرى! أما إذا خطب ذلك الحاكم، فستخرج من فمه «جملاً خرقاء» تجعل العالم كله يتندر عليها وعليه.

وإذا كان حاكم شبه الدولة من الحكام العسكريين، فإنه عادة ما يتميز  بمرض «جنون العظمة» وما ينتج عنه من أهوال[2]!

المؤسسات

الدولة الحديثة عبارة عن دولة المؤسسات والقانون، ودولة المؤسسات تتميز بتنظيم السلطة بسلاسة ويسر، والشفافية، ووضع مكانة وقوة القانون فوق الجميع «حكامًا ومحكومين»، ولا تتداخل المؤسسات فيما بينها، إنما تتمايز، وتكون السلطة التشريعية رقيبة على السلطة التنفيذية، والقضاء سلطة مستقلة، والصحافة سلطة رابعة رقيبة على أداء الحكومة وتقوم بدور تنويري كبير للشعب. ونظم الحكم تتغير أما مؤسسات الدولة فتبقى؛ لأن الدول تبنى على مؤسسات وليس على أفراد أو قبيلة أو عصابة مسلحة.

وقد قال مونتسيكو إن الدول تقوم على ثلاث سلطات: «سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة قضائية»، وقال أيضا «إن السلطة توقف السلطة».

وفي شبه الدول، المؤسسات تتداخل فيما بينها، والحاكم ينقض عليها ويحولها إلى ملكية خاصة به أو يخصيها أكثر ويحولها إلى «ملك يمين» في يده يتحكم بها كما يشاء، ولا نندهش إذا وجدنا أحكام القضاء ضد المعارضين جائرة، وتصل إلى «إعدامات بالجملة»، وعادة تأتي هذه الأحكام عبر الهاتف أثناء المداولة!

2- الاقتصاد

وإذا كانت السياسة في شبه الدولة عبارة عن «شبه سياسة»، فهل تتوقع أن يكون ثمة اقتصاد حقيقي فيها؟ وهل تتوقع أن نجد خططـًا اقتصادية قوية للتقدم؟!

طبعًا، الإجابة بالنفي؛ لأن الاقتصاد القوي مرتبط بسياسة قوية لدولة حقيقية، واقتصاد شبه دولة عبارة عن شبه اقتصاد، وهو في انهيار دائم، والعملة الوطنية هي أيضًا في انهيار دائم، ولا توجد خطط حقيقية للنهضة والازدهار والتقدم، من المتوقع أن تجد شعار اقتصاد شبه الدولة هو «عدم الشفافية والفساد».

والحاكم أصلاً انقض على الحكم وليس معه أي برنامج اقتصادي سوى أوامره للجيش بتوزيع كراتين زيت وذرة وأشياء أخرى خضراء، والجيش يشيد مصانع صلصة ومكرونة، ويُحَصل رسوم التحصيل «الكارتة» على الطرق بين المدن، ويقوم إعلام الحاكم بحملات تبرعات قميئة لبناء المستشفيات، أما بناء وتشييد السجون وأدوات التعذيب في المعتقلات وحبال الإعدام المتينة، فميزانيتها جاهزة دائمًا!

وثروات البلد تجرف وتوضع في حسابات «بنوك سويسرا وأخواتها» لأصحاب الحظوة من الأفراد والعصابة والقبيلة التي تتحكم في الموارد وفي كل شيء في شبه الدولة، وفي الوقت ذاته، يحرم منها الشعب الذي يوزع عليه الفقر والعوز بسخاء.

ومن المتوقع أيضًا أن يعزف أصحاب المال والشركات من الاستثمار في شبه الدولة؛ لأنه لا يوجد أي ضمان لأموالهم، ولا توجد الشفافية ولا النزاهة ولا البيئة الصالحة للاستثمار، ومن المضحك أن حاكم شبه الدولة لا ينفك هو وأجهزته الإعلامية من الحديث عن محاربة الإرهاب ليلاً ونهارًا؟! فكيف يأتي أي استثمار؟ وكيف تزدهر السياحة؟!

3- الإعلام

هو إعلام المانشيت الواحد، والرأي الواحد، والتسبيح بحمد الحاكم والتقديس له، وإضلال الشعب، وتغييب وعيه وتجهيله؛ لأن الشعب المغيب والجاهل «سهل القيادة».

ومن تضليل الإعلام، بث الفشل السياسي المزري على أنه نجاح غير مسبوق، وتدمير البلدان هو عمران البلدان، ومشاريع «الفناكيش» هي مشاريع حقيقية، والديكتاتورية الشرسة هي ديمقراطية وديعة، والفاشية العسكرية هي مدنية متقدمة، والفشل الاقتصادي المخيف هو تقدم اقتصادي رهيب، وتدمير العملة الوطنية تنشر على أنها في صالح جلب الشركات العالمية للوطن، والفشل الإداري المرعب يعلن على أنه نجاح إداري غير مسبوق في التاريخ البشري كله، والحاكم المخِرب «بكسر الخاء» يبث ليلاً ونهارًا على أنه المخلص[3]؛ فشعار الإعلام الأثير هو «استحمرناك»!

4- التعليم

التعليم هو أيضًا «شبه تعليم»، وهو خارج التصنيف الدولي، ولا يعترف بشهاداته دوليًا، ويصرف عليه أقل نسبة في الميزانية، وحكام شبه الدول حريصون على تجهيل شعوبهم؛ لأن الشعب الجاهل «سهل القيادة».

ويتصدر المشهد التعليمي الجهلة وأشباه المتعلمين.

5- الأحوال الاجتماعية

لا توجد أشكال المجتمع المدني، والنقابات والجمعيات الأهلية ينقض عليها الحاكم ويؤممها ويفقدها دورها.

وتنهار الخدمات الصحية، وتزداد أكوام القمامة شراسة، ويتفشى المرض، وتزداد معاناة الناس من البحث عن حليب الأطفال والغذاء والكساء وكل شيء وحتى رغيف الخبز.

وتستشري الأمراض الاجتماعية مثل السرقة، و«التحرش» وخاصة مع الازدحام في وسائل المواصلات غير الآدمية وخاصة في القطارات التي تتميز بالظلام ليلاً ونوافذ محطمة وروائح كريهة منبعثة منها باستمرار، وتستشري «المخدرات» أيضًا؛ لأن «الشعب المسطول» سلس القيادة!

ومع كبت الحريات والسجون والمعتقلات، يفقد الإبداع، ويكون أمل الطبقة الوسطى والقادرين أن يهاجروا من شبه الدولة إلى الدول الحقيقية حيث الحرية واحترام كرامة الإنسان والإبداع والتطور والازدهار، ونسبة من الذين لا يستطيعون الهجرة، يقدمون على الانتحار!

إن الدول الحقيقية هي دول ديمقراطية تتميز بدولة المؤسسات والقانون، وتتمتع شعوبها بالحريات وبالتقدم الاقتصادي والرفاهية والرخاء، والنظام الحاكم فيها يأتي بانتخابات حقيقية وبشفافية تامة، والنظام الحاكم يحترم ويقدر «الناخب» الذي انتخبه، ويعمل كل ما وسعه لترجمة برنامجه الانتخابي على أرض الواقع ليتحقق النمو والرخاء والازدهار.

إن الشعوب التي ترضخ لعصابة تحكمها وتحول دولتها إلى شبه دولة، تستحق ما هي عليه من الاكتئاب الذي يكسو وجوههم، والحزن الذي يغلف نفوسهم، واليأس من التغيير الذي ملأ أرواحهم!

إن الحرية ثمنها غالٍ ونفيس.


[1] انظر إلى مقالنا يحدث هذا فقط في حمارستان.

[2] انظر إلى مقالنا زعماء العالم ومرض الجنون العظمة.

[3] انظر إلى مقالنا جمهورية زريبة العربية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد