هل فكرت من قبل أن ما احتفظ به جدك من أوراق وصور وكتب قديمة من الممكن أن يصبح يومًا ما ذات قيمة كبيرة؟ فالخطابات وعقود الإيجار وعقود الزواج والشهادات الدراسية وإيصالات الدفع والكتب الصفراء القديمة التي انفصلت بعض صفحاتها تمثل كلها تفاصيل الحياة اليومية لجيل أو عصرٍ ما. وفي حين يبدو تكدس تلك الأوراق في المنزل أمر مزعج يدفعنا للتخلص منه، ألا أنه سيمثل لاحقًا جزء من التاريخ للأجيال القادمة لأن كل تفصيلة من تلك التفاصيل ستمثل جزء مهم من محاولة فهم العصر الذي عاش فيه هؤلاء.

ولكن ماذا كان الحال منذ ألف سنة مضت أو أكثر؟ هل كان يفكر وقتها عامة الناس في أن ما سيتبقى من تفاصيل حياتهم سيكون موضوع للبحث والدراسة؟ ربما يطرح ما تم اكتشافه في قبة الخزنة أفكار كثيرة كهذه!

قبة الخزنة

لقد استضاف متحف الفن الإسلامي بالدوحة في فبراير (شباط) الماضي البروفيسور آريانا دوتونه رامباخ أستاذة اللغة والآداب العربية في المعهد الإيطالي للدراسات الشرقية بجامعة روما للحديث عن مكتشفات قبة الخزنة والتي احتوت على 200 ألف مخطوطة قديمة.
تقع قبة الخزنة في صحن المسجد الأموي بدمشق وقد بُنيت في القرن الثامن الميلادي، وهي عبارة عن مستودع يحتوي على كتب ووثائق قديمة أغلبها نصوص عربية، سواء قانونية، أو أدبية، ونسخ من القرآن الكريم، وشهادات حج وعقود زواج وغيرها.

وقد شملت المخطوطات أيضًا كتابات يهودية، وسامرية، ومسيحية مكتوبة بلغات عديدة كالعربية، والسريانية، والآرامية الفلسطينية، والقبطية، والجورجية، والأرمينية، واليونانية، واللاتينية، والفرنسية القديمة.

قبة الخزنة في سوريا تشبه الجنيزا في مصر

إن طريقة حفظ كل تلك المخطوطات في قبة الخزنة بسوريا يشبه ما تم حفظه من أوراق ووثائق قديمة في الجنيزا بالقاهرة. تلك الأوراق التي كان لا يجوز إبادتها وفقًا لتعاليم الديانة اليهودية وخصوصًا إذا ضمت اسم «الله» بين ثناياها فيتم تخزينها في غرف معزولة في المعابد أو تدفن في الأرض ولهذا سميت «الجنيزا» كاشتقاق من كلمة «الجنازة» العربية. ومن خلال تلك الأوراق التي تنوعت بين عقود مدنية أو نصوص دينية أو مراسلات تمكن الباحثون من معرفة الكثير من الأحداث التاريخية للطوائف اليهودية في مصر في الفترة ما بين القرن التاسع وحتى القرن التاسع عشر الميلادي.

وكذلك كان الحال بالنسبة لمحتويات قبة الخزنة، حيث إن البحث في تلك المخطوطات اعتبر فرصة فريدة لمعرفة طبيعة الحياة في دمشق والتي زخرت بتنوع سكانها وتعدد لغاتهم في الفترة ما بين العصور القديمة والعصور الوسطى حتى أن الجامع الأموي نفسه مثَّل حيثيات ذلك التنوع، فمن معبد لإله الطقس، صار معبدًا للإله جوپيتر أحد آلهة الرومان واليونان، ثم صار كنيسةً ثم جامعًا وكأنه تعبير لإفرازات ذلك التنوع.

البحث في محتويات القبة

لقد تم فتح القبة لدراسة محتوياتها عام 1900 ميلادية. فعند الزيارة الثانية لقيصر ألمانيا Wilhelm II للشرق عام 1898، حصل القس الألماني والعالم اللاهوتي Hermann Von Soden على إذن من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لفتح قبة الخزنة وقد استعان في ذلك بالعالم بفقه اللغة Bruno Violet والذي أخذ الإذن أيضًا للبحث في محتويات القبة فيما يتعلق بنصوص العهد الجديد.

حمل عُمال الجامع الأموي 150 شُوال يحتوي على تلك المخطوطات لكي يبدأ Violet بفرزها وتصنيفها حسب محتوياتها ولغتها. وذلك لكي تُعرض على الآباء الكنسيين في برلين بعد أن سمح لهم السلطان عبد الحميد الثاني باستعارة ما اختاروه من المخطوطات، وذلك بعد أن تم عمل جرد من قبل السلطات العثمانية وتصوير للمخطوطات.

وصلت المخطوطات إلى برلين عام 1920 وكان عددها ١٥٥٨ مخطوطة وكانت في الأساس مخطوطات يهودية ومسيحية بلغات مختلفة وظلت هناك حتى عام 1909 ثم تم إعادتها لدمشق من جديد حيث وزعت بين إستنبول ودمشق بعد أن تم تصويرها في برلين لغرض البحث والدراسة. ولكن أحداث الحرب العالمية الأولى أوقفت عمليات البحث، وكانت أول محاولة عميقة لدراستها قد تمت على يد العالمين الفرنسيين Dominique Sourdel وJanine Sourdel في منتصف الستينات بعد الاطلاع على المجموعة المحفوظة في إسطنبول في متحف الفن التركي والإسلامي تحت اسم Sam Evraklari أو (أوراق دمشق).

بعض مما كشفته المخطوطات: اللغة العربية بحروف يونانية!

لقد تم اكتشاف رقائق لمخطوطات تعود للقرن الثامن الميلادي باللغة العربية، ولكنها مكتوبة بحروف يونانية! لقد كانت مثار جدل وبحث بين العلماء، حيث سُميت The Violet Fragment نسبةً إلى العالم Bruno Violet الذي كان أول الباحثين فيها.

تساءل الباحثون حول سبب كتابتها بالحروف اليونانية وقد أرجع ڤيوليت ورشيد حداد السبب في ذلك إلى أنها مخطوطة دينية مسيحية موجهة إلى مجتمع مسيحي لم يعد يتحدث اليونانية، حيث استبدل بها التحدث باللغة العربية، وفي حين أن من كتبها هم رجال دين كانوا ما يزالون يتحدثون اليونانية.

ولكن هناك باحثون آخرون أنكروا ذلك التفسير، وقالوا إن الأمر لا يتعلق بالمعرفة أو الجهل باللغة سواء اليونانية أو العربية، بل إن السبب في ذلك يعود إلى الرغبة في إظهار الانتماء لليونانية كلغة، باعتبارها لغة المسيحية التي كُتبت الأناجيل والنصوص الدينية بها، فهي بمثابة لغة مُقدسة لديهم. والجدير بالذكر أن أقدم الأناجيل الموجودة قد كُتب باليونانية، وهناك عدم معرفة حول اللغة الأصلية المكتوب بها الإنجيل ما إذا كانت اللغة اليونانية، أم أنه ترجمة عن النص الأصلي المكتوب باللغة الآرامية، وهي اللغة التي تحدث بها السيد المسيح عليه السلام حيث إن الآرامية كانت لغته الأم.

تذكر الباحثة ماريا ماڤرودي أن هناك مخطوطات أخرى لكتابات عربية بحروف عبرية، وسريانية. كما وجدت كذلك مخطوطات باللغة العربية بحروف قبطية ولكن عددها ضئيل وتعود للقرن الـ13 الميلادي.
وأيًا كان التفسير فإن المجتمع في بلاد الشام عند دخول المسلمين كان مجتمع متنوع اللغات وربما مع تنامي استخدام اللغة العربية حدث ذلك المزج العجيب.

ولنعطي مثال على ذلك التنوع اللغوي بالراهب يوحنا الدمشقي المولود عام 676 في عهد الخلافة الأموية – والذي كان من آباء الكنيسة الشرقية وعمل والده وزيرًا في بلاط الخلافة الأموية – فقد كان يكتب باللغة اليونانية ويستخدم السريانية في حياته اليومية ويحسن استخدام العربية.

لقد كشفت وجود المخطوطات القبطية كذلك على وجود مجتمعات قبطية خارج أرض مصر وهذا مما يعطي لنا صورة عن مدى التنوع السكاني الذي كانت عليه دمشق في ذلك الوقت.
ما زال على الباحثين الكثير ليدرسوه فيما يتعلق بمحتويات قبة الخزنة، وصعوبة ذلك في تشعب الاختصاصات المطلوبة لبحث محتوياتها المتنوعة بين الأديان الثلاثة (الإسلام، والمسيحية، واليهودية) واللغات المتعددة والتي تتطلب منهم في كثير من الأمور التعاون فيما بينهم للوصل لفهم أوسع عن طبيعة ذلك العصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد